يوم ما اتشخصت بالسرطان

لمحة نيوز

السنتين.
رجعت لشغلي.
كبرت في مجالي.
وبقيت أقوى مما كنت أتخيل.
لكن علاقتي بأهلي اتغيرت.
مكنتش بكرههم.
ولا كنت عايزة أنتقم.
بس بطلت أستنى منهم حاجة.
وفي يوم، جالي اتصال من أمي.
صوتها كان متوتر.
قالت
مريم.. أبوكي تعبان أوي.
سألتها
تعبان إزاي؟
قالت
الدكاترة قالوا إنه محتاج حد يكون معاه الفترة الجاية.. ومش هينفع يفضل لوحده.
سكت.
وبعدها سمعت أمي بتقول
إنتِ بنته يا مريم.. وإحنا محتاجينك.
قفلت عيني.
ولأول مرة من سنتين، افتكرت الممر اللي قعدت فيه لوحدي.
افتكرت أول جلسة.
افتكرت الرسالة.
افتكرت يوم الفرح.
وافتكرت الجملة اللي قالها لي أبويا.
مش هقدر على الشغلانة دي دلوقتي.
وبهدوء قلت
خلاص يا ماما.. اجمعوا كل الناس، وتعالوا نتكلم.
ماكنتش عارفة إن الكلام اللي هقوله في القعدة دي هيغير شكل علاقتنا كلنا للأبد بعد يومين، اتجمعنا كلنا في بيت أبويا.
أمي كانت قاعدة جنبه، وأحمد قدامه، ومراته نورهان قاعدة ساكتة.
وأنا دخلت وقعدت في الناحية التانية.
أبويا كان باين عليه التعب جدًا.
بص لي وقال بصوت ضعيف
مريم... أنا محتاجك.
الجملة دي، اللي استنيتها سنين، وصلتني متأخرة أوي.
قلت بهدوء
محتاجني في إيه؟
أمي ردت بدلًا منه
أبوكي محتاج رعاية طول اليوم. الدكتور قال مينفعش يفضل لوحده، وإحنا فكرنا إنك تقدري تقعدي معاه شوية.
بصيت لأحمد.
وإنت؟
قال بسرعة
أنا طبعًا هساعد، بس شغلي صعب ومش هقدر أكون موجود طول الوقت.
سألته
يعني أنا أوقف حياتي؟
مش بنقول كده يا مريم.
ابتسمت.
أمال بتقولوا إيه؟
سكتوا.
طلعت موبايلي وحطيته على الترابيزة.
فتحت أول صورة.
رسالة أمي من يوم أول جلسة كيماوي.
وقريتها بصوت مسموع.
شدي حيلك يا حبيبتي، ربنا معاكي. أنا قاعدة مع نورهان بنختار حاجات الفرح.
أمي نزلت عينيها.
فتحت صورة تانية.
بوست الفرح.
وبعدين صورة من التحاليل.
وقلت
أنا مش جايّة أعاير حد بمرضي. أنا عديت المرحلة دي، والحمد لله. بس عايزة أفهم حاجة واحدة.
بصيت لأبويا.
لما كنت أنا محتاجة حد، ليه مكنش عندكم وقت؟
أبويا حاول يتكلم
يا بنتي...
قاطعته بهدوء
فاكر اليوم اللي قلت لي فيه مش هقدر على الشغلانة دي دلوقتي؟
وشه اتغير.
فاكر.
قلت
أنا كمان فاكرة.
سكت المكان كله.
أمي بدأت تبكي.
إحنا غلطنا يا مريم.
رديت
أنا مش محتاجة اعتذار عشان أرتاح. أنا محتاجة أفهم بس.
أحمد قال
مريم، إحنا أهل. ومهما حصل، لازم نقف جنب بابا.
بصيت له.
وأنا كنت إيه؟
سكت.
مكنتش أنا أهلكم وقتها؟
ماحدش رد.
بعد لحظات، أبويا مد إيده ناحيتي.
أنا غلطت في حقك.
بصيت له، ولأول مرة شفت في عينه ندم حقيقي.
كمل
كنت فاكر إنك قوية ومش محتاجة حد. وكنت غلطان.
دموعي نزلت، لكن صوتي فضل ثابت.
القوة مش معناها إني مش بتوجع يا بابا.
الكلمة وقعت عليهم كلهم.
وبعدها قلت
أنا مش هسيبك.
رفع أبويا عينه لي.
بس مش هقدر أكون الشخص الوحيد اللي يشيل المسؤولية.
أحمد هز راسه.
معاك حق.
ومن اليوم ده، اتقسمت المسؤولية بيننا.
أنا كنت أروح أتابع علاجه وأقعد معاه في مواعيد معينة، وأحمد يتولى جزء من المصاريف والمشاوير، وأمي تتابع البيت.
وفي أول ليلة قعدت فيها جنب أبويا، كان ساكت فترة طويلة.
وبعدين قال
مريم؟
نعم؟
كنتِ بتخافي لوحدك؟
بصيت قدامي.
جدًا.
ومكنش فيه حد جنبك؟
سكت.
ثم قلت
كان فيه ناس طيبين ساعدوني. بس الشخص اللي كنت مستنية منه كلمة واحدة... مكنش موجود.
أبويا غمض عينيه.
وقال
سامحيني.
المرة دي، مقدرتش أرد بسرعة.
وبعد ثواني قلت
أنا بحاول.
ومع مرور الأيام، حالته بدأت تستقر.
لكن اللي اتغير فعلًا مش حالته.
اللي اتغير هو إحنا.
أحمد بدأ يفهم إن البيت مش مبني على إن واحد يضحي والتاني ياخد.
وأمي بدأت لأول مرة تقول رأيها بصراحة، حتى لو أبويا مش عاجبه.
أما أبويا، فبقى كل مرة يشوفني داخلة البيت يقول
إنتِ أكلتي؟
والسؤال البسيط ده كان بيوجعني ويفرحني في نفس الوقت.
لأنه أخيرًا افتكر إن بنته مش مجرد شخص جدع يستحمل.
هي إنسانة برضه.
وبعد كام شهر، في يوم كنا قاعدين كلنا على السفرة، أبويا بص لي وقال
أنا عندي طلب أخير.
قلبي اتقبض.
قلت
قول.
قال
عايزك ترجعي تعتبريني أبوكي زي زمان.
بصيت له طويلًا.
وبعدين قلت
ده مش قرار بيتاخد في يوم يا بابا.
هز راسه.
عارف.
قلت
بس ممكن نبدأ من جديد.
ابتسم.
ومن ساعتها، بدأت علاقتنا تتصلح واحدة واحدة.
مش لأن اللي حصل اتمسح.
لكن لأن كل واحد فينا أخيرًا اعترف بغلطه.
وأنا فهمت إن رد المظالم مش دايمًا يكون بالقسوة.
أحيانًا أقوى رد إنك متعملش في غيرك نفس اللي عمله فيك.
وتفضل إنسان...
حتى مع الناس اللي نسيت إنك إنسان مرت شهور بعد القعدة دي، وعلاقتي بأبويا بدأت تتغير فعلًا.
مكنتش رجعت زي زمان مرة واحدة، وده كان طبيعي.
الثقة اللي بتتكسر في سنين، مبتترجعش بكلمتين.
لكن أبويا كان بيحاول.
كل مرة كنت أزوره، يسألني عن شغلي.
كل مرة كنت أتأخر، يتصل يطمن عليا.
وفي مرة وأنا خارجة من البيت، ناداني
مريم.
لفيت له.
نعم؟
قال
أنا فخور بيكي.
الكلمة كانت بسيطة جدًا.
لكنها هزت حاجة جوايا.
يمكن عشان عمري كله كنت مستنية أسمعها.
ابتسمت وقلت
شكرًا يا بابا.
ومشيت.
بعد فترة، حصل شيء محدش فينا كان متوقعه.
أبويا طلب مني أفتح درج مكتبه.
قال
هاتي الملف الأزرق.
جبته له.
فتحه، وطلع منه أوراق قديمة.
حطهم قدامي.
دي حاجات تخصك.
بصيت باستغراب.
كانت شهاداتي، جوائز من شغلي، وصور من معارض كنت شاركت فيها.
قلت
إنت محتفظ بالحاجات دي؟
ابتسم
كنت بفتخر بيكي من زمان... بس كنت غبي ومش بعرف أقول.
نزلت دمعة من عيني.
قال
فاكرة لما كنتِ بتدرسي جرافيك؟
ضحكت
فاكر طبعًا.
كنتِ بتقولي إنك هتنجحي، وأنا كنت فاكر إن الموضوع مجرد مرحلة.
سكت شوية.
طلعتِ إنتِ اللي كنتِ شايفة صح.
من اليوم ده، بدأت أتكلم معاه أكتر.
مش عن الماضي بس.
عن المستقبل كمان.
أما أحمد، فكان أكتر واحد اتغير.
في يوم جه مكتبي فجأة.
قال
مريم، ممكن نتكلم؟
اتفضل.
قعد قدامي وقال
أنا عايز أقولك حاجة.
سكت شوية وبعدين قال
أنا طول عمري كنت واخد كل حاجة كأنها حق مكتسب.
مردتش.
كمل
كنت فاكر إن بابا وماما لازم يعملوا كل حاجة عشاني، وإنك إنتِ قوية وهتدبري نفسك.
ابتسمت بحزن.
وده كان مريحك.
هز راسه.
جدًا.
وبعدين قال
بس لما بابا تعب، فهمت إن الشخص اللي بيشيل البيت مش دايمًا بيكون اللي صوته أعلى.
سكتنا شوية.
ثم مد إيده لي.
أنا آسف.
بصيت لإيده.
وبعد لحظة، صافحته.
مش معنى كده إن كل حاجة اتمسحت.
لكن كان فيه بداية جديدة.
بعدها بأسبوع، كنت قاعدة في شغلي، جالي اتصال من المستشفى.
قلبي وقع.
افتكرت أيام العلاج.
لكن الممرضة قالت
مدام مريم، الدكتورة عايزة تكلمك.
روحت وأنا متوترة.
الدكتورة ابتسمت وقالت
التحاليل الأخيرة ممتازة.
سألتها
يعني إيه؟
قالت
يعني إننا مطمئنين جدًا، ونكمل المتابعة بشكل منتظم.
خرجت من المستشفى وأنا ببكي.
بس المرة دي، بكيت من الفرحة.
ركبت العربية، واتصلت بأبويا.
رد بسرعة
أيوه يا مريم؟
قلت
التحاليل كويسة يا بابا.
سكت ثانيتين.
وبعدين سمعت صوته مكسور
الحمد لله.
ثم قال
ربنا يخليكي ليا.
الكلمة دي فضلت في ودني طول الطريق.
وبعد أيام، عملنا عزومة صغيرة في البيت.
مفيش قاعة.
مفيش مصور.
مفيش ورد غالي.
مجرد سفرة عليها أكل، وكلنا قاعدين سوا.
أبويا رفع الكوباية وقال
النهارده أنا مش هتكلم عن المرض.
بص لي.
هتكلم عن بنتي.
ابتسمت.
قال
مريم كانت أقوى واحدة فينا، بس إحنا اتأخرنا جدًا عشان نفهم ده.
أحمد قال
وإحنا محظوظين إنها لسه بتدينا فرصة.
بصيت لهم.
ولأول مرة من سنين، حسيت إن البيت ده ممكن يبقى بيت فعلًا.
مش كامل.
ومش من غير أخطاء.
لكن فيه ناس بدأت تتعلم.
وأنا؟
أنا قررت أبدأ صفحة جديدة.
مش صفحة تنسى اللي حصل.
صفحة تخليني أفتكر إن الإنسان ممكن يخرج من أصعب أيام حياته، مش بس حي...
لكن أقوى.
وفي آخر الليل، وأنا خارجة من بيت أهلي، أبويا ناداني
مريم!
لفيت.
قال
خلي بالك من نفسك.
ابتسمت.
وقلت
حاضر يا بابا.
ومشيت.
المرة دي، مكنتش ماشية وأنا مستنية حد ينقذني.
كنت ماشية وأنا عارفة إني نجوت.
وإن اللي حصل زمان عمره ما هيحدد قيمة حياتي.
لأن قيمتي عمرها ما كانت في اهتمامهم بيا...
قيمتي كانت موجودة من أول يوم.
بس أنا نفسي اتأخرت عشان أعرفها عدت سنة كاملة، ومريم بقت عايشة حياتها بشكل مختلف.
مشيت في شغلها أكتر، وبدأت تعمل اسم لنفسها، وكل فترة كانت تروح تعمل فحوصاتها وتطمن.
أما أبوها، فحالته اتحسنت، وبقى يعتمد على نفسه في حاجات كتير.
العلاقة بينهم بقت أهدى، لكن جوا مريم كان لسه فيه جزء صغير بيخاف من اليوم اللي يحصل فيه أي اختبار جديد.
وفي يوم، وهي في المكتب، وصلها اتصال من أحمد.
مريم، إنتِ قاعدة؟
آه، خير؟
محتاجك في موضوع.
قول.
سكت شوية وقال
بابا عايز يبيع البيت.
اتصدمت.
يبيعه ليه؟
عشان يسدد مصاريف العلاج اللي اتراكمت، ويفضل معاه مبلغ يعيش منه.
مريم سكتت.
بعدها قالت
البيت ده كل ذكرياتنا.
عارف.
وماما هتروح فين؟
بابا قال إنه مش عايز يحمّلنا حاجة.
قفلت المكالمة وراحت لهم.
لقيت أبوها قاعد في الصالة، والأوراق قدامه.
قال
أنا قررت أبيع البيت.
مريم قعدت قدامه.
وإنت متأكد؟
أيوه.
طيب ليه ما قلتليش؟
ابتسم بحزن
مش عايز أطلب منك حاجة تاني.
بصت له طويلًا.
وقالت
أنا مش زعلانة إنك بتبيع البيت.
استغرب.
كملت
أنا زعلانة إنك لسه
تم نسخ الرابط