جوزى الله يرحمه

لمحة نيوز

تمامًا.
الحاجة حكمة بصت لنا وقالت
كل ده حصل لأن سيد كان حريص يكتب كل حاجة.
قلت
وعشان كده لازم نكمل اللي بدأه.
وبالفعل، قررنا تشغيل المخزن كمشروع عائلي صغير.
أنا وغادة اتفقنا إن الأرباح تتقسم بالتساوي بين الأولاد، وحسن يساعد في الإدارة، وشيرين تتابع الحسابات.
وبعد سنوات، كبر المشروع بشكل كبير.
أما أولاد سيد الأربعة، فكبروا وهم فاهمين إنهم مش مجرد إخوات في الدم...
لكن إخوات في المسؤولية كمان.
وفي يوم افتتاح الفرع الجديد، وقفت قدام صورة سيد وقلت
وعدك اتحقق يا سيد... أولادك ما اتفرقوش، وحقهم ما ضاعش.
الحاجة حكمة ابتسمت وقالت
ربنا يرحمك يا ابني... كنت خايف عليهم من الدنيا، لكنك علمتنا إحنا إزاي نحافظ عليهم.
ومن يومها، بقى البيت اللي كان زمان سببًا في الخلاف...
بيتًا يجمع أولاد سيد الأربعة بدل ما يفرقهم.
تمت النهاية فضلت باصة للموبايل بعد ما المكالمة انتهت، ومش عارفة أعمل إيه.
حسن لاحظ توتري وسألني
مين اتصل؟
حكيت له اللي حصل.
قال فورًا
مش هتروحي لوحدك.
لكن قبل ما نتحرك، رن الموبايل تاني.
نفس الرقم.
المرة دي الصوت قال
لو عايزين تعرفوا الحقيقة، ارجعوا البيت... وهتلاقوا الإجابة في مكتب سيد.
وبعدها قفل.
رجعنا البيت بسرعة.
دخل حسن مكتب أخوه، وبدأ يفتش في الأدراج.
سحر قالت
أنا شفت سيد قبل الحادث بيوم وهو بيحط حاجة ورا المكتبة.
حسن حرك المكتبة، فظهر ظرف أبيض صغير.
فتحه، فلقينا فلاشة ومعاها ورقة مكتوب عليها
الحقيقة كاملة موجودة هنا. ما تفتحهاش إلا قدام زهرة وحسن وممدوح.
حطينا الفلاشة في اللابتوب.
ظهر تسجيل لسيد.
كان قاعد في مكتبه، وشكله مرهق، لكنه كان بيتكلم بهدوء
لو أنتم بتشوفوا التسجيل ده، يبقى أنا مش موجود. أول حاجة عايز أقولها إن موتي كان حادث، ومحدش من العيلة له علاقة بيه. لكن قبل الحادث اكتشفت إن في شخص بيحاول يستغل ديون التجارة عشان ياخد جزء من الأرض بثمن قليل.
سكت سيد لحظة، وبعدين كمل
الشخص ده مش من العيلة. لكنه حاول يدخل من خلال واحد من أقاربنا.
ممدوح قال
يبقى سامح كان بيقول الحقيقة.
لكن التسجيل كمل
سامح ما كانش هو المقصود. أنا اكتشفت إن الوسيط الحقيقي كان شخصًا آخر.
حسن قرب من الشاشة.
وفجأة ظهر اسم على المستند الموجود في التسجيل.
اسم شركة.
ممدوح قال
الشركة دي أنا أعرفها.
سألته
بتاعة مين؟
رد
رجل أعمال اسمه جلال.
سيد في التسجيل قال
جلال حاول يشتري الأرض، ولما رفضت، بدأ يضغط عليّ من خلال بعض الناس. لكني حفظت كل المستندات، وأمنت حقوق أولادي.
ثم نظر إلى الكاميرا وقال
زهرة، لو إنتِ هنا، أوعي تسمحي لأي حد يفرق بين أولادي. غادة مش عدوك، وأولادها مش خصوم بناتك. دول إخواتهم.
بصيت لغادة.
عينيها دمعت، وقالت
سيد كان عايزنا نفضل واقفين جنب بعض.
هززت رأسي وقلت
وإحنا هننفذ وصيته.
وفجأة التسجيل انتقل لآخر جزء.
سيد قال
وفي حاجة أخيرة... الحاجة حكمة لازم تعرف الحقيقة.
الحاجة حكمة كانت واقفة خلفنا، ولما سمعت اسمها، اقتربت من الشاشة.
سيد قال
يا أمي، أنا عارف إنك بتحاولي تحافظي على البيت، لكن متخليش خوفك على أولادي يخليكي تظلمي أمهاتهم. البيت مش أغلى من كرامتهم.
الحاجة حكمة بدأت تبكي.
وقالت بصوت مكسور
سامحني يا ابني.
لكن التسجيل لم ينتهِ.
سيد أضاف
ولو حصل أي خلاف، المحامي هو اللي يقرر، مش العيلة.
انتهى التسجيل.
ساد الصمت.
وبعد دقائق، قالت الحاجة حكمة
أنا غلطت.
بصينا لها.
كملت
خوفت إن البيت يتفرق بعد موت سيد، ففكرت إن الحل إني أخلي واحدة منكم تتجوز حسن عشان الأطفال يفضلوا قريبين. لكني كنت هظلمكم كلكم.
حسن قال
المهم إننا نصلح الغلط.
وفي اليوم التالي، اتجمعنا كلنا، واتفقنا إن كل أم تفضل مع أولادها، وإن حسن يساعدهم باعتباره عمهم، من غير إجبار على أي زواج.
أما الأرض والتجارة، فاتسلمت للمحامي رسميًا لحد ما يتم حصر كل الحقوق.
وبعد أسبوع، ظهر جلال بنفسه.
لكن ممدوح كان مجهز كل المستندات.
ولما عرف إن سيد سايب نسخ من كل الأوراق، تراجع عن أي محاولة للحصول على الأرض.
أما أنا وغادة، فحصل بينا شيء ما كنتش أتوقعه.
بقينا نتعامل كأمهات لأربعة أطفال فقدوا أبوهم، وكل واحدة فينا تحاول تسند التانية من غير ما واحدة تلغي وجود التانية.
وبعد شهور، أولاد سيد بقوا بيذاكروا مع بعض، وكل طفل فيهم عرف إن له أم تحبه، وأخوات لازم يحافظ عليهم.
أما الحاجة حكمة، فأول قرار أخدته كان إنها تغير نظام البيت بالكامل.
وقالت
البيت ده مش هيبقى سبب في فرقة حد تاني.
وقفت قدامنا وقالت
كل واحدة ليها بيتها وكرامتها وحقها، واللي حصل يوم الأربعين مش هيتكرر.
وفي آخر اليوم، طلعت لشقتي، وبصيت لصورة سيد.
وقلت
اطمن يا سيد... أولادك مع بعض، وحقهم محفوظ.
وساعتها فهمت إن أصعب اختبار بعد وفاة الإنسان مش الحزن بس...
لكن إن أهله يختاروا بين الانتقام والعدل.
وإحنا اخترنا العدل.
تمت مرت السنين، وكبر أولاد سيد الأربعة، وكبر معاهم المشروع اللي أبوهم سابه لهم.
أنا وغادة فضلنا على علاقتنا الطيبة، وكل واحدة فينا اهتمت بأولادها، لكن عمرنا ما سمحنا للورث أو الفلوس إنها تفرق بين الأطفال.
أما الحاجة حكمة، ففضلت تفتكر اليوم اللي حاولت فيه تجبرنا على الجواز، وكل ما كانت تحكي عنه كانت تقول
أنا يومها كنت خايفة على أحفادي، لكني كنت هظلم أمهاتهم. الحمد لله إني لحقت أصلح غلطي.
وفي يوم، طلبت مني ومن غادة نقعد معاها.
قالت
عايزة أقول لكم حاجة قبل ما أمشي من الدنيا.
استغربنا.
طلعت صندوق سيد القديم، وفتحت درجًا سريًا كان محدش يعرف عنه.
جواه رسالة.
قالت
سيد سابها لي قبل وفاته، وقال لي ما أفتحهاش غير لما أولاده يكبروا.
فتحت الرسالة وبدأت أقرأ
يا أمي، لو بتقري كلامي دلوقتي، يبقى أولادي كبروا. أتمنى تكوني عرفتي إن أعظم ميراث أقدر أسيبه لهم مش الأرض ولا الفلوس، لكنه إنهم يفضلوا إخوات.
ثم كتب
وزهرة وغادة، كل واحدة فيكم أم لأولادي، ومحدش له حق يفضل بينكم.
غادة مسحت دموعها وقالت
ربنا يرحمه.
أما أنا فقلت
نفذنا وصيته.
ابتسمت الحاجة حكمة وقالت
وأنا أخيرًا فهمتها.
وبعد أيام، اجتمع أولاد سيد الأربعة حول بعضهم، وكل واحد منهم بدأ حياته بطريقته.
واحد كمل في التجارة، والثاني دخل الجامعة، والبنتان اختاروا مجالات مختلفة، لكن المشروع ظل يجمعهم.
أما أنا، ففضلت محتفظة بصورة سيد ورسائله.
وفي كل مرة كنت أبص لها، أفتكر إن الإنسان ممكن يسيب الدنيا فجأة...
لكن الكلمة الطيبة، والعدل، والحق اللي بيحافظ عليه لأولاده، ممكن يفضلوا عايشين بعده سنين طويلة.
وساعتها عرفت إن أكبر انتصار ليا ما كانش إني أخدت بيت أو فلوس...
كان إني حافظت على كرامتي، وربيت بناتي، وحافظت على إخواتهم، من غير ظلم ولا خصام.
ورحلت قصة سيد، لكن فضلت وصيته عايشة في أولاده
ما تخلوش المال يفرقكم... لأن الأخوة أغلى من أي ميراث.
تمت بحمد الله.

تم نسخ الرابط