المكالمه

لمحة نيوز

المكالمة التي كشفت مؤامرة ورث أبي
في مصر، وتحديدًا في ليلة شتوية كان المطر فيها بيخبط بعنف على زجاج العربية، كنت سايقة على المحور وأنا راجعة بدري من شغلي.
كان اسمي ندى.
كل اللي كان في بالي وقتها إني أوصل البيت وأرتاح، وأقعد مع جوزي طارق شوية قبل ما أنام.
اتصلت بيه وأنا في الطريق.
رد بعد الرنة التالتة وقال بصوت مستعجل
أيوه يا ندى، معلش أنا مشغول دلوقتي، هكلمك لما أخلص.
وقبل ما ألحق أقول أي حاجة، سكت الخط.
افتكرت إنه قفل المكالمة.
لكن بعد ثواني، لاحظت إن علامة الاتصال لسه موجودة على شاشة العربية.
المكالمة ما اتقفلتش.
في البداية سمعت صوت المطر والمساحات، وبعدها صوت باب بيتفتح ويتقفل.
ثم سمعت صوت طارق بيتكلم مع شخص آخر.
صوته كان مختلفًا.
قال
أنت متأكد إن الموضوع ده هينفع؟
جاءه صوت رجل أعرفه.
كان عماد، ابن عم أبويا، وأحد الأشخاص اللي كنت بثق فيهم ثقة عمياء.
قال عماد
لو ندى وقعت على الورق، كل حاجة هتخلص بسهولة.
سكت طارق لحظة، ثم قال
بس هي مش غبية للدرجة دي.
رد عماد بثقة
بالعكس. هي بتثق فيكم. وده اللي هنستغله.
تجمدت إيدي على الدريكسيون.
لم أفهم في البداية عن أي ورق يتحدثان.
ثم سمعت طارق يقول
المهم فلوس ورث أبوها ما تروحش من إيدنا. والدها سايب مبلغ كبير، ولو اتصرف صح ممكن يغير حياتنا كلنا.
رد عماد
عشان كده لازم نتصرف قبل ما ندى تروح للمحامي وتعرف الحقيقة.
قلبي بدأ يخبط بعنف.
أبويا كان قد توفي منذ شهور.
وكان قد ترك لي ميراثًا محترمًا، لكنه لم يكن مجرد أموال بالنسبة لي.
كان تعب عمره.
وفجأة سمعت طارق يقول
ندى عمرها ما هتشك فيا.
جاء صوت عماد
ولا فيا. أنا ابن عم أبوها، وهي شايفاني زي أخوها.
وضعت يدي على فمي حتى لا يصدر مني صوت.
لم تكن هناك خيانة زوجية.
لكن ما سمعته كان أخطر بالنسبة لي.
كان هناك مؤامرة.
مؤامرة من أشخاص كنت أضعهم في أمان قلبي.
استمرت المكالمة دقائق، وأنا لا أتحرك.
ثم سمعت طارق يقول
أول ما تاخد موعد البنك، خليها تمضي على التوكيل اللي جهزناه.
رد عماد
والتوكيل ده يخلينا نتصرف في الحسابات؟
أيوه.
ولو رفضت؟
ساد صمت قصير.
ثم قال طارق
ساعتها هنضطر نستخدم الخطة التانية.
توقفت أنفاسي.
الخطة التانية؟
لم أسمع تفاصيلها، لأن صوتًا من داخل المكان قال إن شخصًا قادمًا، فانخفض صوتهم فجأة.
وبعد لحظات انقطعت المكالمة.
نظرت إلى الشاشة.
أربع دقائق واثنتا عشرة ثانية.
أربع دقائق غيّرت حياتي بالكامل.
لم أرجع البيت.
اتجهت مباشرة إلى مكتب أبويا القديم في وسط البلد.
كان المكتب مغلقًا منذ وفاته، لكنني احتفظت بالمفتاح.
دخلت.
كانت رائحة الخشب والقهوة القديمة ما زالت موجودة.
شغلت النور، وجلست خلف مكتب أبي.
كنت أبحث عن أي شيء يخص الميراث أو التوكيلات.
وبينما كنت أفتح الأدراج، وجدت ملفًا بنيًا مكتوبًا عليه اسمي بخط أبي.
فتحته.
وجدت ورقة قصيرة.
كان مكتوبًا فيها
ندى، لو وصل الملف ده لإيدك، يبقى لازم تعرفي إن بعض الناس ممكن يبتسموا في وشك وهم مستنيين أول فرصة ياخدوا حقك.
تحت الجملة كان اسم المحامي سامي.
اتصلت به فورًا.
قلت
أستاذ سامي، بابا كان شاكك في حد؟
صمت طويلًا.
ثم قال
كنت مستني اليوم اللي تسأليني فيه السؤال ده.
حكيت له كل اللي سمعته.
لم يقاطعني.
وبعد ما انتهيت قال
والدك كان بالفعل شاكك إن فيه محاولة للتلاعب في ورثك.
شعرت أن الأرض تتحرك تحت قدمي.
مين؟
قال
مش هقدر أقولك دلوقتي قبل ما نتأكد. لكن والدك ترك تعليمات واضحة أي توكيل أو تحويل مالي باسمك لازم يتم بحضورك أنتِ شخصيًا.
سألته
يعني الورق اللي بيتكلموا عنه؟
قال
غالبًا مزور أو معمول بطريقة تخليك تتنازلي عن صلاحياتك من غير ما تعرفي.
في اللحظة دي فهمت إن المكالمة لم تكن صدفة.
أبويا كان يعرف.
وكان يحاول يحميني حتى بعد رحيله.
اتفقنا ألا أواجه طارق أو عماد.
وأرجع البيت كأنني لم أسمع شيئًا.
رجعت بعد منتصف الليل.
فتح لي طارق الباب وقال
اتأخرتي ليه؟
ابتسمت وقلت
المطر والزحمة.
نظر لي للحظة، ثم قال
كنت قلقان عليكي.
لأول مرة في حياتي، سمعت جملته بطريقة مختلفة.
دخلت غرفتي.
وقبل ما أنام، جاءني طارق وقال
على فكرة، موضوع ورث والدك... لازم نخلصه قريب.
نظرت إليه وقلت
ليه؟
قال بسرعة
عشان مصلحتنا. لازم نحط خطة للمستقبل.
ابتسمت وقلت
عندك حق.
لكنه لم يكن يعرف أنني في نفس اللحظة كنت أرسل رسالة للمحامي سامي.
بدأ يتحرك.
رد بعد دقائق
خليه يتحرك. إحنا مستعدين.
مر يوم.
ثم يومان.
وفي اليوم الثالث، اتصل بي عماد.
قال بصوت حنون
يا ندى، أنا سمعت إنك لسه ما خلصتيش إجراءات الميراث.
قلت
لسه.
قال
أنا ممكن أساعدك. أبوكي كان موصيني عليكي.
أغمضت عيني.
كان نفس الشخص الذي سمعته في المكالمة.
قلت
طيب، ابعتلي الورق وأنا أشوفه.
سكت قليلًا.
ثم قال
الأفضل تيجي تمضي قدامي.
ابتسمت.
حاضر.
لكنني لم أذهب وحدي.
في اليوم المحدد، دخلت مكتب المحامي سامي ومعي كل المستندات.
وضع أمامي ملفًا.
وقال
ده التوكيل اللي حاولوا يمرروه باسمك.
فتحته.
وبدأت أقرأ.
وفي آخر صفحة وجدت شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقي.
التوقيع الموجود أسفل الصفحة كان يشبه توقيعي تمامًا.
لكنني لم أوقعه.
رفعت عيني للمحامي.
قلت
مين اللي عمل ده؟
رد بهدوء
السؤال الحقيقي مش مين عمله.
ثم أخرج ظرفًا قديمًا من خزنة أبي.
وقال
السؤال هو ليه والدك كان متوقع إنهم يحاولوا يعملوا كده؟
فتحت الظرف.
وكانت بداخله صورة قديمة لأبي مع طارق وعماد.
وخلف الصورة كتب أبي بخط يده جملة واحدة
لو حاولوا الوصول إلى أموال ندى، افتحي الخزنة رقم 17.
نظرت إلى المحامي.
خزنة إيه؟
قال
خزنة والدك في البنك.
ثم أضاف
وفيها شيء أخفاه والدك عن الجميع... حتى أنتِ.
في اللحظة دي فهمت إن موضوع الورث لم يكن بداية المؤامرة.
كان نهايتها.
أما البداية الحقيقية...
فكانت سرًا أخفاه أبي طوال سنوات الخزنة رقم 17
في صباح اليوم التالي، كنت واقفة قدام البنك وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني.
المحامي سامي كان واقف جنبي، وفي إيده الملف القديم.
دخلنا البنك، وبعد دقائق وصلنا إلى غرفة الخزائن.
الموظف راجع الأوراق، ثم بص لي وقال
الخزنة رقم 17 مسجلة باسم والدك، وفي تعليمات مكتوبة إنه بعد وفاته يتم فتحها بحضورك وحضور المحامي.
بصيت لسامي.
قال
والدك كان بيستعد للحظة دي من زمان.
دخلنا.
كانت الخزنة صغيرة، لكن اللي جواها كان كفيل يغيّر كل حاجة.
ظرف أسود.
فلاشة.
دفتر حسابات قديم.
وثلاث صور.
مسكت الظرف الأول وفتحته.
كان فيه جواب بخط أبويا
ندى، لو وصلتي للخزنة دي، يبقى شكوكي كانت في محلها.
كملت القراءة.
أنا ما كنتش خايف على الفلوس. الفلوس تتعوض. أنا كنت خايف إن حد يستغل ثقتك في الناس عشان ياخد منك حقك ويخليكي تصدقي إنك أنتِ الغلطانة.
بلعت ريقي.
ثم قرأت السطر التالي
راقبي طارق وعماد، لكن ما تواجهيهمش. الشخص اللي بيخطط للسرقة بيكشف نفسه لما يفتكر إن الضحية مطمنة.
رفعت عيني عن الورقة.
بابا كان عارف كل حاجة؟
سامي قال
كان عارف إن فيه محاولة للتلاعب، لكنه ما كانش عارف مين صاحب العقل المدبر.
فتحت الدفتر.
كان مليان أرقام وتواريخ وتحويلات.
وبين الصفحات لقيت اسم شركة لم أسمع عنها قبل كده.
شركة النور للاستشارات.
سألت
الشركة دي إيه؟
سامي قلب في الأوراق، وفجأة تغير وجهه.
الشركة دي ظهرت في ملف والدك قبل وفاته بشهر.
ومين صاحبها؟
نظر إليّ مباشرة.
اسمها مسجل باسم شخص اسمه... مروان.
اتسمرت مكاني.
مروان كان أخويا الأصغر.
الشخص الوحيد في العيلة اللي كنت مستبعداه تمامًا من كل شكوكي.
قلت
مستحيل.
سامي رد بهدوء
عشان كده ما ينفعش نستبعد أي حد قبل ما نعرف الحقيقة.
رجعت البيت وأنا مخبية كل حاجة.
طارق كان مستنيني.
كنتِ فين؟
عند البنك.
اتوتر للحظة.
البنك؟ ليه؟
ابتسمت وقلت
بخلص إجراءات الورث.
اقترب مني وقال
وخلصتي؟
تقريبًا.
لاحظت إنه بدأ يتنفس براحة.
قلت في سري
خليه يصدق إن كل شيء ماشي زي ما هو متوقع.
في نفس الليلة، رن تلفوني.
كان عماد.
ندى، محتاج أشوفك بكرة.
في إيه؟
موضوع مهم يخص والدك.
سألته
موضوع إيه؟
قال
مش هينفع في التليفون.
وافقت.
لكن قبل ما أقفل، قال جملة غريبة
وخلي طارق ما يعرفش إننا هنتقابل.
تجمدت.
لأول مرة شعرت إن اللعبة أكبر مما توقعت.
في اليوم التالي ذهبت للمكان المتفق عليه.
جلست في آخر المطعم أراقب الباب.
بعد عشر دقائق دخل عماد.
لكنه لم يكن وحده.
كان معه أخويا مروان.
وقتها فهمت إن السر الحقيقي لم يبدأ عند طارق.
بدأ داخل عيلتي.
جلس الاثنان أمامي.
قال مروان
ندى، قبل ما تحكمي علينا، لازم تسمعيني.
وضعت حقيبتي على الطاولة.
أنا سامعاك.
أخرج مروان ورقة قديمة.
وقال
بابا ما كتبش الوصية الأخيرة اللي أنتِ شوفتيها.
حدقت فيه.
يعني إيه؟
قال
فيه وصية تانية.
سكتُّ تمامًا.
ثم أضاف
والوصية دي لو ظهرت، ممكن تمنع طارق وعماد من الوصول لأي جنيه.
سألته
طيب ليه مخبيها؟
نظر إلى عماد.
ثم قال
لأن الشخص اللي كان المفروض يسلمها لك اختفى قبل وفاة بابا بأسبوع.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
مين؟
مروان قرب الورقة مني.
سكرتير بابا القديم.
فتحت الورقة.
وفي أسفلها كان هناك توقيع أبي.
لكن قبل ما أقرأ باقي الكلام، رن هاتف عماد.
نظر إلى الشاشة.
ثم رفع عيني لنا وقال
طارق.
رفض المكالمة.
بعد ثوانٍ، وصلته رسالة.
قرأها، وفجأة تغير وجهه.
قلت
في إيه؟
ناولني الهاتف.
كانت الرسالة قصيرة
ندى بدأت تعرف. لازم نتحرك الليلة.
رفعت عيني ببطء.
لكن المفاجأة لم تكن في الرسالة.
المفاجأة كانت أن الرقم الذي أرسلها...
لم يكن رقم طارق.
كان رقم شخص لم نتوقعه أبدًا.
شخص كان المفروض إنه مات من ستة أشهر.
سامي.
محامي أبي.
نظرت إلى مروان.
وهمست
يعني إيه؟
وقبل أن يرد، وصلتني رسالة على هاتفي أنا.
من نفس الرقم.
وكان فيها
لو عايزة تعرفي مين قتل سر أبوكي قبل ما يموت... تعالي لوحدك الليلة الرسالة الأخيرة من أبي
فضلت باصة للرسالة وقت طويل، ومخي مش قادر يستوعب اللي قريته.
مين قتل سر أبوكي قبل ما يموت؟
الجملة كانت أخطر من أي حاجة سمعتها في الأيام اللي فاتت.
رفعت عيني لمروان وعماد.
الرقم ده مين؟
مروان هز رأسه.
مش عارف.
أما عماد، فكان ساكت بشكل مريب.
سألته
إنت تعرف الرقم ده؟
قال بسرعة
لأ.
لكن عينيه قالت غير كده.
رجعت البيت وأنا عاملة نفسي طبيعية.
طارق كان قاعد في الصالة، وأول ما شافني ابتسم.
اتأخرتي.
قلت
كنت بخلص مشوار.
بص لي شوية، ثم سأل
قابلتي حد؟
لأ.
هز رأسه وقال
كويس.
الكلمة وقفتني.
كويس.
ليه كان مهم بالنسبة له أعرف قابلت مين؟
دخلت غرفتي وقفلت الباب.
وبدأت أفكر في الرسالة.
كان المطلوب إني أروح لوحدي.
لكنني لم أكن غبية.
أرسلت للمحامي سامي رسالة
حد بعتلي من رقم غريب وبيقول إنه يعرف سر موت أبويا.
جاء الرد بعد دقيقة
ما تروحيش.
وبعدها مباشرة
ندى، مهما حصل، ما تثقيش في أي رسالة جاية من رقمي أو باسمي.
اتسعت عيني.
يعني الرسالة اللي وصلتني باسم سامي لم تكن منه؟
مسكت الهاتف بسرعة.
لكن قبل ما ألحق أعمل حاجة، وصلني إشعار جديد.
صورة.
فتحتها.
كانت صورة لأبي جالس في مكتبه قبل وفاته بأيام.
وأمامه شخص لم أستطع رؤية وجهه.
وفي زاوية الصورة ظهر ملف مكتوب عليه
مشروع 17.
تحت الصورة جملة
أبوك ما ماتش وهو خايف على فلوسه.
ثم وصلت رسالة ثانية
كان خايف عليكِ.
شعرت بقشعريرة.
في نفس اللحظة سمعت صوت خطوات أمام باب غرفتي.
خبّيت الهاتف بسرعة.
الباب اتفتح.
طارق.
ابتسم وقال
بتعملي إيه؟
ولا حاجة.
دخل وقعد على طرف السرير.
ندى، أنا عايز أقولك حاجة.
نظرت له.
قول.
قال
الفترة اللي فاتت كنت حاسس إنك مش واثقة فيا.
ابتسمت بهدوء.
وإنت

تم نسخ الرابط