الطفله

لمحة نيوز

واقفة في مكتبها تراجع بعض الأوراق، لما دخل آدم بسرعة.
ليلى، لازم تيجي معايا حالًا.
رفعت رأسها باستغراب.
في إيه؟
فيه طفلة وصلت المركز النهارده... ولما سألتها عن اسمها، قالت حاجة غريبة جدًا.
وصلت ليلى للمركز.
وجدت طفلة صغيرة قاعدة وحدها، ماسكة شنطة قديمة، وعينيها مليانة خوف.
قربت منها ليلى وقالت
اسمك إيه يا حبيبتي؟
الطفلة ردت
مريم.
ومين جابك هنا؟
هزت رأسها.
محدش... أنا جيت لوحدي.
ليلى جلست بجانبها.
طيب إنتِ محتاجة إيه؟
الطفلة بصت لها وقالت
علبة لبن لأخويا.
تجمدت ليلى.
نفس الجملة تقريبًا التي قالتها هي قبل سنوات.
أخوكي فين؟
أشارت الطفلة إلى باب المركز.
بره العربية... هو تعبان ومش قادر يمشي.
خرجت ليلى بسرعة، فوجدت طفلًا صغيرًا جالسًا في سيارة قديمة، يبدو عليه الإرهاق.
اتصلت بالطبيب فورًا، وتم نقل الطفل للرعاية الطبية.
بعد الاطمئنان عليه، رجعت ليلى إلى مريم.
كانت الطفلة ماسكة قطعة ورق صغيرة.
قالت
بابا قالي لو حصل له حاجة، أدي الورقة دي لشخص اسمه توماس ريد.
ليلى اتصدمت.
توماس؟
أخرجت الهاتف واتصلت به.
بعد دقائق، وصل توماس.
أخذ الورقة وفتحها.
كان مكتوبًا فيها
إلى الرجل الذي ساعد طفلة منذ سنوات... لو وصلت الرسالة دي ليك، ساعد أولادي زي ما ساعدت طفلة اسمها ليلى.
توماس ظل صامتًا.
ثم نظر إلى ليلى.
مين أبو الأطفال؟
قالت
لسه مش عارفين.
في اليوم التالي، بدأت التحقيقات لمعرفة قصة الطفلين.
واكتشفوا أن والدهم كان عاملًا بسيطًا فقد عمله، ثم أصيب بمرض شديد، ولم يكن لديه أي أقارب قادرين على رعاية الطفلين.
لكن المفاجأة أن الرجل كان قد عمل لسنوات في أحد مصانع توماس.
وكان محتفظًا بصورة قديمة له مع توماس.
توماس سأل
ليه كتب اسمي؟
مريم قالت
كان دايمًا بيقول إنك راجل كويس، حتى لو الناس مش شايفة ده.
توماس ابتسم بحزن.
وأنا كنت فاكر إن الناس زمان كانت بتقول عليّ العكس.
ليلى قالت
يمكن عشان الخير اللي عملته وأنت مش مستني حاجة رجع لك بعد سنين.
نظر توماس إلى الطفلين.
ثم قال
مش هنرجعهم للمركز بس.
سألته ليلى
هتعمل إيه؟
رد
هديهم بيت آمن، وتعليم، وكل حاجة يحتاجوها.
مريم ابتسمت وسألته
هو لازم أسدد لك لما أكبر؟
ضحك توماس، ونظر إلى ليلى.
ثم قال
لأ يا مريم.
ليه؟
قال
لأنك لما تكبري، ساعدي طفل تاني محتاج... وساعتها يكون الدين اتسد.
ليلى ابتسمت.
وفي تلك اللحظة فهمت أن وعدها القديم لم ينتهِ.
لقد تحول إلى سلسلة من الخير تنتقل من شخص إلى آخر.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت ليلى تقول للأطفال في المركز جملة واحدة
الخير مش دين بنسدده... الخير أمانة بنسلّمها للي بعدنا.
وكان توماس كلما سمعها، يفتكر طفلة صغيرة كانت قاعدة على سلم سوبرماركت، لا تملك شيئًا سوى كرامتها وأخوها الرضيع.
ويبتسم.
لأن تلك الطفلة لم تكن تعرف يومها أنها لم تكن تطلب علبة لبن فقط...
كانت تفتح أول صفحة في أجمل فصل من حياته. ليلى فضلت ماسكة الهاتف وهي مش قادرة تنطق.
آدم قرب منها وقال
كان بابا؟
هزت رأسها ببطء.
قال إنه بابا.
توماس سألها
قال لكِ تروحي فين؟
ردت
المكان اللي اتقابلنا فيه أول مرة.
توماس فهم فورًا.
السوبرماركت القديم.
بعد أقل من ساعة، وصلوا للمكان.
السوبرماركت كان اتغير تمامًا، لكن السلم القديم لسه موجود.
ليلى وقفت قدامه، وعينيها مليانة دموع.
هنا كنت قاعدة... وأنا صغيرة.
وفجأة، خرج رجل مسن من باب جانبي.
كان شعره أبيض وملامحه مرهقة، لكنه كان يحمل نفس ملامح الصورة القديمة.
ليلى همست
بابا؟
الرجل وقف مكانه.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة، نظر إلى ابنته مباشرة.
ليلى...
جريت نحوه، لكنها توقفت قبل أن تصل إليه، وكأنها مش مصدقة إن الشخص اللي قدامها حقيقي.
قالت
إنت كنت فين؟
والدها أنزل رأسه.
كنت بحاول أحميكم.
آدم قال بغضب
تحمينا؟ وإنت سايبنا سنين؟
رد والده
كنت أراقبكم من بعيد. كنت عارف إن جورج بيساعدكم، وعارف إن توماس بيتابع تعليمكم.
توماس اقترب وقال
وليه ما ظهرتش؟
قال الرجل
لأن الناس اللي كنت بهرب منهم كانوا لسه بيدوروا عليّ.
ثم أخرج دفترًا صغيرًا.
وده آخر دليل.
فتح الدفتر أمامهم.
كان فيه كل التحويلات المالية، وأسماء الأشخاص اللي شاركوا في سرقة أموال الشركة.
لكن الصفحة الأخيرة كانت مختلفة.
كان عليها اسم واحد فقط.
إليوت ريد.
توماس قال
عمي كان شريكهم.
والد ليلى أومأ.
لكنه مش أخطر واحد.
سألته ليلى
مين؟
نظر والدها إلى توماس.
الشخص اللي بدأ كل شيء كان والدك نفسه.
ساد الصمت.
توماس تراجع خطوة.
والدي؟
قال الرجل
والدك في البداية دخل في صفقة مع أشخاص غلط. ولما اكتشف حقيقتهم، حاول ينسحب ويكشفهم. وقتها بدأت المشاكل.
توماس كان مصدومًا.
يعني أبي ما كانش بريئًا تمامًا؟
كان غلطان في البداية، لكنه حاول يصلح غلطه.
ثم أضاف
وأنا ساعدته.
ليلى سألت
وإيه اللي حصل بعد كده؟
والدها قال
حصل الحادث... والناس دي حاولت تخليني أختفي للأبد. فاختفيت بإرادتي، لأن ظهوري كان هيعرضكم للخطر.
توماس سكت طويلًا.
ثم قال
وإزاي نثبت كل ده؟
ابتسم والد ليلى وأخرج وحدة تخزين صغيرة.
كل حاجة موجودة هنا.
في اللحظة نفسها، توقفت سيارة سوداء أمام السوبرماركت.
ترجل منها رجال أمن.
توماس بص لهم، ثم قال
أنا هتأكد إن كل الأدلة توصل للجهات المختصة.
والد ليلى قال
دلوقتي أقدر أرجع لأولادي.
ليلى نظرت إليه.
ثم قالت
أنا كنت فاكرة إن بابا اختار يبعد عننا.
رد والدها
لا يا ليلى... أنا قضيت عمري كله مستني اليوم اللي أقدر فيه أقول لك الحقيقة.
آدم اقترب منه وقال
وإحنا مش عايزين نضيع وقت تاني.
ابتسم والدهم لأول مرة.
أما توماس، فوقف بعيدًا يراقب المشهد.
تذكر الطفلة الصغيرة التي وجدها أمام السوبرماركت، وتذكر جملتها
هسدّ لك لما أكبر.
وفهم أخيرًا أن المساعدة التي قدمها لها لم تكن مجرد علبة لبن.
لقد أعاد لها أخًا، وأعاد لها أباها، وفتح أمامها باب حياة جديدة.
لكن قبل أن يغادروا، وصل هاتف توماس إشعار من البنك.
قرأه.
ثم تغير وجهه.
ليلى سألته
في إيه؟
رفع توماس عينيه وقال
الحسابات اتقفلت كلها.
بسببهم؟
لأ...
سكت لحظة.
أنا اللي قفلتها.
ليلى استغربت
ليه؟
قال توماس
لأن فيه حساب واحد لسه بيستقبل فلوس... والحساب ده باسم شخص ما حدش فينا شك فيه.
فتح الشاشة وورّاها الاسم.
ليلى قرأت الاسم...
ثم شهقت.
لأن صاحب الحساب كان شخصًا قريبًا جدًا منهم، وكانت تظن أنه وقف بجانبها من أول يوم.
يتبع... لكن الحكاية ما انتهتش عند كده...
بعد افتتاح الفرع الجديد، بدأت ليلى تلاحظ إن توماس بقى يختفي ساعات طويلة من غير ما يقول لحد هو رايح فين.
وفي يوم، قررت تسأله
إنت بتروح فين كل يوم؟
ابتسم وقال
مكان قديم.
السوبرماركت؟
هز رأسه.
أيوه.
راحت معاه.
ولما وصلوا، كانت المفاجأة إن المكان اتغير تمامًا. السوبرماركت القديم اختفى، لكن السلم اللي كانت ليلى قاعدة عليه زمان لسه موجود.
توماس وقف قدامه وقال
كل مرة باجي هنا، بفتكر اليوم اللي قابلتك فيه.
ليلى قالت
ليه ما اشتريتش المكان من زمان؟
ابتسم
عشان كنت عايز أفضل فاكر المكان زي ما كان.
ثم أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا.
ليلى سألته
مفتاح إيه؟
قال
افتحي الباب اللي وراكي.
التفتت ليلى، ووجدت بابًا صغيرًا لم تلاحظه من قبل.
فتحت الباب.
كانت هناك غرفة جميلة مليانة كتب وألعاب وملابس أطفال.
وفي المنتصف لافتة مكتوب عليها
غرفة البداية.
ليلى وقفت مش مصدقة.
قال توماس
كل طفل محتاج حاجة، يقدر يدخل هنا وياخدها من غير ما يطلب من حد.
ليلى سألته
وإنت عملت ده من إمتى؟
من سنين.
ليه ما قلتليش؟
عشان ما كنتش عايز أعمله عشان الناس تشكرني.
ليلى ابتسمت.
ثم لاحظت
تم نسخ الرابط