جرت غريبا حكايات شروق خالد
جرّت غريبًا ينزف إلى شقتها الصغيرةوفي الصباح كان أخطر زعيم مافيا في مصر قد أعلن أنها المرأة التي يُمنع على أي شخص الاقتراب منها.
تحرك الحذاء تحت الثلج.
توقفت مريم عبد الرحمن على بُعد خطوات من الباب الخلفي لعمارة قديمة في الإسكندرية، منهكة بعد وردية عمل استمرت ست عشرة ساعة في المستشفى، ولم يتبقَّ في حسابها سوى سبعة وعشرين جنيهًا، ولم تكن لديها أي رغبة في التورط فيما يحدث بجوار صندوق القمامة.
ثم سمعته يتنفس.
تنفسًا متقطعًا، رطبًا، ومخيفًا.
لثانية، نظرت إلى الباب المغلق أمامها.
الأمان كان على بُعد خطوات.
ثم تذكرت أخاها يوسف.
كان أخوها الأكبر قد تعرض للطعن أثناء محاولة سرقة، وتركوه ينزف بجوار موقف أتوبيس. مرّ الناس من أمامه لأنهم كانوا خائفين. وبحلول الوقت الذي اتصل فيه أحدهم بالإسعاف، كان الأوان قد فات.
أمضت مريم عشر سنوات وهي تحاول ألا تكره هؤلاء الغرباء.
همست
ربنا يسامحكم.
ثم استدارت وعادت إليه.
كان الرجل ضخم الجثة، يرتدي معطفًا أسود أنيقًا يبدو أغلى من كل ما تملكه مريم في شقتها مجتمعة.
وكان الدم يغطي الأرض أسفل ضلوعه.
انحنت مريم بجانبه.
أنا ممرضة.
ظلّت عيناه مغلقتين.
قالت وهي تفحص نبضه
لو ناوي تقتلني، يبقى ده أنسب وقت تقول لي فيه.
كان نبضه سريعًا وضعيفًا.
صدمة ونزيف حاد.
وعندما فتحت معطفه، اكتشفت جرحًا عميقًا بجانب جسده.
وفجأة فتح عينيه.
عينان سوداوان، باردتان بشكل مخيف.
سألته
المستشفى؟
أمسك معصمها فجأة.
لأ.
كانت قبضته قوية بشكل مرعب رغم حالته.
حدقت مريم فيه.
لم يكن يتوسل.
كان يأمرها.
قالت بهدوء
لو كسرت إيدي، هسيبك هنا يموت.
ارتخت أصابعه.
قالت
اختيار كويس. يلا استخدم رجليك.
بعد معاناة طويلة، استطاعت مريم مساعدته على الوصول إلى شقتها الصغيرة في الدور الثالث.
حكايات_شروق_خالد
داخل الشقة رقم 7، قطعت ملابسه الممزقة وبدأت في تنظيف الجرح وخياطته.
لكنها لاحظت شيئًا جعلها تتوقف للحظة.
جسده كان مليئًا بالندوب القديمة.
وعند كتفه ندبة دائرية واضحة تشبه أثر رصاصة.
همست
إنت مين؟
فجأة رفع يده وأمسك بيدها.
مين بعتك؟
ولا حد.
إحنا فين؟
نظرت حولها بضيق.
في مطبخي يا أستاذ.
اسمك؟
مريم.
مريم إيه؟
ردت بعصبية
مريم اللي بتنقذ حياتك، فلو سمحت اسكت عشان أعرف أكمّل شغلي.
بعد عشرين دقيقة، أنهت آخر غرزة.
وبحلول الصباح، كان الرجل قد اختفى.
لم يكن هناك سوى بطانية مطوية بعناية فوق الأريكة.
وبجوار ماكينة القهوة، وجدت مريم رزمة ضخمة من الأموال، وبطاقة صغيرة بلون عاجي لم يكن عليها سوى رقم هاتف.
نظرت إلى المال.
ثم إلى فاتورة الكهرباء المتأخرة الموضوعة فوق الطاولة.
حكايات_شروق_خالد
قالت
لأ.
ثم وضعت الأموال داخل علبة الدقيق.
بعد لحظات، اهتز هاتفها.
ظهر خبر عاجل على الشاشة
اشتباك مسلح في ميناء الإسكندرية يسفر عن سقوط ستة قتلى.
كادت مريم تغلق الخبر.
لكن صورة الرجل الموجود أسفل العنوان جعلتها تتجمد.
كان يرتدي بدلة سوداء فاخرة، ويقف بجوار سيارة سوداء.
لا دماء.
لا ضعف.
ولا أي أثر للرجل الذي كاد يموت أمام باب شقتها.
حدقت مريم في الصورة.
ثم كبّرتها.
الندبة الصغيرة الموجودة بجوار حاجبه ظهرت بوضوح.
نفس العينين.
نفس الملامح.
نفس النظرة الباردة.
شهقت مريم
مستحيل...
قرأت الاسم الموجود أسفل الصورة.
آدم المنصوري.
رجل الأعمال الشهير الذي تخشاه أكبر العائلات في الإسكندرية.
والرجل الذي تتردد شائعات بأنه يقود أخطر شبكة إجرامية في الساحل الشمالي.
وضعت مريم الهاتف ببطء.
نظرت إلى علبة الدقيق.
ثم إلى البطاقة التي تركها لها.
ولأول مرة، لم يعد رقم الهاتف يبدو كأنه مجرد وسيلة لشكرها.
بل شعرت أنه تحذير.
وفي تلك اللحظة، رن هاتفها.
نظرت إلى الشاشة.
رقم مجهول.
ترددت لثوانٍ، ثم أجابت.
جاءها صوته من الطرف الآخر.
هادئًا... باردًا... لكنه هذه المرة كان أكثر هيبة.
مريم.
تجمدت في مكانها.
إنت عرفت رقمي إزاي؟
ساد صمت قصير.
ثم قال
لأن من اللحظة اللي أنقذتيني فيها، بقيتي مسؤوليتي.
ارتبكت.
أنا مش فاهمة.
قال آدم بصوت جعل الدم يتجمد في عروقها
اسمعيني كويس يا مريم... من النهارده، محدش في مصر كلها له الحق يلمسك.
ثم أغلق الهاتف.
وفي نفس اللحظة، سمعت مريم صوت سيارة تتوقف أسفل العمارة.
اقتربت من النافذة بحذر.
فوجدت ثلاثة رجال يرتدون ملابس سوداء يخرجون من السيارة وينظرون إلى باب العمارة.
ثم رفع أحدهم رأسه نحو شقتها.
وعندها أدركت مريم أن الرجل الذي أنقذته الليلة الماضية...
لم يكن هو الشخص الذي يحتاج إلى الحماية.
بل هي.
في اللحظة اللي سمعت فيها مريم صوت خطوات الرجال على السلم، اتجمدت مكانها.
كانوا طالعين ببطء.
خطوة...
ثم خطوة أخرى...
ثم توقفوا عند الدور الثاني.
حاولت مريم تقنع نفسها إنهم مجرد سكان العمارة، لكن قلبها كان بيقول لها غير كده.
وفجأة اهتز هاتفها مرة تانية.
نفس الرقم.
ردت وهي بتهمس
آدم؟
جاء صوته فورًا
اقفلي النور.
مريم بصت ناحية اللمبة.
ليه؟
اعملي اللي بقولك عليه من غير أسئلة.
قفلت النور بسرعة.
وبعد ثواني، سمعت صوت مفتاح بيتحرك في باب شقتها.
شهقت وهي رجعت خطوتين للخلف.
آدم... حد بيحاول يفتح الباب!
قال بهدوء غريب
عارف.
عارف إزاي؟!
لأنهم مش جايين عشان يسرقوا.
سكت لحظة، ثم قال
هما جايين يدوروا على حاجة سبتها عندك.
اتسعت عينا مريم.
بصت ناحية علبة الدقيق.
الفلوس؟
لأ.
أمال إيه؟
جاء صوته أكثر جدية
الشيء اللي أخطر من الفلوس.
قبل ما تسأله، سمعت صوت خبطة قوية على الباب.
انتفضت مريم.
ثم خبطة ثانية أقوى.
وصوت رجل من الخارج
افتحي يا مريم... إحنا عارفين إنك جوه.
حطت مريم إيدها على فمها.
آدم قال
روحي للمطبخ.
مريم همست
أنا مش هخرج من هنا.
روحي للمطبخ يا مريم.
نفذت كلامه وهي لا تفهم شيئًا.
فتحت درجًا صغيرًا بجوار الحوض، فوجدت سكين المطبخ.
مسكتها بإيد مرتعشة.
قال آدم
بصي تحت الحوض.
انحنت بسرعة.
كان هناك صندوق خشبي قديم لم تره من قبل.
إيه ده؟
افتحيه.
فتحت الصندوق.
ولم تجد بداخله ذهبًا أو سلاحًا.
وجدت هاتفًا صغيرًا أسود.
وعليه ورقة مكتوب عليها بخط اليد
لو آدم اختفى... سلّميه لمريم فقط.
اتسمرت في مكانها.
إنت كنت مخطط لكل ده؟
صمت آدم لثوانٍ.
ثم قال
أنا كنت عارف إن ممكن يحصل.
مين اللي كتب الورقة دي؟
لم يجب.
وفي نفس اللحظة...
انفتح باب الشقة.
مريم شهقت وتراجعت للخلف.
سمعت خطوات تدخل إلى الصالة.
ثم صوت رجل يقول
فتشوا كل حاجة.
مريم بصت للهاتف الأسود في إيدها.
ثم سمعت صوتًا آخر
دوروا على الهاتف... آدم مستحيل يكون سابه بعيد.
رفعت مريم عينيها بدهشة.
همست
هو إيه اللي مخبيه جوايا؟
لكن آدم سمعها.
وقال بجملة واحدة
مش جواكي يا مريم... هو مخبي عندك.
وقبل ما تستوعب كلامه، سمعت خطوات تقترب من باب المطبخ...
ثم توقفت.
وبدأ مقبض الباب يتحرك ببطء مريم وقفت مكانها، ماسكة الهاتف الأسود بكل قوتها.
مقبض الباب اتحرك مرة تانية.
مرة...
واتنين...
ثم انفتح الباب فجأة.
دخل رجل طويل، ولما شاف مريم واقفة قدامه، ابتسم ابتسامة باردة.
قال
لقيتك.
مريم رجعت خطوة للخلف.
إنت مين؟
لم يرد.
كانت عينه تتحرك في المطبخ بسرعة، وكأنه يبحث عن شيء محدد.
ثم وقعت عينه على يدها.
تغيرت ملامحه فورًا.
الهاتف.
مريم خبته خلف ظهرها.
أي هاتف؟
الرجل تقدم خطوة.
متلعبيش معايا.
وفجأة جاء صوت آدم من الهاتف الذي ما زالت مريم تحمله في يدها
لو قربت منها خطوة واحدة... هتندم.
الرجل تجمد.
نظر إلى الهاتف وكأنه رأى شبحًا.
ثم قال بغضب
إنت!
رد آدم بهدوء
أيوه... أنا.
في اللحظة نفسها، دوى صوت سيارة مسرعة أسفل العمارة.
ثم أصوات أبواب سيارات تُغلق.
الرجل الذي أمام مريم نظر ناحية الشباك.
ولأول مرة ظهر الخوف على وجهه.
قال بصوت منخفض
مستحيل...
مريم استغلت اللحظة، وجريت ناحية باب المطبخ.
لكن الرجل حاول يمسكها.
وقبل ما يلمسها، سمعوا صوت خطوات كثيرة تقترب من الشقة.
ثم صوت أحد الرجال من الخارج
رئيسنا وصل.
الرجل الموجود أمام مريم شحب وجهه.
أما مريم، فحدقت في الهاتف.
آدم؟
جاءها صوته
ابعدي عن الباب.
وفجأة...
انفتح باب الشقة بقوة.
ودخل آدم.
لم يكن يرتدي ملابس المستشفى أو المعطف الملطخ بالدماء.
كان يرتدي بدلة سوداء، ووجهه هادئ تمامًا.
لكن أكثر شيء أخاف مريم لم يكن شكله...
بل الطريقة التي سكت بها كل الرجال الموجودين في الشقة بمجرد دخوله.
نظر آدم إلى الرجل الذي اقتحم المطبخ.
ثم قال
قلت لك قبل كده...
تقدم خطوة.
مريم خط أحمر.
الرجل ابتلع ريقه.
ثم رفع آدم عينيه نحو مريم.
ولأول مرة