بعد سنين من الجواز

لمحة نيوز

بعد سنين من الجواز، وبعد ما جوزي اتجوز عليّا وخلف من مراته التانية، بدأت فجأة ألاحظ إنه رجع يهتم بيا ويزورني أكتر من الأول.
كنت فاكرة إن قلبي أخيرًا هيرتاح، وإن يمكن الأيام قدرت ترجّع بينا حاجة من اللي ضاعت.
لكن اللي حصل بعد كده خلاني أشك في كل حاجة...
أنا سلمى، عندي ستة وتلاتين سنة، ومتجوزة حسام بقالنا أكتر من عشر سنين.
من أول يوم جواز، كنت متأكدة إن حياتنا هتفضل بسيطة وهادية. حسام كان وقتها بيحبني، وكان دايمًا يقول لي
يا سلمى، إنتِ أهم حاجة في حياتي.
لكن السنين عدّت، وأنا ماخلفتش.
حاولنا كتير، وروحنا لدكاترة، وخدنا أدوية وعلاجات، لكن ربنا ماكتبش لنا أطفال.
وفي البداية، حسام كان بيطمني
إنتِ نصيبي، ومش هسيبك مهما حصل.
كنت بتمسك بكلامه ده وأعيش عليه.
لكن بعد سنين، بدأ يتغير.
وفي يوم رجع البيت وقعد قدامي وقت طويل من غير ما يتكلم.
سألته
مالك يا حسام؟
تنهد وقال
سلمى... أنا عايز أتجوز.
الكلمة نزلت عليّا كأنها ضربة.
سألته وأنا بحاول أتماسك
يعني إيه؟
قال
عايز أخلف يا سلمى... وأنا مش عايز أطلقك، بس عايز أتجوز.
ماقدرتش أجادله.
اتجوز فعلًا، وخلف ولد وبنت.
وأنا فضلت مراته.
كنت بقول لنفسي إن وجودي في حياته لسه له قيمة، حتى لو حياتنا ما بقتش زي الأول.
والحمد لله، والدي كان سايب لي ورث كبير، فكنت مستقلة ماديًا، وعندي شقتي وحساباتي الخاصة.
ما كنتش محتاجة حسام يصرف عليّا.
لكن كنت محتاجة حاجة أهم من الفلوس...
كنت محتاجة أحس إني لسه إنسانة مهمة عنده.
وفجأة، من حوالي شهر، بدأ حسام يتغير.
بقى يزورني أكتر.
يتصل بيا كل يوم.
يسألني
أكلتي؟
نمتي كويس؟
محتاجة حاجة؟
وفي مرة قعد معايا وقت طويل، وقبل ما يمشي قال
وحشتيني يا سلمى.
فضلت بعد ما مشي أعيط.
مش عشان الكلمة نفسها...
لكن عشان كنت محتاجة أسمعها من سنين.
بدأت أصدق إن حسام أخيرًا افتكرني.
إن يمكن بعد كل اللي حصل، لسه جواه مكان ليا.
لكن اللي حصل إمبارح خلاني أراجع كل حاجة.
كنا قاعدين في الصالة، وحسام ساكت بشكل غريب.
بص لي وقال
سلمى... عايز منك طلب.
قلت
اطلب.
قال
أنا بفكر أبدأ مشروع.
فرحت له
ربنا يوفقك.
قال
بس محتاج مبلغ كبير.
سألته
قد إيه؟
قال رقم خلاني أسكت.
كان مبلغ ضخم جدًا.
بصيت له باستغراب
وإنت عايز المبلغ ده ليه؟
قال بسرعة
المشروع ده هيأمن مستقبلي ومستقبل ولادي، وأنا مسؤول عن بيتين. ولو نجح، حياتنا كلها هتتغير.
سألته
وعايزني أديك الفلوس؟
قال
أيوه.
سكت شوية، وبعدها قلت
هفكر وأرد عليك.
في اللحظة دي، وشه اتغير.
الحنان اللي كنت شايفاه في عينيه اختفى.
قال ببرود
براحتك.
وقام.
سألته
هتمشي؟
قال
أيوه.
وقبل ما يفتح الباب، بص لي نظرة غريبة وقال
بس ماتتأخريش في التفكير.
وبعدين خرج.
فضلت قاعدة مكاني.
ولأول مرة، سألت نفسي
هو حسام رجع يهتم بيا عشان وحشته فعلًا؟ ولا كان بيحاول يقرب مني عشان فلوسي؟
لكن السؤال الأصعب كان
ليه طلب المبلغ ده بالذات؟
فضلت طول الليل أفكر.
وفجأة افتكرت حاجة حصلت من شهر.
يومها كنت قاعدة في الصالة، وحسام كان بيتكلم في التليفون وهو فاكر إني مش سامعاه.
سمعته بيقول
ماتقلقش... أنا هتصرف.
سكت شوية، وبعدها قال
الفلوس هتكون موجودة.
وقتها ما اهتمتش.
لكن دلوقتي...
بدأت أربط الأحداث ببعض.
قمت من سريري، وفتحت درج مكتبي.
طلعت أوراق قديمة خاصة بورث أبويا وأمي.
وقعدت أقلب فيها.
وفجأة لقيت ورقة صغيرة أنا أصلًا ما افتكرتش إني شفتها قبل كده.
ورقة عليها اسم حسام...
وتاريخ من حوالي شهر.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
قريت أول سطر...
واتجمدت مكاني.
لأن الورقة كانت مرتبطة بالورث اللي كنت فاكرة إنه ملكي بالكامل.
وفي أسفل الورقة كان فيه توقيع...
مش توقيعي.
رفعت عيني وأنا مش مصدقة.
وقلت لنفسي
مين اللي حاول يتصرف في فلوسي من غير علمي؟
وفي اللحظة دي، سمعت صوت مفتاح حسام في باب الشقة.
رجع!
قفلت الدرج بسرعة، وحطيت الورقة في جيبي.
دخل حسام وهو بيبتسم، وقال
وحشتيني يا سلمى.
المرة دي ما ابتسمتش.
بصيت له وقلت بهدوء
وإنت كمان وحشتني... بس قبل ما نتكلم عن المشروع، أنا عايزة أسألك سؤال.
ابتسامته اختفت.
قلت
إنت عرفت منين أصلًا إن المبلغ اللي بتطلبه موجود عندي؟
فضل ساكت.
وكان سكوته...
أول إجابة حقيقية أخدتها منه من سنين حسام فضل واقف قدامي من غير ما يرد.
أنا كمان ما استعجلتش.
فضلت باصة له وأنا ماسكة الورقة في إيدي، ومستنية أشوف هيقول إيه.
بعد ثواني، قال
يعني إيه عرفت منين؟ إنتِ مراتي يا سلمى، طبيعي أعرف إن عندك فلوس.
هزيت راسي وقلت
لا... مش طبيعي تعرف الرقم اللي طلبته بالظبط.
اتوتر.
قعد على الكرسي وقال
أنا سمعت منك قبل كده.
قلت
مستحيل. أنا عمري ما قلتلك قيمة الورث.
سكت.
قربت الورقة منه وقلت
والأغرب من كده... الورقة دي عليها اسمك.
أول ما شافها، وشه اتغير.
مد إيده بسرعة ياخدها، لكني سحبتها.
قلت
لأ.
وقف مكانه.
سلمى، الورقة دي مش زي ما إنتِ فاهمة.
ضحكت بسخرية
طب فهمني.
اتنهد وقال
من شهر تقريبًا، كنت بحاول أعمل مشروع، وكنت محتاج أعرف الإجراءات القانونية.
قلت
والإجراءات دي تخليك تعمل ورقة مرتبطة بورثي؟
قال
أنا ما عملتش الورقة دي.
سألته
أمال مين؟
فضل ساكت.
هنا قلبي بدأ يقلق.
قلت
حسام، أنا مش بتهمك. أنا بس عايزة الحقيقة.
بص للأرض وقال
واحد من معارفي قال لي إن فيه طريقة أقدر أستخدم بيها جزء من أصولك كضمان للمشروع... لو إنتِ وافقتِ طبعًا.
رديت بسرعة
بس أنا ما وافقتش.
قال
عارف.
طب الورقة دي ليه موجودة؟
سكت تاني.
وبعدين قال
لأن الشخص ده كان فاكر إني هقدر أقنعك.
الجملة دي وجعتني.
يعني كل اهتمامه بيا خلال الشهر اللي فات ممكن يكون مجرد محاولة عشان يكسب ثقتي؟
سألته
وإنت كنت ناوي تقنعني؟
رد
كنت ناوي أطلب منك تساعديني، آه.
قلت
وعشان كده بقيت تيجي وتقول لي وحشتيني؟
ما ردش.
كانت إجابته في عينيه.
حسيت بدموعي بتنزل، لكن المرة دي ما سمحتش لنفسي أنهار.
قلت
أنا كنت فاكرة إنك رجعت لي عشان أنا وحشتك.
قال بسرعة
سلمى...
قاطعته
لأ. سيبني أتكلم.
سكت.
قلت
أنا استحملت سنين. استحملت إن حياتك اتغيرت، واستحملت إن أولادك بقوا ليهم بيت وحياة وأنا بقيت لوحدي. ما طلبتش منك حاجة. ولا أخدت منك جنيه. وحتى لما كان عندي فرصة أسيبك، فضلت محافظة على جوازنا.
مسحت دموعي وقلت
بس كنت فاكرة إن على الأقل... لسه فيه احترام.
خفض حسام عينيه.
وبعد لحظات قال
أنا غلطت.
ضحكت بحزن
الغلط إنك طلبت فلوس؟ ولا الغلط إنك حاولت تعرف قيمتها من غير ما تقول لي؟
قال
الاتنين.
قمت من مكاني وقلت
المشروع مش مشكلتي يا حسام.
ثم رفعت الورقة أمامه
لكن الورقة دي مش هتفضل معايا بالشكل ده.
سألني
هتعملي إيه؟
قلت
هجيب محامي وأفهم كل حاجة.
حاول يمنعني
مفيش داعي تكبري الموضوع.
بصيت له بثبات
بالنسبة لك يمكن الموضوع صغير... لكن دي فلوسي وحق أبويا وأمي.
وسكت شوية، ثم قلت
ومن النهارده، أي حاجة تخص مالي هتكون بعلمي وموافقتي الكاملة.
خرج حسام من الشقة من غير ما يقول كلمة.
وأول ما الباب اتقفل، حسيت إن حاجة جوايا اتكسرت...
لكن في نفس الوقت، حسيت إني لأول مرة من سنين بدأت أقف على رجلي.
تاني يوم، رحت لمحامي.
حطيت الورقة قدامه وقلت
عايزة أعرف الورقة دي معناها إيه، وهل ممكن حد يستخدمها ضدي؟
المحامي قرأها مرة...
وبعدين قرأها تاني.
وفجأة رفع عينيه وقال
سلمى... إنتِ متأكدة إنك ما مضيتيش على أي مستند من النوع ده؟
قلت
متأكدة.
قال
يبقى لازم نتحرك بسرعة.
سألته
ليه؟
رد بهدوء
لأن الورقة دي مجرد جزء من الموضوع... وفيه مستند تاني أهم منها.
حسيت بقلبي وقع.
قلت
مستند إيه؟
فتح درج مكتبه، وطلع صورة من ملف قديم.
وقال
المستند ده وصلني من جهة رسمية من كام يوم.
بصيت للصورة...
وكان عليها اسم حسام مرة تانية.
لكن المرة دي...
كان موجود اسم شخص تاني أنا أعرفه كويس.
اسم واحد من أقرب الناس لوالدي قبل وفاته.
والسؤال اللي جه في دماغي وقتها كان أخطر من كل اللي فات
ليه شخص من ماضي أبويا دخل فجأة في موضوع ورثي بعد كل السنين دي؟في اليوم التالي، طلبت من حسام ييجي معايا لمكتب المحامي.
قلت له بوضوح
المرة دي مش هنتكلم عن فلوس. عايزة أعرف الحقيقة وبس.
وصلنا، وكان عم جابر موجود.
أول ما شافني، قام من مكانه، وعينيه اتمَلَت بالدموع.
قال
سامحيني يا بنتي.
استغربت.
أسامحك على إيه؟
قعد وهو بيحاول يهدّي نفسه وقال
أبوكي قبل ما يموت، سلّمني أمانة.
قلبي دق بسرعة.
أمانة إيه؟
طلع ظرف قديم من شنطته وحطه قدامي.
قال لي لو حصل لي حاجة، ما تسلّمش الظرف لسلمى غير لما تتأكد إنها بقت قادرة تحمي نفسها.
بصيت لحسام.
وبعدين رجعت أبص للظرف.
وليه استنيت كل السنين دي؟
قال
لأن أبوكي طلب مني ما أقولكيش قبل ما تتأكدي إن حياتك مستقرة وإنك مش محتاجة حد يحميكي.
فتحت الظرف بإيد مرتعشة.
كان جواه خطاب بخط أبويا.
أول سطر خلاني أعيط
بنتي سلمى... لو وصل لك الخطاب ده، يبقى أنا مش موجود، وإنتِ كبرتي وبقيتي قادرة تعرفي الحقيقة.
كملت القراءة.
أبويا كتب إنه قبل وفاته اكتشف إن جزءًا من أموال العيلة كان معرضًا للضياع بسبب شراكة قديمة.
وعشان يحمي حقي، سجّل جزءًا من ممتلكاته باسمي بطريقة قانونية، وترك مستندات تثبت ملكيتي الكاملة.
لكن كان فيه شرط مهم جدًا
ما ينفعش أي شخص يتصرف في الأصول دي نيابة عني إلا بموافقتي الصريحة.
رفعت عيني للمحامي.
قال
وده معناه إن أي ورقة حاول حد يستخدمها من غير علمك ممكن يتم الطعن عليها.
بصيت لحسام.
كان ساكت.
لكن الصدمة الحقيقية كانت لسه في آخر الخطاب.
أبويا كتب
يا

تم نسخ الرابط