فى الليلة

لمحة نيوز

قبل ما أقول لك لازم تعرف إن والدك اختفى بإرادته.
ليه؟
عشان يحميك.
سكت لحظة.
ثم أخرج صورة صغيرة من جيبه.
كانت صورة لرجل أكبر سنًا، شعره أبيض، لكنه يحمل نفس عيني والدي.
مد الصورة لي.
ده أبوك.
نظرت للصورة وقلبي بيخبط بعنف.
ثم قال عمي حسن
وهو عايش في مكان قريب جدًا من هنا.
سألته
فين؟
قال
في مستشفى قديم.
وقبل ما نتحرك، رن هاتف عمي حسن.
سمعناه يرد
أيوه؟
صمت.
ثم تغير وجهه.
أغلق الهاتف وقال
لازم نتحرك حالًا.
سألته
ليه؟
قال
لأن أبوك اختفى من المستشفى من عشر دقائق.
ثم نظر لي وقال
واللي أخده ترك رسالة باسمك.
فتح الرسالة.
وكان مكتوبًا
لو عايز تشوف أبوك، تعال للمكان اللي بدأت فيه الحكاية لوحدك.
نظرت لسلمى.
وفهمت أن الماضي لم ينتهِ.
بل كان للتو يفتح بابه من جديد وصلت للمكان اللي بدأت منه كل الحكاية.
كان مخزنًا قديمًا على أطراف شيكاغو، نفس المكان اللي والدي اختفى فيه من سنين.
دخلت لوحدي.
وفي آخر المخزن، شفت رجلًا جالسًا على كرسي.
شعره أبيض، وملامحه أكبر بكتير من الصورة اللي شفتها.
لكن عينيه
عرفتهم فورًا.
بابا؟
رفع رأسه.
ولأول مرة من سنين، سمعت صوته
آدم.
جريت عليه وحضنته.
ماعرفتش أقول أي كلمة.
فضلنا ساكتين لحظات، وكأن السنين اللي ضاعت بينا كانت واقفة حوالينا.
قال أبي
أنا آسف.
ليه اختفيت؟
تنهد.
لأن والد البنات اكتشف شبكة خطيرة، وكانوا عايزين يقتلوه. ساعدته يخبي الأدلة، لكنهم عرفوا إني شريكه. اضطررت أختفي عشان أحميك.
وليه ما رجعتش؟
خفض عينيه.
لأن كل مرة كنت أحاول أرجع، كانوا يقربوا منك.
قلت له
لكني كبرت يا أبي.
ابتسم بحزن.
وأنا كنت عارف إنك هتبقى أقوى مني.
فجأة ظهرت سلمى عند باب المخزن.
وراءها البنات الأربع.
قالت
مش هسيبك تواجه كل ده لوحدك.
ابتسمت.
أول مرة في حياتي حسيت إن كلمة عيلة مش مجرد اسم.
بعدها بأيام، قدم أبي كل الأدلة للشرطة.
تم القبض على باقي أفراد الشبكة، وصدر الحكم على مراد وعماد وحسام بعد ظهور كل المستندات والتسجيلات.
أما أموال البنات، فتم وضعها تحت وصاية قانونية لحين بلوغهن السن المحدد، وضمنت سلمى حقهن بالكامل.
والأهم
إن البنات رجعوا يعيشوا في بيتهم من غير خوف.
مرت شهور.
وفي يوم هادي، كنت قاعد في نفس الكافيه اللي بدأت فيه الحكاية.
جت الأربع بنات وجريت ناحيتي.
أصغرهم قالت
بابا!
ضحكت.
أنا مش باباكم الحقيقي.
قالت بثقة
عارفين.
أمال بتقولوا كده ليه؟
قالت
لأن بابا الحقيقي كان عايزك تحمينا.
بصيت لسلمى.
كانت واقفة بعيد وبتضحك.
قربت مني وقالت
البنات اختاروك.
ابتسمت.
وأنا اخترتهم من أول يوم.
سكتت لحظة، ثم قالت
وأنا؟
نظرت لها.
إنتِ؟
ابتسمت بخجل
اخترتني؟
ضحكت وقلت
من أول ما شوفتك وإنتِ بتحاولي تحمي بناتك لوحدك.
وبعد عام، اتجوزنا.
لم يكن الزواج نهاية قصة حب فقط
كان بداية عيلة جديدة.
عيلة اتبنت مش على الدم ولا الفلوس ولا القوة
لكن على الأمان والثقة.
أما أنا، آدم المصري، الرجل الذي كان الجميع يخاف من اسمه
فقد اكتشفت أن أعظم انتصار في حياتي لم يكن إسقاط أخطر رجال شيكاغو.
كان أربع بنات صغيرين زحفوا تحت ترابيزي في ليلة باردة
وقالوا لي
ممكن تمثل إنك بابانا؟
ومن يومها
ماعدتش أمثّل.
بقيت فعلًا أبًا لهم.
تمت.

تم نسخ الرابط