هديكى فلوس

لمحة نيوز

ابتسم.
يعني العقد اتعمل بعد التاريخ المكتوب عليه.
سامر سكت.
مريم أكملت
وأبويا كان بيدرس المستندات الأجنبية، وكان مسجل كل ختم وكل توقيع.
ثم أخرجت نسخة من الأرشيف.
عندنا الأصل.
تغير وجه سامر.
وبعد ساعات، انتهى الاجتماع.
ثبت أن العقد مزور، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
وفي طريق العودة، قال حازم
واضح إن الورقة اللاتينية ما كانتش آخر اختبار.
مريم ضحكت.
ولا أنت هتتعلم؟
اتعلمت.
ثم نظر إليها وقال
بس عندي سؤال.
إيه؟
لو رجعنا لأول ليلة، وكنتِ عارفة إن كل ده هيحصل... كنتِ هتقبلي العرض؟
مريم ابتسمت.
عرض ال مليون؟
أيوه.
فكرت لحظة.
لأ.
حازم ضحك.
ليه؟
لأن الفلوس كانت هتخلص.
ثم نظرت من نافذة السيارة.
لكن الحقيقة... ما بتخلصش.
حازم سكت.
وبعد لحظات قال
عشان كده عايز أعمل حاجة.
إيه؟
نكتب كل تاريخ الشركة من البداية. من غير أسماء تتشال، ولا حق يستخبى، ولا حد يتظلم.
مريم ابتسمت.
موافقة.
وبعد عدة أشهر، صدر كتاب بعنوان
الشهاوي من الشراكة إلى الأمانة
وكان أول فصل فيه عن رجلين بدأا من الصفر.
رجب عبدالسلام.
وعادل الشهاوي.
وفي الصفحة الأخيرة، كتبت مريم
أحيانًا الحقيقة تتأخر عشرين سنة... لكنها عندما تصل، تستطيع أن تصلح حياة كاملة.
أما حازم فكتب تحتها
وأحيانًا تبدأ الحقيقة بورقة يظنها أحدهم مجرد اختبار.
ومن هنا بدأت مرحلة جديدة في حياة مريم...
مرحلة لم تعد فيها مجرد فتاة تبحث عن فرصة.
بل أصبحت واحدة من الأشخاص الذين يصنعون الفرص لغيرهم مرت ثلاث سنوات، وأصبح اسم مريم معروفًا داخل عالم الأعمال.
لكنها لم تنسَ أبدًا الليلة التي بدأت فيها الحكاية.
وفي صباح يوم هادئ، دخل حازم مكتبها وهو يحمل ظرفًا أبيض.
عندي خبر.
مريم رفعت عينيها من الأوراق.
خير؟
وضع الظرف أمامها.
جالك خطاب من جامعة أجنبية.
فتحت مريم الخطاب، واتسعت عيناها.
كان عرضًا لمنحة كاملة لدراسة إدارة الأعمال التنفيذية، مع ترشيحها ضمن قائمة أفضل الشخصيات الشابة تأثيرًا في مجال المشروعات الصغيرة.
ضحكت
أنا؟!
حازم ابتسم.
أيوه، إنتِ.
بس أنا مش محتاجة لقب.
ولا المنحة دي لقب. دي فرصة.
سكتت مريم قليلًا.
ثم قالت
ولو سافرت، مين هيمسك المشروع؟
الفريق اللي إنتِ بنيتيه.
والشركة؟
أنا موجود.
ابتسمت.
أول مرة أسمع منك كلمة أنا موجود من غير ما يكون وراها غرور.
ضحك حازم.
الإنسان بيتعلم.
لكن قبل سفر مريم بأيام، وصل ظرف آخر.
هذه المرة كان من المحكمة.
فيه إخطار بخصوص ممتلكات قديمة تخص والدها.
مريم ذهبت إلى رجب.
بابا، في حاجة حصلت.
قرأ الخطاب.
ثم صمت طويلًا.
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
عارف إيه؟
فيه قطعة أرض قديمة باسم والدك... لكنها مش أرض عادية.
حازم، الذي كان موجودًا، سأل
إيه المختلف فيها؟
رجب رد
الأرض دي كانت أول مشروع حقيقي بدأته أنا وعادل.
مريم فتحت عينيها.
يعني جزء من تاريخ الشركة؟
أكتر من كده.
ثم أخرج خريطة قديمة.
تحت الأرض دي مخزن قديم.
حازم قال
مخزن؟
كنا بنحط فيه كل المستندات الأصلية قبل ما ننقل مقر الشركة.
مريم فهمت فورًا.
يعني ممكن يكون فيه مستندات لسه محدش شافها؟
رجب أومأ.
في اليوم التالي، ذهب الثلاثة إلى الأرض.
كان المكان مهجورًا منذ سنوات.
بحثوا طويلًا حتى وجد حازم بابًا حديديًا مغطى بالتراب.
أخرج رجب مفتاحًا قديمًا.
ده المفتاح اللي عادل ادانيه قبل الحادث.
فتح الباب.
دخلوا.
كانت الغرفة مليئة بصناديق خشبية.
مريم فتحت أول صندوق.
ملفات.
فتحت الثاني.
دفاتر.
ثم وجدت صندوقًا صغيرًا منفصلًا.
وعليه اسم واحد
مريم.
قلبها بدأ يخفق.
فتحت الصندوق.
وجدت صورة قديمة لوالدها ووالد حازم وهما شابان.
وبجانب الصورة رسالة.
فتحتها.
كان خط عادل الشهاوي واضحًا
مريم...
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنتِ كبرتي وعرفتي الحقيقة.
لكن فيه شيء واحد أهم من المال والأسهم وكل الممتلكات.
أبوك كان أعز صديق ليا.
وأنا كنت أتمنى أشوفك يومًا وأقولك إنك مش مجرد وريثة.
أنتِ آخر أمانة تركها لي رجب.
لو قررتي تكملي طريقنا، خلي هدفك إن الشركة تخدم الناس، مش إن الناس تخدم الشركة.
ولو قررتي تسيبي كل ده، برضه هكون فخور بيكي.
لأن الإنسان قيمته في اختياره، مش في اللي ورثه.
مريم ظلت صامتة.
ثم أغلقت الرسالة.
قال حازم
واضح إن أبويا كان يعرفك قبل ما يعرفك.
ابتسمت مريم والدموع في عينيها.
وكان عارف إني هرفض الفلوس لو كانت على حساب كرامتي.
رجب ضحك.
كان عارفك كويس.
وفجأة، سمعوا صوت ارتطام خارج المخزن.
حازم خرج بسرعة.
كان هناك شاب يقف بعيدًا، وما إن رآهم حتى حاول الهرب.
حازم نادى
استنى!
الشاب ركض.
لكن قبل ما يختفي، وقع منه ملف أسود.
حازم أخذه.
عاد إلى مريم.
فتح الملف.
وفي أول صفحة كان اسم
سامر البدوي.
لكن هذه المرة لم تكن الأوراق تتحدث عن الماضي.
كانت تتحدث عن خطة جديدة للسيطرة على مجموعة الشهاوي.
مريم نظرت إلى حازم.
يعني الحكاية لسه مخلصتش.
حازم أغلق الملف.
شكلها بدأت من جديد.
وفي نفس اللحظة، وصلتهم رسالة على هاتف مريم من رقم مجهول
لو عايزين تعرفوا مين كان بيحرك كل الخيوط من البداية... دوروا على الصندوق رقم 17.
نظرت مريم إلى الصناديق الكثيرة أمامها.
ثم قالت
يبقى الليلة دي مش هنمشي من هنا.
حازم ابتسم.
وأنا كنت فاكر إن أيام الأسرار خلصت.
مريم ردت
الأسرار مبتخلصش...
إحنا اللي بنخلص منها واحدة واحدة بدأ حازم يعد الصناديق واحدًا تلو الآخر.
١٢... ١٣... ١٤...
حتى وصل إلى الرقم ١٧.
كان الصندوق مغطى بطبقة سميكة من التراب، وعلى غطائه ختم قديم يحمل شعار الشركة.
مريم قربت منه.
الختم ده شبه ختم بابا.
رجب نظر إليه طويلًا.
مش شبهه... ده هو.
فتح حازم الصندوق.
في البداية لم يجد سوى دفاتر حسابات قديمة.
لكن في القاع كان هناك ظرف أسود.
وعليه جملة
لا يُفتح إلا بحضور رجب ومريم.
رجب أمسك الظرف بيد مرتعشة.
عادل...
فتح الرسالة.
يا رجب،
لو وصلت للرسالة دي، يبقى الخطر اللي كنت خايف منه رجع.
الشخص اللي حاول يسيطر على الشركة مش فؤاد وحده.
فؤاد كان مجرد أداة.
العقل الحقيقي كان شخصًا أقرب إلينا مما تتخيل.
أنا لم أواجهه لأن الدليل الوحيد ضاع.
لكنني احتفظت بنسخة من الحسابات في مكان لا يعرفه أحد.
والنسخة دي موجودة في الصندوق رقم 17.
حازم قال
يعني الشخص اللي كان بيحرك فؤاد موجود من زمان؟
رجب هز رأسه.
أيوه.
مريم قلبت الدفاتر بسرعة.
وفي إحدى الصفحات وجدت مجموعة تحويلات مالية.
كلها كانت تذهب إلى شركة باسم مختلف.
حازم أخرج هاتفه وصوّر الصفحة.
هنخلي المحامي يراجعها.
لكن مريم توقفت فجأة.
استنى.
أشارت إلى اسم المستفيد.
كان الاسم
مؤسسة الشهاوي للتوريدات الدولية.
حازم عبس.
دي مش موجودة في سجلات شركتنا.
رجب قال
لأن دي كانت شركة ورقية.
مريم سألته
ومين كان بيديرها؟
رجب صمت.
ثم قال
أنا وعادل ما كناش عارفين وقتها.
حازم بدأ يقلب الأوراق.
حتى وجد توقيعًا قديمًا.
تجمد مكانه.
مستحيل.
مريم سألت
إيه؟
حازم وضع الورقة أمامها.
التوقيع كان لشخص يعرفه الاثنان جيدًا.
مدير الحسابات الحالي للشركة.
مريم شهقت
يعني لسه بيشتغل عندنا؟
أيوه.
في صباح اليوم التالي، طلب حازم من المدير الحضور إلى مكتبه.
دخل الرجل بثقة.
طلبتني يا فندم؟
حازم أغلق الباب.
مريم كانت جالسة في الجانب الآخر.
وضع المستند أمامه.
تعرف الورقة دي؟
الرجل نظر إليها.
ثم تغير وجهه.
لكنه استعاد هدوءه بسرعة.
مستند قديم جدًا. ما أعرفش عنه حاجة.
مريم قالت
الغريب إن التوقيع مطابق لتوقيعك.
تشابه أسماء.
حازم ابتسم.
عشان كده عملنا فحص للتوقيع.
وضع تقريرًا أمامه.
الرجل بدأ يتوتر.
ثم قال
أنا كنت مجرد موظف صغير وقتها.
مريم ردت
يبقى عندك فرصة تقول الحقيقة.
صمت طويل.
وأخيرًا قال
الشخص اللي كان بيمول الشركة الوهمية... كان شريكًا قديمًا لعادل.
رجب، الذي كان حاضرًا، سأله
مين؟
الرجل خفض رأسه.
اسمه سامر البدوي.
ساد الصمت.
حازم قال
كنا متوقعين.
لكن الرجل أضاف
في حاجة أنتم مش عارفينها.
مريم اقتربت.
إيه؟
سامر ما كانش عايز يشتري الشركة.
أمال كان عايز إيه؟
نظر إليها وقال
كان عايز يوصل للصندوق رقم 17.
مريم اتجمدت.
ليه؟
لأن الصندوق فيه الدليل الوحيد اللي يثبت إنه حاول السيطرة على الشركة من عشرين سنة.
حازم قال
يعني كل اللي حصل الفترة اللي فاتت كان عشان يوصل للملف؟
الرجل أومأ.
وكان مستعد يعمل أي حاجة عشان الملف يختفي.
مريم نظرت إلى والدها.
بابا، إنت كنت عارف؟
رجب هز رأسه.
لا.
ثم نظر إلى رسالة عادل.
لكن عادل كان عارف.
وفجأة، رن هاتف حازم.
كان اتصالًا من حارس الشركة.
أستاذ حازم، في عربية وقفت قدام المخزن القديم.
مين فيها؟
مش عارف، لكن في شخص دخل
الأرض.
حازم وقف.
اقفلوا البوابات.
ثم نظر إلى مريم.
واضح إنهم عرفوا إن الصندوق اتفتح.
مريم أمسكت الملف.
مش هنهرب.
حازم قال
أنا مش ناوي أهرب.
ثم أغلق الملف وقال
المرة دي هنواجههم بالحقيقة.
وبعد دقائق، ظهرت سيارة سوداء أمام المخزن.
نزل منها رجل واحد.
كان سامر البدوي.
وقف أمام الباب وقال بهدوء
كنت عارف إن الصندوق هيظهر في يوم من الأيام.
مريم تقدمت خطوة.
وإحنا كمان كنا عارفين إنك هتظهر.
سامر ابتسم.
طيب افتحوا الملف.
حازم رد
ليه؟
سامر نظر إلى رجب.
لأن الحقيقة اللي جواه... مش هتضرني أنا وحدي.
ثم نظر إلى مريم.
هتغيّر تاريخ عيلتك كلها.
مريم فتحت الملف.
وفي الصفحة الأخيرة، وجدت ورقة لم يرها أحد من قبل.
وكان عليها توقيع والدها رجب...
وتحت التوقيع جملة واحدة
أنا المسؤول عن كل ما حدث.
رفعت مريم عينيها إلى والدها.
بابا... إيه معنى الكلام ده؟
رجب لم يجب.
ولأول مرة منذ عودته، بدا الخوف واضحًا في عينيه.
ثم قال
لأن اللي حصل من عشرين سنة...
ماكانش زي ما حكيتهولك مريم فضلت واقفة وهي ماسكة الورقة، وعينيها على والدها.
يعني إيه أنا المسؤول يا بابا؟
رجب أخذ نفسًا عميقًا وقال
لأن عادل طلب مني أتحمل المسؤولية على الورق عشان يحمي الشركة من سامر. أنا وقّعت، لكني ما سرقتش ولا ظلمت حد.
سامر حاول يقاطعهم، لكن حازم أوقفه.
كفاية. الحقيقة هتظهر كلها.
تم تسليم الصندوق والوثائق للجهات المختصة، وبعد مراجعة الحسابات والتوقيعات، اتضح أن سامر كان وراء شبكة الشركات الوهمية التي حاولت الاستيلاء على أموال مجموعة الشهاوي.
أما رجب، فثبتت براءته، وثبت أن توقيعه كان جزءًا من خطة حماية وضعها مع عادل قبل سنوات.
سامر واجه المحاكمة، وانتهت القضية رسميًا بعد أن ظهرت كل الأدلة.
وفي اليوم الذي صدر فيه الحكم، رجع رجب إلى مكتب الشركة.
كان حازم ومريم في انتظاره.
قال رجب
كده أقدر أخيرًا أعيش من غير ما أخاف إن الماضي يرجع يطاردكم.
مريم احتضنته.
الماضي انتهى يا بابا.
ثم نظرت إلى حازم.
وإحنا هنبدأ من جديد.
بعدها قررت مريم أن تتنازل عن جزء كبير من أرباحها لإنشاء مؤسسة باسم والدها ووالد حازم، لدعم الشباب وأبناء الموظفين.
أما حازم، فغيّر نظام الشركة بالكامل.
لم يعد الموظف الصغير يخاف من المدير الكبير، وأصبحت الكفاءة والاحترام هما أساس الترقية.
وفي ذكرى تأسيس الشركة التالية، وقف حازم أمام الحضور وقال
من سنين، كنت فاكر إن قيمة الإنسان بتتقاس بفلوسه ومكانه.
نظر إلى مريم.
لكن بنت كانت داخلة حفلة عشان تكسب أجر يوم واحد، علمتني إن الإنسان ممكن يدخل القاعة وهو لا يملك شيئًا... ويخرج منها وهو أغنى شخص فيها.
ضحك الحضور وصفقوا.
مريم ابتسمت.
ثم صعدت إلى المسرح.
كان في يدها نفس الورقة اللاتينية التي بدأت بها الحكاية.
قالت
الورقة دي غيرت حياتي.
ثم قرأتها مرة أخرى
اللي يمتلك القوة وينسى الإنسانية، في النهاية بيعيش جوه الظل اللي صنعته قوته بنفسه.
وسكتت لحظة.
عشان كده، أهم حاجة اتعلمتها إن الحق ممكن يتأخر، والحقيقة ممكن تختفي سنين... لكن طول ما في حد متمسك بيها، عمرها ما بتموت.
صفق الجميع.
وبينما كانت مريم تنزل من على المسرح، اقترب منها حازم.
عندي سؤال.
إيه؟
لو رجعنا لأول ليلة، وقلت لك نفس الجملة هديكي 20 مليون لو عرفتي تقري الورقة... هتوافقي؟
مريم ضحكت.
هقولك نفس اللي قلتهالك.
إيه؟
أنا هنا عشان أشتغل.
ضحك حازم.
طب وال مليون؟
خليهم للناس اللي محتاجة.
وبالفعل، أصبحت ال مليون جنيه أول مبلغ في صندوق دعم الموظفين والمشروعات الصغيرة.
أما مريم، فلم تعد مجرد عاملة حفلات دخلت القاعة بالصدفة.
أصبحت شريكة في واحدة من أكبر الشركات، وابنة استعادت والدها، وإنسانة استخدمت ميراثها لمساعدة غيرها.
ورجب عاش بقية عمره بجوار ابنته، مطمئنًا أن الحقيقة ظهرت أخيرًا.
أما حازم، فقد أصبح يعرف أن أعظم ميراث تركه له والده لم يكن الشركة ولا الأموال.
بل درسًا بسيطًا
احترم الإنسان قبل أن تسأل عن منصبه.
وهكذا انتهت الحكاية...
ليس بانتصار مريم على حازم،
بل بانتصار الاثنين على الغرور والظلم والخوف.
والورقة التي بدأت بسخرية...
انتهت بأنها أصبحت معلقة في مدخل الشركة، وتحتها جملة مريم
لا تحكم على شخص من مكانه في القاعة... فقد يكون هو الوحيد الذي يحمل مفتاح الحقيقة.
تمت.

تم نسخ الرابط