هديكى فلوس
المحتويات
حازم مجلس إدارة الشركة.
كان بعض كبار المسؤولين موجودين، ومن بينهم رجل مسن اسمه فؤاد منصور، كان يعمل مع والد حازم منذ بداية الشركة.
حازم وضع الملفات على الطاولة.
عندنا مشكلة لازم تتحل النهارده.
فؤاد حاول يبتسم.
مشكلة إيه؟
حازم فتح العقد.
الأربعين في المية دول ملك مريم رجب.
القاعة تجمدت.
فؤاد شحب وجهه.
مريم كانت واقفة بجوار حازم.
وأنا مش جاية أخد حاجة مش حقي. أنا جاية أعرف ليه حقي اتخبى عني كل السنين دي.
فؤاد بدأ يتوتر.
حازم وضع أمامه نسخة من المستندات.
لأن أبويا اكتشف إنك كنت بتحول فلوس من الشركة لحسابات وهمية.
فؤاد انتفض
الكلام ده افتراء!
حازم أخرج آخر ورقة.
الحسابات كلها موجودة هنا.
سكت فؤاد.
ثم قال بصوت منخفض
عادل كان هيسلمني للشرطة...
حازم رد
لكنه ما لحقش.
مريم سألت
وأبويا؟
فؤاد نظر إليها طويلًا.
أبوكي اكتشف كل حاجة... وسافر عشان يسلم الأدلة.
وبعدين؟
خفض فؤاد عينيه.
حصل له حادث في الطريق.
مريم شهقت.
يعني مات؟
هنا هز فؤاد رأسه.
لا.
حازم ومريم بصوا له في نفس اللحظة.
أبوكي عاش.
الصمت ضرب القاعة.
مريم قربت منه
عايش؟!
فؤاد أخرج ورقة قديمة.
بعد الحادث، فقد جزءًا من ذاكرته. وعادل الشهاوي أخفاه عن الناس لحد ما يتأكد إنه آمن.
مريم كانت مش قادرة تتكلم.
حازم سأل
وأين هو الآن؟
فؤاد رد
في دار رعاية خارج القاهرة.
مريم لم تنتظر ثانية.
خرجت من القاعة، وحازم لحق بها.
في الطريق، كانت تبكي بصمت.
قال لها
هنروح له سوا.
نظرت إليه.
ليه؟
ابتسم للمرة الأولى بدون غرور
لأن أبويا أخطأ في حاجات كتير... لكن ترك لنا فرصة نصلحها.
وبعد ساعات، وصل الاثنان إلى دار الرعاية.
مريم نزلت من السيارة، وقلبها بيخبط بشدة.
دخلت الممر الطويل.
وفي آخره كان رجل مسن جالسًا بجوار النافذة.
مريم وقفت مكانها.
ملامحه تغيرت.
لكن عينيه...
كانت تعرفهما.
اقتربت ببطء.
بابا؟
الرجل رفع رأسه.
ظل ينظر إليها لثوانٍ.
ثم ظهرت على وجهه ابتسامة صغيرة.
وقال
مريم؟
انهارت مريم في حضنه.
أما حازم فوقف بعيدًا، والدموع في عينيه.
وبعد لحظات، قال رجب
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
مريم رفعت رأسها
ليه ما رجعتليش؟
رجب مسح على شعرها وقال
كنت فاكر إني بحميكي.
ثم نظر إلى حازم.
وأبوك كان محافظ على وعده.
حازم اقترب.
وعد إيه؟
رجب ابتسم وقال
وعدني إنه لما مريم تكمل 28 سنة، هيسلمها حقها... ويقول لها الحقيقة كاملة.
ثم أشار إلى الملف في يد حازم.
لكن فيه حاجة واحدة لسه ما عرفتوهاش.
مريم سألت
إيه؟
رجب نظر إليها بحزن.
الأربعين في المية مش آخر حق ليكي.
ثم قال
أبوكي ترك لكِ شيئًا أكبر بكثير...
وتوقف لحظة.
ترك لكِ مفتاح الشركة كلها مرت ستة أشهر على اليوم اللي رجعت فيه مريم حق عائلتها.
لكن الحياة داخل مجموعة الشهاوي لم تهدأ.
مريم بدأت تراجع ملفات الشركة القديمة، واكتشفت أن والدها لم يكن مهتمًا بالمال فقط، بل كان قد وضع نظامًا كاملًا لحماية الموظفين وأصحاب المشاريع الصغيرة.
قالت لحازم ذات يوم
بابا كان عايز الشركة تكبر، بس من غير ما الناس اللي تحتها تتظلم.
حازم ابتسم
عشان كده لازم نكمل طريقه.
وبالفعل، بدأ الاثنان مشروعًا جديدًا داخل المجموعة لمساعدة أصحاب المشروعات الصغيرة، وكانت مريم هي المسؤولة عنه.
وفي أول اجتماع للمشروع، دخل عامل شاب وقال بتردد
أنا عندي فكرة مشروع، بس معيش رأس مال.
مريم ابتسمت وقالت
وإحنا مش هنسألك معاك كام. إحنا هنسألك عندك فكرة إيه؟
الجملة انتشرت داخل الشركة.
وبعد سنة، عشرات الشباب بدأوا مشروعاتهم.
أما رجب، فقد استعاد جزءًا كبيرًا من ذاكرته، وعاد يعيش مع ابنته.
وفي يوم هادئ، أخرج من خزانته صندوقًا صغيرًا.
قال لمريم
لسه فيه حاجة أبو حازم ما عرفهاش.
مريم استغربت
حاجة إيه؟
فتح الصندوق.
كان بداخله خطاب قديم.
وعليه اسم حازم.
مريم قالت
الخطاب ده ليه؟
عادل كتبه قبل وفاته بأيام.
فتحت مريم الخطاب، وقرأت
يا حازم...
لو أنت بتقرأ الكلام ده، يبقى مريم وصلت للحقيقة.
أوعى تعتبرها منافسة ليك.
هي مش جاية تاخد مكانك.
هي جاية ترجع مكان أبوها.
افتكر دايمًا إن الشركة مش ملك شخص واحد.
الشركة أمانة.
ولو قدرتوا تحافظوا عليها من غير ظلم، يبقى أنا فعلًا كنت أب جيد.
حازم قرأ الخطاب وسكت طويلًا.
ثم قال
كان نفسي أسمع الكلام ده منه وهو عايش.
رجب وضع يده على كتفه.
هو كان عارف إنك هتفهمه يومًا ما.
مرت السنوات.
تحولت مجموعة الشهاوي إلى واحدة من أكبر الشركات التي تهتم بالمشروعات الصغيرة، وأصبح اسم مريم مرتبطًا بنجاح عشرات الشباب.
أما حازم، فلم يعد ذلك المدير المتعالي الذي يظن أن المال يجعل الإنسان أفضل من غيره.
وفي ذكرى تأسيس الشركة، عاد الجميع إلى نفس القاعة التي بدأت فيها الحكاية.
مريم وقفت على المسرح.
وأمامها كان حازم، ووالدها، والموظفون.
قالت
من سنة، كنت واقفة هنا وأنا عاملة حفلات، واتعرضت لموقف محرج جدًا.
ضحك الجميع.
ثم نظرت لحازم.
وكان فيه شخص وقتها عرض عليّ عشرين مليون جنيه لو قدرت أقرأ ورقة.
حازم ضحك.
ولسه فاكر إنك سرقتي مني أغلى تحدي في حياتي.
مريم ابتسمت.
لا، أنت اللي كسبت.
حازم استغرب
إزاي؟
قالت
لأنك بسبب الورقة دي اتعلمت إن قيمة الإنسان مش في شغله ولا في فلوسه.
صفق الحضور.
ثم أضافت
وأنا كسبت أبويا من جديد.
رجب وقف وسط التصفيق، ودموع الفخر في عينيه.
وفي آخر الحفل، أعاد حازم الورقة اللاتينية القديمة إلى مريم.
قال
دي مكانها عندك.
مريم سألت
ليه؟
قال
لأنها بدأت قصة ظلم، وانتهت بقصة حق.
مريم وضعتها داخل إطار زجاجي، وعلقتها في مكتبها.
وتحتها كتبت جملة واحدة
لا تحكم على إنسان من مكانه في القاعة... فقد يكون هو الشخص الوحيد الذي يعرف الحقيقة.
وهكذا انتهت الحكاية.
مريم لم تصبح غنية لأنها فازت برهان.
ولم تنتصر لأنها أحرجت حازم.
انتصرت لأنها رفضت تتنازل عن كرامتها، وحافظت على حق والدها، وحولت ميراثها إلى فرصة لغيرها.
أما حازم، فأصبح يعرف أن أعظم درس أخذه من والده لم يكن كيفية إدارة شركة...
بل كيفية احترام الإنسان.
وال مليون جنيه؟
حازم أصر يعطيها لمريم في النهاية.
لكنها رفضتها.
وقالت وهي تضحك
خليهم في صندوق الموظفين.
ومن يومها، كلما سأل أحد حازم عن أغلى درس تعلمه في حياته، كان يبتسم ويقول
ورقة قديمة... وبنت شجاعة قرأتها في أقل من دقيقتين بعد مرور عامين، كانت مجموعة الشهاوي في أفضل حالاتها.
مريم أصبحت شريكة حقيقية في الإدارة، وحازم لم يعد المدير المتعالي الذي عرفته في أول ليلة.
لكن النجاح جاب معه اختبارًا جديدًا.
في صباح يوم الاثنين، دخل مساعد حازم مكتبه وهو يحمل ملفًا أسود.
أستاذ حازم، في مشكلة كبيرة.
حازم رفع عينيه.
إيه المشكلة؟
في شركة أجنبية بتقدم عرض لشراء نسبة كبيرة من أسهم المجموعة.
حازم أخذ الملف.
مين صاحب العرض؟
المساعد تردد.
رجل أعمال اسمه سامر البدوي.
مريم كانت موجودة في المكتب، ولما سمعت الاسم، تغير وجهها.
سامر البدوي؟
حازم سألها
تعرفيه؟
الاسم موجود في ملفات بابا القديمة.
فتحت مريم أرشيف والدها بسرعة، وبدأت تقلب الأوراق.
وبعد دقائق، أخرجت مستندًا قديمًا.
بص.
حازم قرأ الاسم.
سامر البدوي كان واحدًا من الأشخاص الذين حاولوا شراء حصة رجب وعادل قبل أكثر من عشرين سنة.
لكن المفاجأة لم تكن هنا.
كان هناك سطر أسفل اسمه
لا يجوز نقل أي ملكية لهذا الطرف قبل مراجعة العقد الأصلي.
حازم قال
يعني العرض ده ممكن يكون محاولة للسيطرة على الشركة؟
مريم هزت رأسها.
مش بس كده.
أشارت إلى توقيع في آخر الصفحة.
التوقيع ده مزور.
سافر حازم ومريم في اليوم التالي لمقابلة سامر.
كان رجلًا هادئًا، في أواخر الخمسينات.
قال لهم
أنا مش جاي أحاربكم. أنا جاي أشتري حصتي القديمة.
مريم ردت
مفيش حصة قديمة باسمك.
سامر ابتسم.
أبوكي كان عارف إن ليّا حق.
رجب، الذي حضر الاجتماع، نظر إليه مباشرة.
لأ.
ساد الصمت.
أنا كنت عارف إنك حاولت تاخد الشركة بالغش، وعادل وقف ضدك.
سامر ضحك.
وبعد كل السنين دي لسه بتدافع عنه؟
رجب رد
أنا بدافع عن الحقيقة.
أخرج سامر مستندًا.
عندي عقد يثبت إن ليّا 15.
حازم أخذ العقد.
ثم نظر إلى مريم.
كانت تقرأه بسرعة.
فجأة قالت
الورقة دي مكتوبة بنفس الخط... لكن التاريخ غلط.
سامر ارتبك.
مريم وضعت المستند على الطاولة.
التاريخ المكتوب هنا هو 1989، لكن نوع الختم الموجود على الورقة لم يكن مستخدمًا قبل 1994.
حازم
متابعة القراءة