بنتى اتوفت قبل فرحها

لمحة نيوز

بعد مرور خمس سنين، كنت قاعدة في البيت لما علي رجع من شغله ومعاه ظرف كبير.
قال لي
ماما، ده ليكي.
بصيت له باستغراب
إيه ده؟
ابتسم وقال
افتحي.
فتحت الظرف، لقيت عقد ملكية شقة جديدة باسمي.
اتخضيت
شقة إيه يا علي؟ وإنت جبت فلوسها منين؟
قعد جنبي وقال
من شغلي، ومن المشروع اللي بدأت فيه بعد الجامعة.
وبعدين طلع صورة صغيرة من جيبه.
كانت صورة نور.
وقال
أنا وعدتها إني هبقى سندك.
دموعي نزلت.
قلت له
يا ابني، أنا مش محتاجة شقة.
رد بهدوء
وأنا مش بشتريلك شقة يا ماما... أنا بردلك جزء صغير من اللي عملتيه عشانا.
دخلنا الشقة الجديدة.
كانت بسيطة، لكن فيها أوضة واسعة ليا، وأوضة صغيرة علي.
وفي الصالة علّقنا صورة نور.
تحت الصورة حطينا جملة كانت دايمًا بتقولها
البيت مش بالفرش... البيت بالناس اللي بتحب بعض جواه.
بعدها بفترة، وصلني خطاب من المحكمة.
كان آخر إجراء في قضية سليم.
الحكم النهائي ثبّت ملكيتنا لكل المنقولات اللي ثبت إنها كانت ملك نور، وألزمه برد الحقوق والتعويضات المستحقة.
قفلت الورقة وحطيتها في الدرج.
ماحسيتش بالانتصار.
حسيت بالراحة.
لأن العدالة لما تتأخر، أحيانًا بتوصل في وقت الإنسان يكون محتاج يقفل الصفحة مش يفتحها من جديد.
وفي ذكرى وفاة نور، أنا وعلي عملنا حاجة مختلفة.
بدل ما نقعد في البيت ونبكي، جهزنا وجبات ووزعناها على أسر محتاجة باسمها.
وقبل ما نوزعها، علي قال
أختي كانت بتحب تساعد الناس.
قلت له
عشان كده خيرها لازم يفضل عايش.
وفي آخر اليوم رجعنا البيت.
وقفت قدام صورتها وقلت
يا نور، أنا خلاص فهمت.
أنا كنت فاكرة إن ربنا حرمني منك.
لكن الحقيقة إنك سيبتيلي حب عمري ما هخسره، وأخوكي اللي بقى راجل يعتمد عليه، وذكريات عمرها ما هتموت.
وسكت شوية، ثم ابتسمت
يمكن موتك كان أكبر وجع دخل حياتي... لكن ربنا جعل بعده أبواب ماكنتش شايفاها.
علي وقف جنبي، وحط إيده على كتفي.
وقال
ماما، ندخل نعمل الشاي؟
ضحكت من وسط دموعي
يلا يا حبيبي.
ودخلنا.
ومن يومها، كل ما حد يسألني عن بنتي، ما بقولش
بنتي ماتت قبل فرحها.
بقول
بنتي عاشت عشرين سنة، وكانت سبب في إننا نتعلم إن الإنسان ممكن يرحل، لكن أثره يفضل عايش في قلوب اللي حبوه.
أما الشقة القديمة، فبعد سنوات اتباعت، وفلوسها اتقسمت قانونيًا، وجزء منها اتخصص لعمل خير مستمر باسم نور.
وبكده، آخر حاجة كانت مرتبطة بالحكاية دي انتهت.
مافضلش سليم في حياتنا.
ولا فضلت الديون.
ولا فضلت الشقة.
اللي فضل بس...
نور.
صورتها.
ضحكتها.
دعواتنا ليها.
والحب اللي ماعرفش الموت ياخده مننا مرت عشر سنين على وفاة نور.
عشر سنين كنت فيهم كل سنة أفتكر يوم الحادث، لكن الألم ما بقاش زي الأول.
بقى فيه مكان فاضي في قلبي، بس بقيت أعرف أعيش حواليه.
علي اتخرج، واشتغل، وبعدها فتح مشروع صغير.
وفي يوم رجع البيت وقال لي
ماما، أنا عايز أقولك حاجة.
قلت له
خير يا ابني؟
قال وهو مبتسم
أنا اتقدمت لبنت محترمة، وعايز آخد رأيك.
فرحت، لكن قلبي ارتبك.
قلت
أهم حاجة تكون بتحبك وتحترمك.
ابتسم وقال
وعشان كده أول واحدة هتعرف هي إنتِ.
بعد أيام، قابلت البنت وأهلها.
كانت هادية ومحترمة، ولما عرفت إن لعلي أخت اسمها نور، قالت
أنا سمعت عنها كتير.
سألتها
مين حكالك؟
قالت
علي.
وبعدين بصت للصورة المعلقة على الحائط وقالت
واضح إنها كانت إنسانة جميلة.
ابتسمت وقلت
كانت أجمل حاجة في حياتنا.
تمت الخطوبة، وبعدها بدأنا نجهز للفرح.
وفي يوم، وأنا بلف في محلات الأثاث، وقفت فجأة قدام غرفة نوم.
افتكرت نور وهي بتختار غرفتها قبل الفرح.
رجلي اتقلّت.
علي لاحظ وسألني
ماما، إنتِ كويسة؟
قلت
أيوه... بس افتكرت أختك.
مسك إيدي وقال
لو كانت موجودة كانت هتختار معانا.
ضحكت وقلت
كانت هتتعبني في الاختيارات زي زمان.
ضحكنا.
ولأول مرة، ذكرى نور ماخلتنيش أبكي.
خلتني أضحك.
يوم فرح علي، قبل ما يدخل القاعة، وقف قدام صورة نور اللي كانت معلقها في بيتنا.
حط إيده على الصورة وقال
كان نفسي تكوني هنا.
وبعدين بص لي
ماما، نروح؟
قلت
نروح يا ابني.
ودخلنا الفرح.
كانت الزغاريد عالية، والناس بتضحك، وأنا واقفة وسطهم.
وفجأة حسيت بحاجة غريبة.
قبل عشر سنين، نفس الزغاريد كانت اتحولت لصريخ.
النهارده، رجعت الزغاريد تاني.
فهمت وقتها إن الحياة مش بتنسى موتانا...
لكنها بتعلمنا إزاي نعيش رغم غيابهم.
وبعد الفرح بأيام، جالي ظرف صغير.
فتحتُه، لقيت صورة قديمة لنور وهي طفلة، وخلفها كلمات بخط علي
ماما، إحنا كملنا عشانك... وعشان نور.
حطيت الصورة جنب صورة بنتي.
وقعدت قدامهم وقت طويل.
وبعدين قلت
الحمد لله يا رب.
مش عشان إني نسيت بنتي.
ولا عشان الوجع اختفى.
لكن عشان ربنا اداني القوة أكمل رسالتها.
رفعت عيني لصورتها وقلت
ارتاحي يا نور... أخوكي كبر، وأنا بقيت بخير، وكل حق ليكي رجع، وكل أثر جميل منك لسه موجود.
وقتها فقط، حسيت إن الحكاية انتهت فعلًا.
مش لأن نور رجعت...
لكن لأن الحزن ماعادش هو اللي بيحكي قصتها.
بقى الحب هو اللي بيحكيها وفي آخر مرة دخلت فيها شقة نور القديمة، كنت لوحدي.
وقفت في الصالة، وبصيت للمكان اللي كان يومًا مليان بأحلام بنتي.
افتكرت يوم ما دخلناها لأول مرة، وهي بتجري من أوضة لأوضة وتقول
ماما، أنا مش مصدقة إن ده بيتي!
ابتسمت رغم دموعي.
قلت
وأنا كمان يا بنتي.
طلعت من جيبي صورة صغيرة ليها، وحطيتها في المكان اللي كانت بتحب تقعد فيه.
وقلت
سامحيني إني ماقدرتش أحققلك كل اللي كنتِ نفسك فيه... لكن أقسم بالله عملت اللي أقدر عليه.
وبعدين بصيت للسماء
يا رب، أنت أخدتها مني قبل ما أعرف إذا كان اختيارها صح أو غلط، لكني مؤمنة إنك كنت أرحم بيها مني.
خرجت وقفلت الباب.
المرة
تم نسخ الرابط