بنتى اتوفت قبل فرحها
المحتويات
له
طب ليه ما قالتليش؟
رد
قالتلي إنها مش عايزة تقلقك قبل الفرح.
وبعدين أضاف
لكنها قالت جملة غريبة جدًا.
سألته
قالت إيه؟
قال
قالت لو حصلتلي حاجة، أنا خايفة سليم يحاول ياخد حاجات أمي.
قفلت المكالمة وأنا مش قادرة أتنفس.
لأول مرة فهمت إن نور كانت بتحاول تحميني حتى وهي عارفة إن حياتها نفسها ممكن تتغير.
وفي اليوم التالي، رجعت مع المحامي للنيابة، وقدمنا الورقة وكل المستندات.
لكن التحقيق كشف مفاجأة جديدة.
كاميرات الطريق أثبتت إن يوم الحادث، نور كانت خارجة من عند سليم قبل الحادث بوقت قصير.
والأغرب إن سليم كان قدّم لنا رواية مختلفة تمامًا عن آخر مرة شافها فيها.
تم استدعاؤه مرة تانية.
المحقق سأله
ليه قلت إنك ما شوفتش نور يوم الحادث؟
سليم سكت.
المحقق حط قدامه تسجيل الكاميرا.
وشه اتغير.
ولأول مرة، ماقدرش يهرب بالكلام.
اعترف إنه حصل بينهم خلاف بسبب الجهاز والديون، وإن نور كانت قررت تأجيل الجواز، لكنها خرجت من عنده غاضبة.
لكن التحقيق أثبت إن حادث نور كان حادث سير، وإن سليم لم يكن متسببًا في وفاتها.
ومع ذلك، اتضح إنه استغل موتها بعد الحادث مباشرة، ونقل ممتلكاتها من الشقة ظنًا منه إننا مش هنقدر نثبت ملكيتها.
وقتها حسيت بحزن غريب.
كنت أتمنى لو بنتي عاشت.
كنت أتمنى حتى لو رجعتلي من غير جهاز، ومن غير فرح، ومن غير أي حاجة.
كنت هاخدها في حضني وأقول لها
ولا يهمك يا نور... المهم إنك عايشة.
لكن ربنا اختار لها طريقًا آخر.
وبعد فترة، سددت جزءًا كبيرًا من الديون من ثمن الأجهزة التي استرديناها، والباقي ساعدني فيه أهل الخير.
أما شقة نور، ففضلت مقفولة فترة طويلة.
وفي أول يوم دخلتها بعد كل اللي حصل، وقفت في نص الصالة.
كان المكان فاضي تقريبًا.
لكن لأول مرة، ماحسيتش إنه مكان ماتت فيه أحلامها.
حسيت إنه مكان ربنا كشف فيه الحقيقة قبل ما تكمل حياتها مع الشخص الغلط.
بصيت للسماء وقلت
يا رب، أنا موجوعة إنها راحت... لكني راضية بحكمك. أنت أعلم بيها وباللي كان مستنيها.
وبعدها خرجت.
قفلت الباب واحتفظت بالمفتاح.
مش عشان أبيع الشقة.
لكن عشان أفتحها يومًا ما لابني، وأقول له
دي كانت أختك... ودي كل الحكاية اللي سابتْهالنا.
ومن يومها، كل ما حد يقولي
يمكن لو نور كانت عاشت كان كل شيء اتغير.
أرد عليه بهدوء
يمكن... لكن اللي أنا متأكدة منه إن ربنا أرحم بينا من نفسنا، وإن بعض الأبواب لما بتتقفل، بنزعل عليها... وبعد سنين نفهم إنها كانت حماية مش حرمان بعد مرور سنة على وفاة نور، كنت فاكرة إن أصعب حاجة عدت.
لكن في يوم، وأنا بنضف دولابها، لقيت صندوق خشب صغير في آخر الرف.
كان عليه اسم أخوها علي.
ناديت عليه، ولما جه قلت له
ده بتاعك يا حبيبي... أختك كانت سايباهولك.
فتح الصندوق، فلقينا ساعة أبوهم القديمة، وصورة عائلية، ومبلغ صغير كانت نور بتوفره من شغلها.
وكان فيه جواب.
علي فتحه وبدأ يقرأ
حبيبي علي،
لو إنت بتقرأ جوابي ده، يبقى أنا مش موجودة جنبك.
خليك سند لماما، ومتخليش الحزن يكسرها. هي تعبت كتير عشاننا، ومهما عملنا مش هنقدر نوفيها حقها.
ومتفكرش إنك لوحدك عشان أنا مشيت. أنت دلوقتي راجل البيت، بس خلي بالك... الرجولة مش بالصوت العالي ولا بالقوة، الرجولة إنك تحمي اللي بتحبهم وتكون رحيم بيهم.
ولو ماما في يوم قالتلك إنها تعبت، خدها في حضنك بس.
أختك نور.
علي ماقدرش يكمل.
حط الورقة على صدره وعيط.
وأنا حضنته وعيطنا إحنا الاتنين.
بعدها بأسابيع، جالي اتصال من المحامي.
قال لي
يا أم علي، فيه خبر كويس.
قلت
خير؟
قال
المحكمة أصدرت حكمها في موضوع المنقولات، وسليم ملزم برد كل اللي أخده، بالإضافة للتعويض.
قلت له
الحمد لله.
وبالفعل، رجعت آخر قطعة من جهاز نور.
لكن لما وصلتني، ماقدرتش أبص لها.
قلت
بيعوها.
المحامي استغرب
متأكدة؟
قلت
أيوه. أنا مش عايزة أعيش طول عمري ماسكة في حاجات وجعتني. الفلوس دي هتروح لتعليم علي، وجزء منها هطلعه صدقة على روح نور.
وفعلت اللي قلت عليه.
وبعد سنتين، علي دخل الجامعة.
وفي أول يوم له، لبس الساعة القديمة بتاعة أبوه.
وقبل ما يخرج، وقف قدامي وقال
ماما، نور كانت هتفرح بيا؟
ابتسمت رغم دموعي
كانت هتطير من الفرحة.
بص للساعة وقال
يبقى أنا هكمل.
وفعلًا كمل.
أما أنا، فبدأت أرجع لشغلي واحدة واحدة.
الحزن ما اختفاش، لكنه اتغير.
بقى جزء من قلبي بدل ما يكون حجر على صدري.
وفي يوم، وأنا ماشية في الشارع، شفت عروسة خارجة من محل فساتين، وأمها جنبها بتضحك.
وقفت مكاني.
في البداية دموعي نزلت.
لكن بعدها ابتسمت.
لأول مرة فهمت إن فرحة الناس التانية مش خيانة لذكريات بنتي.
رجعت البيت، فتحت صندوق صور نور، وحطيت صورة فرحها اللي ما اكتملش جنب صورتها وهي طفلة.
وقلت
يا نور، أنا كنت فاكرة إن فرحتك ماتت معاكي... لكن طلعتِ إنتِ اللي علمتيني إن الحياة لازم تكمل.
ومن يومها، كل سنة في ذكرى وفاتها، أنا وعلي بنروح نزور قبرها.
بنحكيلها عن كل حاجة حصلت.
عن الجامعة.
عن شغلي.
عن الناس اللي وقفت جنبنا.
وعن سليم، اللي بقى مجرد صفحة قديمة في حياتنا.
وفي آخر كل زيارة، كنت أقول نفس الجملة
ربنا يرحمك يا بنتي... لو كنتِ عايشة، كنت أتمنى أشوفك سعيدة. ولما ربنا اختارك، أتمنى يكون عوضك بجنة أوسع من كل الأحلام اللي ما لحقتيش تعيشيها.
ومشيت أنا وعلي.
إيدنا في إيد بعض.
ومن بعيد، كانت الشمس بتغرب.
ولأول مرة من سنين، حسيت إن الغروب مش نهاية.
كان بداية لحياة جديدة... من غير نور، لكن بكل النور اللي سابته جوانا
متابعة القراءة