بنتى اتوفت قبل فرحها
بنتي اتوفت قبل فرحها بثلاث أيام، ولما رحنا نسترد جهازها بعد العزا، لقينا الشقة فاضية على البلاط. سليم، خطيبها، وقف قدامنا وقال ببرود
أنا محدش جابلي حاجة هنا، وإنتوا عايزين تتبلوا عليّا!
بصيت له وأنا مش مستوعبة كلامه، وقلت
يا ابني، إحنا فرشنا الشقة دي بإيدينا، وكل حاجة دخلت هنا قدام عينيك وعين بنتي!
ضحك بسخرية وقال
عندكوا دليل؟
الكلمة وقعت عليّ كالصاعقة.
لكن بنتي كانت أذكى مما توقعت.
بعد لحظات، افتكرت إن قبل الفرح بيومين كانت باعتالي صور للشقة وهي فرحانة، وقالتلي
شوفي يا ماما، أخيرًا حلمي اتحقق.
فتحت موبايلي وبدأت أقلب في الصور.
كانت كل حاجة ظاهرة بوضوح الانتريه، الأجهزة، غرفة النوم، السجاد، الستائر، وحتى علب الأجهزة وهي لسه متقفلة.
رفعت الموبايل قدام وشه وقلت
أهو جهاز بنتي كله كان هنا... والصور بتاريخ قبل وفاتها بيومين.
اتوتر سليم لأول مرة.
لكن بدل ما يعترف، قال
الصور دي ممكن تكون متصورة في أي مكان!
وقبل ما أرد عليه، سمعت صوت أحد الجيران من ورا الباب
لأ يا سليم... الصور دي متصورة هنا فعلًا.
بصينا كلنا ناحية الباب.
كان جارهم، عم محمود، واقف ومعاه موبايله.
وقال
أنا كنت بصور فيديوهات للعفش يوم ما دخل، عشان بنتي كانت بتساعدهم في الفرش. وكمان عندي تسجيل من كاميرا العمارة يثبت إن العربيات دخلت ونزلت كل الجهاز للشقة.
وش سليم اصفر.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.
عم محمود قال
وفي حاجة تانية لازم تعرفيها يا أم علي... قبل وفاة بنتك بيوم، حصلت خناقة كبيرة بينها وبين سليم.
قلبي انقبض.
قلت بسرعة
خناقة؟ على إيه؟
طلع موبايله وفتح تسجيل صوتي كان محتفظ بيه بالصدفة، لأن كاميرا العمارة كانت بتسجل الصوت عند مدخل الشقة.
سمعت صوت بنتي وهي بتقول
يا سليم، أنا مش هسيب ماما تتحمل كل الديون دي لوحدها، والجهاز ده بتاعها هي، ولو حصل بينا أي حاجة هيرجع لها.
وبعدين سمعت صوت سليم غاضبًا
يعني لو الجوازة ما تمتّش، هتاخدي كل حاجة وتمشي؟
ردت بنتي
طبعًا. دي حاجات أمي تعبت فيها وسددت تمنها.
ساد الصمت.
حطيت إيدي على قلبي، والدموع نزلت من عيني.
ماكانش حزني بس على بنتي...
كنت لأول مرة أفهم إنها كانت بدأت تكتشف معدن الشخص اللي كانت هتعيش معاه.
سليم حاول ياخد الموبايل من عم محمود، لكن قرايبي وقفوا بينه وبينه.
وفي اللحظة دي، دخل أمين الشرطة اللي كان موجود معانا بناءً على بلاغ فقدان المنقولات، وبعد ما شاف الصور والتسجيلات، طلب من سليم يفسر اختفاء الجهاز.
سليم ماعرفش ينطق.
وبعد ساعات من التحقيق، اتضح إن سليم كان نقل معظم المنقولات لمخزن مستأجر باسمه، وكان ناوي يحتفظ بيها بحجة إن الجواز كان هيتم.
رجعت حاجات بنتي واحدة واحدة، وبعت جزء منها عشان أسدد الديون اللي اتراكمت عليّ بسبب تجهيزها.
أما سليم، فدخل في قضية سرقة وخيانة أمانة، وأصبح مطالبًا برد باقي المنقولات وتعويضنا عن اللي تسبب فيه.
بعدها بأيام، رجعت البيت وأنا منهارة.
دخلت أوضة بنتي، وقعدت على سريرها، وفضلت أبص لصورتها.
وقلت
سامحيني يا بنتي... كنت فاكرة إني لما أجهزلك أغلى جهاز في الدنيا هأمّن مستقبلك.
وسكت شوية، وبعدين ابتسمت وسط دموعي
لكن يمكن ربنا اختارلك عمر أقصر عشان ينقذك من عمر كامل كان ممكن تعيشيه في وجع.
ابني قرب مني وحضني.
وقال
ماما، نور أكيد كانت هتقولك متزعليش.
مسحت دموعي وقلت
عندك حق يا حبيبي... نور راحت، بس أنت لسه هنا، وأنا لازم أعيش عشانك.
ومن يومها، بطلت أبص لجهاز بنتي على إنه خسارة.
بقيت أشوفه آخر حق رجع لنا من تعبها وتعبنا.
أما أغلى حاجة احتفظت بيها، فكانت صورة واحدة لبنتي وهي واقفة وسط شقتها قبل فرحها بيومين، مبتسمة من قلبها.
وكتبت تحتها
يمكن فرحك ما اكتملش يا نور، لكن ربنا كملكِ رحمتك، وحماني من إني أشوفك يومًا مكسورة في بيت ما كانش يستاهلك مرت شهور على وفاة نور، وأنا بدأت أتعلم إزاي أعيش من غير ما أسمع صوتها في البيت.
كنت كل يوم أصحى وأبص ناحية أوضتها، وبعدين أفتكر إنها مش هتدخل عليّ تقول
صباح الخير يا ماما، عملتيلي شاي؟
كنت بتوجع، لكن كنت بحاول أتماسك عشان ابني.
وفي يوم، وأنا براجع الأوراق القديمة الخاصة بجهاز نور، لقيت ظرف صغير مستخبي بين فواتير الأجهزة.
كان مكتوب عليه بخط بنتي
لماما... لو حصل أي حاجة.
إيدي بدأت ترتعش.
فتحت الظرف، لقيت ورقة مطوية.
وكان أول سطر فيها
ماما، لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى غالبًا أنا مش موجودة جنبك.
انهرت في البكاء.
كملت القراءة
أنا عارفة إنك عملتي كل حاجة عشاني، وعارفة إن الديون تقيلة عليكِ. عشان كده لو حصل أي حاجة، أو لو الجوازة ما كملتش، متبيعيش حاجاتك بخسارة، ومتديش سليم أي حاجة من غير ورق.
اتجمدت مكاني.
نور كانت حاسة إن فيه حاجة غلط.
وفي آخر الورقة كتبت
أنا مش عايزة أقولك حاجة تضايقك، بس لو في يوم حصل خلاف بيني وبينه، افتكري إنك أهم واحدة عندي. ومهما حصل، خليكي جنب أخويا.
حضنت الورقة وفضلت أعيط.
لكن كان فيه شيء أغرب.
في أسفل الورقة، كانت نور كاتبة رقم هاتف واسم
الأستاذ سامح محامي.
قررت أتصل به.
رد عليّ وقال
أنا كنت مستني مكالمتك يا مدام.
سألته
مستني مكالمتي ليه؟
سكت لحظة، وبعدين قال
نور جاتلي قبل الحادث بيوم واحد.
حسيت إن الدنيا دارت بيا.
قال
كانت عايزة تعرف حقوقها وحقوقك في الجهاز، وطلبت مني أكتب لها إقرار إن كل المنقولات ملك ليها وإن مصدر ثمنها والدتها.
قلت