في الليلة
خشبي غير ثابت.
حركته.
ظهر تجويف ضيق.
وفي داخله جهاز تسجيل قديم.
أخذته.
ضغطت زر التشغيل.
خرج صوت والدها
لو وصلتي للجهاز ده، يبقى أنا فشلت أخفي الحقيقة.
سكت لحظة.
ثم قال
الشخص اللي بدأ كل شيء... مش أنا.
صمت طويل.
ثم جاءت الجملة التي جعلت الجميع يتجمد
الشخص ده كان قريب منك جدًا... قبل ما تتجوزي أصلًا.
انطفأ جهاز التسجيل.
وفي اللحظة نفسها...
وصلت رسالة جديدة على هاتفها.
دلوقتي دوري تسألي جوزك عن أول يوم قابلتيه فيه بصت لجوزها، وصوتها خرج بصعوبة
أول يوم قابلتك فيه... كان مخطط له؟
جوزها ما ردش.
وده كان كفاية يخلي قلبها يقع.
رد عليّ.
قال بهدوء
أيوه.
سكتت.
يعني إنت كنت تعرفني قبل اليوم ده؟
كنت شايفك.
فين؟
في المكان اللي كنتِ بتشتغلي فيه وقتها.
رجعت بذاكرتها.
افتكرت اليوم.
افتكرت أول مرة شافته فيها.
كانت فاكرة إنه كان مجرد شخص قابلته بالصدفة.
لكن فجأة تفاصيل صغيرة بدأت تظهر في ذاكرتها.
هو كان يعرف اسمها قبل ما تعرفه.
كان يعرف إنها بتحب نوع معين من القهوة.
وكان عارف طريق رجوعها للبيت.
وقتها اعتبرت كل ده اهتمامًا زائدًا.
دلوقتي كل تفصيلة بقت مرعبة.
قالت
مين طلب منك تراقبني؟
جوزها نظر للرجل الموجود أمامهم.
الرجل قال
والدها.
هزت رأسها.
لأ.
ثم بصت لجوزها.
هو بنفسه؟
قال
في البداية.
وبعدها؟
سكت.
الرجل أجاب بدلًا منه
بعدها حد تاني استلم المهمة.
مين؟
الرجل أخرج ورقة صغيرة من جيبه.
الاسم موجود هنا.
مدها لها.
لكن قبل ما تاخدها، جوزها قال
ما تقريهاش.
بصت له بدهشة.
ليه؟
لأنك لو عرفتي الاسم، مش هتقدري ترجعي زي الأول.
قالت
أنا أصلًا مش زي الأول.
أخذت الورقة.
فتحتها.
وقرأت الاسم.
ثم سقطت الورقة من إيدها.
كان الاسم لشخص قريب منها جدًا.
شخص كانت بتثق فيه ثقة عمياء.
لكن قبل ما تنطق، سمعوا صوت مفتاح بيدخل في باب البيت.
الرجل الغريب التفت ناحية الباب.
حد دخل.
جوزها قال
مفيش حد يعرف إننا هنا.
خطوات بدأت تقترب من الممر.
خطوة.
ثم خطوة أخرى.
توقفت الخطوات أمام المكتب.
وبدون أي استئذان...
مقبض الباب بدأ يتحرك.
هي بصت للورقة مرة تانية.
الاسم لسه قدام عينيها.
وفي اللحظة اللي الباب اتفتح فيها...
سمعت صوتًا تعرفه جيدًا يقول
أنا كنت عارف إنكم هتوصلوا للدرج.
ثم دخل الشخص.
وكان في إيده الملف الأصلي بالكامل.
قال
بس اللي مش هتعرفوه... إن والدكم ما كانش هو اللي بدأ كل ده.
ثم رفع الملف.
أنا اللي بدأت اتجمدت مكانها.
إنت؟
الرجل دخل بهدوء، وحط الملف على المكتب.
أيوه... أنا.
جوزها اندفع ناحيته، لكن الرجل رفع إيده.
استنى. لو كنت عايز أؤذي حد، ما كنتش جيت لوحدي.
بصت له وهي تحاول تربط كل الخيوط.
ليه عملت كل ده؟
فتح الملف الأصلي.
لأن والدك طلب مني أكتشف الحقيقة.
الحقيقة بتاعة إيه؟
الحقيقة اللي كانت مستخبية في عيلتكم من سنين.
طلع ورقة قديمة.
يوم ما بدأت أراقبك، ما كنتش أعرف إنك مجرد شخص عادي في الموضوع.
أمال أنا إيه؟
بص لها طويلًا.
إنتِ مفتاح القضية كلها.
قلبت الورقة.
كانت فيها صورة لبيت قديم، وتحتها تاريخ.
البيت ده إيه؟
المكان اللي بدأت فيه أول مشكلة.
جوزها قال
قول لها كل حاجة.
الرجل رد
لسه بدري.
صرخت
أنا تعبت من كلمة بدري!
سكت الجميع.
ثم قال الرجل
طيب. هقولك.
فتح صفحة في الملف.
قبل سنين، حصل اختفاء لمجموعة مستندات مهمة من مكتب والدك. المستندات دي كانت مرتبطة بموضوع كبير، ولو وقعت في إيد الشخص الغلط، كان ممكن يحصل ضرر لعيلتكم كلها.
وإيه علاقتي؟
وإنتِ كنتِ الوحيدة اللي شافت آخر شخص دخل المكتب يومها.
اتسعت عينيها.
أنا؟
كنتِ صغيرة، ومحدش كان متوقع إنك تفتكري.
جوزها قال
عشان كده كانوا بيتابعوا ذاكرتك وتصرفاتك.
بصت له بغضب.
وبدل ما تحموني، خبيتوا عني كل حاجة؟
قال
كنت بحاول أمنع اللي حصل الليلة دي من إنه يحصل.
بس حصل.
خفض رأسه.
عارف.
الرجل فتح صفحة جديدة.
المشكلة إن الشخص اللي أخذ المستندات ما اختفاش.
مين هو؟
كان قريبًا من والدك.
قريب إزاي؟
الرجل قلب الصفحة.
ظهر اسم.
هي قرأته.
ثم رفعت عينيها بصدمة.
مستحيل...
جوزها بص للاسم.
ثم قال
ده الشخص اللي كنا بندور عليه من البداية.
الرجل هز رأسه.
أيوه.
ثم أضاف
وهو دلوقتي عارف إنك فاكرة.
سألته
فاكرة إيه؟
قبل ما يجاوب، انطفأت أنوار البيت بالكامل.
وفي الظلام، سمعوا صوت ورقة بتتقطع.
ثم صوت شخص من خارج الغرفة
للأسف... افتكرتِ متأخر.
اشتغل ضوء الهاتف.
الملف الأصلي كان مفتوحًا.
لكن الصفحة اللي فيها الاسم...
اختفت فضلت واقفة في الظلام، مش قادرة تستوعب إن الصفحة اختفت.
جوزها شغّل كشاف موبايله بسرعة، والرجل الغريب بدأ يدور على بقية الأوراق.
لكنها ما اتحركتش.
كانت بتفكر في الجملة الأخيرة
افتكرتِ متأخر.
وفجأة، ذكرى قديمة ضربت في دماغها.
بيت أهلها.
المكتب.
وهي طفلة، واقفة عند الباب.
ورجل كان خارج من الغرفة، وهي شافته قبل ما يختفي.
رفعت رأسها.
أنا فاكرة.
الكل سكت.
أنا فاكرة مين كان جوه المكتب يومها.
الرجل الغريب قال
مين؟
ذكرت الاسم.
الشخص الذي كان أمامها قبل لحظات.
لكنها اكتشفت أنه لم يعد موجودًا.
كان خرج من البيت أثناء انقطاع الكهرباء.
جوزها قال
لازم نبلغ الشرطة فورًا.
المرة دي ما اعترضتش.
جمعت الفلاشة، والملفات، والصور، والتسجيلات، وسلمتهم للجهات المختصة.
وبعد مراجعة الأدلة، اتضح إن زوجها لم يكن صاحب الخطة الأصلية، لكنه كان قد دخل فيها منذ البداية لمساعدتها، ثم حاول لاحقًا إيقافها بعد ما اكتشف حجم ما يحدث.
أما الشخص الآخر، فتمكنت الجهات المختصة من تتبع سجلاته القديمة، وظهرت صلته بملفات المراقبة والتلاعب بالمستندات.
والأهم...
ظهر الدليل الذي كانوا يبحثون عنه طوال السنوات.
كان مخبأ داخل درج قديم في مكتب والدها، وليس في أي مكان توقعوه.
الملف الذي يحمل اسم أولاً لم يكن مجرد بداية للقصة.
كان أول خيط في شبكة أسرار بدأت قبل زواجها بسنوات.
أما الجملة التي كتبها والدها في آخر تسجيل، فكانت الحقيقة الأهم
أنا أخطأت لما حاولت أحميك بالصمت.
بعد كل شيء، واجهت زوجها بالحقيقة كاملة.
قالت له
أنا مش هقدر أنسى اللي حصل.
رد
وأنا مش هطلب منك تنسي.
والثقة؟
هتتبني من جديد... لو قدرتِ.
لم تسامحه فورًا.
ولم تعد حياتها كما كانت.
لكنها خرجت من البيت في تلك الليلة وهي للمرة الأولى لا تشعر أنها مراقَبة أو محاصَرة أو مضطرة تصدق رواية شخص آخر.
وقبل ما تقفل باب البيت القديم، رجعت وبصت للمكتب.
ثم قالت لنفسها
الحقيقة ممكن تتأخر... بس عمرها ما بتختفي.
وأغلقت الباب.
تمت.