ست عجوز
المحتويات
المرأة التي أنقذت الذئب.
وعلى الجدار عُلقت صورة قديمة لمارثا وهي تقف أمام الغابة.
تحت الصورة كُتبت جملة واحدة
من ينقذ مخلوقًا ضعيفًا، لا يعرف أبدًا كم حياة قد ينقذها الخير الذي بدأه.
لكن في تلك الليلة، حدث أمر جعل الجميع يتذكرون القصة من جديد.
ضاعت طفلة صغيرة في الغابة.
خرجت من منزلها عصرًا، ثم لم تعد.
بحث أهل القرية عنها حتى حل الظلام.
بدأ الخوف يسيطر عليهم.
قال أحد الرجال
لازم نلاقيها قبل ما البرد يزيد.
وانقسموا إلى مجموعات.
لكن بعد ساعات، لم يجدوا شيئًا.
وفجأة...
ظهر ذئب رمادي عند حافة الغابة.
كان يقف بعيدًا ويراقب الرجال.
ثم استدار ودخل بين الأشجار.
تبعوه.
ظل الذئب يتقدم ثم يتوقف، وكأنه يتأكد أنهم خلفه.
وبعد مسافة طويلة، وصلوا إلى وادٍ صغير.
وهناك سمعوا صوت بكاء.
كانت الطفلة جالسة تحت شجرة كبيرة، ترتجف من البرد.
أسرع والدها إليها.
وعندما رفعها، وجد بجانبها شيئًا غريبًا.
كانت مجموعة من الذئاب قد صنعت دائرة حولها، وبقيت بعيدة عنها، وكأنها تحميها من البرد والضياع.
اقترب الذئب الرمادي من المكان.
نظر إلى الطفلة.
ثم نظر إلى الرجال.
وبعد أن تأكد أنها أصبحت في أمان...
استدار وعاد إلى الغابة.
وقف والد الطفلة عاجزًا عن الكلام.
ثم قال
دي مش صدفة.
تذكر الجميع قصة مارثا.
وتذكروا الذئب الذي أنقذته منذ عشرات السنين.
وفي صباح اليوم التالي، ذهب أهل القرية إلى منزل مارثا القديم.
ووضعوا أمام الباب لوحة جديدة كتبوا عليها
هنا عاشت مارثا... امرأة لم تخف من ذئب يحتضر، فصار الخير الذي فعلته إرثًا يحمي القرية حتى بعد رحيلها.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت قصة مارثا تُروى لكل طفل في القرية.
أما الذئاب...
فبقيت تعيش في الغابة، بعيدًا عن الناس، لكن دون خوف منهم.
وكلما جاء الشتاء وتساقط الثلج بكثافة، كان أهل القرية يتركون الطعام والماء عند أطراف الغابة.
لم يكونوا يفعلون ذلك لأنهم يخافون الذئاب.
بل لأنهم تعلموا من مارثا درسًا بسيطًا
الرحمة لا تحتاج إلى لغة مشتركة... أحيانًا يكفي أن تنقذ كائنًا في لحظة ضعفه، وسيظل أثر ذلك الخير حيًا بعدك بسنوات طويلة.
وهكذا أصبحت الليلة التي ظن الجميع فيها أن عشرات الذئاب جاءت لمحاصرة منزل مارثا...
هي نفسها الليلة التي بدأت فيها أسطورة جعلت قرية كاملة تتعلم احترام الحياة بكل أشكالها مرت عشر سنوات أخرى، ولم تعد قرية مارثا كما كانت.
الغابة أصبحت محمية، والناس توقفوا عن وضع الفخاخ، والذئاب أصبحت جزءًا من المكان الذي يحافظ الجميع عليه.
لكن في أحد أيام الشتاء، حدث شيء أعاد القصة إلى البداية.
وصل إلى القرية رجل غريب ومعه معدات صيد وفخاخ حديدية.
حاول بعض أهل القرية منعه من دخول الغابة، لكنه قال إنه يملك تصريحًا يسمح له بذلك.
لم يستطيعوا إقناعه.
وفي صباح اليوم التالي، اكتشفوا أن أحد الفخاخ اختفى.
ثم وجدوا آثارًا في الثلج تقود إلى عمق الغابة.
وبعد ساعات، سمع أهل القرية عواءً شديدًا.
عرفوا أن شيئًا حدث.
خرجوا للبحث.
وفي منتصف الطريق، وجدوا الرجل نفسه جالسًا على الأرض.
كان قد سقط في حفرة مغطاة بالثلج، ولم يستطع الخروج.
لكن المفاجأة أنه لم يكن وحده.
كان الذئب الرمادي واقفًا على بعد أمتار منه.
وبدلًا من أن يهاجمه، ظل واقفًا يراقبه.
ثم بدأ يعوي.
وصل صوته إلى القرية.
فهم الناس أن هناك شخصًا يحتاج للمساعدة.
ذهبوا إليه وأنقذوه.
بعد خروجه، نظر الرجل إلى الذئب طويلًا.
ثم قال
أنا كنت جاي أصطادكم.
لم يرد أحد.
أكمل بصوت منخفض
لكن أنتم اللي أنقذتوني.
وبعد أيام، عاد الرجل إلى القرية.
لم يحمل فخاخًا هذه المرة.
بل أحضر أدوات لإزالة الفخاخ القديمة من الغابة.
وقال لأهل القرية
أنا قضيت سنين أعتقد إن القوة معناها إنك تقدر تسيطر على الحيوان.
ثم نظر إلى الغابة.
دلوقتي فهمت إن القوة الحقيقية إنك تقدر تحمي كائن أضعف منك.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح واحدًا من أكثر الناس دفاعًا عن المحمية.
أما الذئب الرمادي، فظل يظهر أحيانًا عند حافة الغابة.
وكان أهل القرية يعرفون أنه من نسل الذئب الذي أنقذته مارثا.
وفي أحد الأيام، وجد طفل صغير قطعة خشب قديمة تحت الثلج.
كان محفورًا عليها اسم واحد
مارثا.
سأل أمه
هي مارثا كانت بتعرف الذئاب؟
ابتسمت أمه وقالت
هي ما كانتش تعرف لغتهم.
أمال إزاي ساعدتهم؟
قالت
لأن الرحمة مش محتاجة ترجمة.
نظر الطفل نحو الغابة.
وفي تلك اللحظة ظهر ذئب رمادي بعيدًا بين الأشجار.
وقف للحظات.
ثم اختفى.
قال الطفل
هو كان بيسلم عليها؟
ابتسمت أمه.
يمكن.
ومنذ ذلك اليوم، كلما تساقط الثلج، كان أهل القرية يحكون للأطفال قصة المرأة العجوز التي رفضت أن تترك ذئبًا يموت وحده.
لكنهم كانوا دائمًا ينهون القصة بنفس الجملة
أحيانًا، موقف واحد صغير من الرحمة... يغيّر حياة قرية كاملة مرت سنوات طويلة، وأصبحت قصة مارثا من أشهر الحكايات التي يعرفها أهل القرية.
لكن في شتاء قاسٍ جدًا، حدث أمر جعل الجميع يتذكرونها من جديد.
ضربت عاصفة ثلجية القرية، وانقطعت الكهرباء، وأغلقت الطرق.
وفي منتصف الليل، سمع أهل القرية عواءً متواصلًا من ناحية الغابة.
ثم ظهر عشرات الذئاب عند أطراف القرية.
لكن هذه المرة لم يقتربوا من البيوت.
كانوا يتحركون في اتجاه واحد، ثم يتوقفون، ثم يعوون.
خرج بعض الرجال ليروا ما يحدث.
فاكتشفوا أن الطريق الجبلي أصبح مغطى بطبقة سميكة من الثلج، وتحتها كانت هناك سيارة عالقة.
اقترب الرجال بحذر، وسمعوا أصواتًا من الداخل.
كانت عائلة كاملة محاصرة.
طفلان ووالداهما.
لم يستطيعوا فتح الأبواب بسبب الثلج المتراكم.
بدأ رجال القرية في إزالة الثلج، بينما ظلت الذئاب واقفة على مسافة قريبة.
وبعد وقت طويل، نجحوا في إخراج العائلة.
كان الأطفال يرتجفون من شدة البرد.
وعندما تأكدت الذئاب أن الجميع أصبح بأمان، بدأت تتحرك عائدة نحو الغابة.
وقف أحد الرجال يراقبها وقال
لو ما كانتش نبهتنا، كنا ممكن نوصل متأخر.
ثم تذكر الجميع مارثا.
المرأة التي بدأت كل شيء منذ سنوات طويلة.
في صباح اليوم التالي، اجتمع أهل القرية أمام منزلها القديم.
قرروا وضع لوحة كبيرة عند مدخل الغابة.
كتبوا عليها
هنا بدأت حكاية الرحمة... عندما أنقذت مارثا ذئبًا، فعاد الخير يومًا بعد يوم ليحمي البشر والحيوانات معًا.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح يوم إنقاذ الذئب مناسبة سنوية في القرية.
كان الأطفال يزرعون الأشجار، والكبار ينظفون أطراف الغابة، والجميع يضعون الطعام للحيوانات في أيام الشتاء القاسية.
أما الذئاب، فظلت تعيش في الغابة بحرية.
لا تقترب من الناس إلا عندما يكون هناك خطر.
وفي كل شتاء، كان يظهر ذئب رمادي كبير عند المكان نفسه الذي أنقذت فيه مارثا أول ذئب.
يقف هناك للحظات...
ثم يرفع رأسه نحو السماء ويطلق عواءً طويلًا.
وكان أهل القرية يقولون
ده نسل الذئب الأول.
وفي أحد الأعوام، جاء طفل صغير وسأل جده
هو الذئاب فعلًا بتفتكر الناس اللي ساعدتها؟
نظر الجد إلى الغابة، ثم ابتسم وقال
مش عارف إذا كانت بتفتكر بالطريقة اللي إحنا بنفتكر بيها.
ثم أشار إلى آثار الأقدام الممتدة في الثلج.
لكن اللي أنا متأكد منه إن الخير اللي عملته مارثا ما ماتش معاها.
نظر الطفل إلى الغابة.
أمال عاش فين؟
قال الجد
عاش في كل حياة اتنقذت بعدها.
وفي تلك اللحظة، ظهر ذئب رمادي بعيدًا بين الأشجار.
وقف للحظات، ثم اختفى في الثلج.
وهكذا انتهت الحكاية التي بدأت بامرأة عجوز وجدت ذئبًا يحتضر...
وانتهت بقرية كاملة تعلمت أن الرحمة لا تضيع أبدًا.
فقد تنقذ حياة واحدة اليوم...
ولا تعرف أبدًا كم حياة سيُنقذها أثر الخير الذي تركته وراءك مرت سنوات طويلة بعد رحيل مارثا، وبقي منزلها الخشبي كما هو، تحيط به الأشجار من كل جانب.
وفي أحد أيام الشتاء، جاءت طفلة صغيرة مع جدها لزيارة المكان الذي بدأت فيه الحكاية.
وقفت الطفلة أمام اللوحة التي تحمل اسم مارثا، وسألت
هو ليه
متابعة القراءة