ست عجوز

لمحة نيوز

خلف الأشجار.
اقتربت بحذر، فوجدت واحدًا من صغار الذئاب عالقًا بين جذعين سقطا فوق بعضهما.
كان يرتجف من البرد ويحاول الخروج دون فائدة.
ركعت مارثا على الثلج، وأزاحت الجذع بكل ما لديها من قوة.
وبعد عدة محاولات، تحرر الصغير.
وقف للحظات وهو ينظر إليها.
ثم ركض إلى داخل الغابة.
ابتسمت مارثا وقالت
روح لأمك وأبوك.
لكنها لم تكن تعلم أن ما فعلته في ذلك اليوم سيغير حياة القرية كلها.
في الليلة نفسها، سمعت مارثا طرقًا قويًا على بابها.
كان توماس.
قال وهو يلهث
مارثا! لازم تيجي معايا.
سألته
في إيه؟
أشار ناحية الغابة.
فيه ناس ضايعين.
خرجت مارثا معه، فوجدت مجموعة من أهل القرية تبحث عن رجل مسن وابنه.
كانا قد دخلا الغابة لجمع الحطب، لكن العاصفة قطعت طريق عودتهما.
بحثوا لساعات دون نتيجة.
ثم ظهر الذئب الكبير عند حافة الغابة.
وقف ينظر إلى مارثا.
ثم استدار ومشى عدة خطوات.
توقف.
نظر إليها مرة أخرى.
فهمت مارثا.
قالت
عايزنا نمشي وراك؟
تحرك الذئب.
تبعته مارثا ومعها رجال القرية.
وبعد وقت طويل، وصلوا إلى وادٍ صغير.
هناك وجدوا الرجل وابنه.
كانا مصابين وغير قادرين على الحركة، لكنهما كانا على قيد الحياة.
صرخ توماس
لقيناهم!
الجميع شعر بالدهشة.
أما مارثا، فلم تقل شيئًا.
كانت تنظر إلى الذئب.
كان واقفًا بعيدًا.
وكأنه لم ينتظر شكرًا.
فقط أراد أن يرد الجميل بالطريقة التي يعرفها.
لكن قبل أن يعود إلى الغابة، حدث شيء جعل مارثا تشعر بالقلق.
الذئب رفع رأسه فجأة.
وبدأ يعوي.
ثم ردت عليه بقية الذئاب من أعماق الغابة.
تغير وجه توماس.
قال
الصوت ده مش طبيعي.
وفجأة سمعوا صوت انهيار هائل.
كانت كتلة ضخمة من الثلج قد انفصلت من أعلى الجبل وبدأت تنزلق نحو الوادي.
صرخ أحد الرجال
اهربوا!
بدأ الجميع يركضون.
لكن الرجل المصاب لم يستطع الحركة.
عاد الذئب الكبير نحوه، وبدأ يدور حوله ويطلق أصواتًا متتالية.
تقدم رجال القرية بسرعة، وحملوا الرجل وابنه.
وبمجرد أن ابتعدوا...
انهارت كتلة الثلج في المكان الذي كانوا يقفون فيه.
ساد الصمت.
نظر الجميع إلى بعضهم.
ثم نظروا إلى الذئب.
كان قد أنقذهم مرة أخرى.
اقتربت مارثا منه.
وقالت بصوت مرتجف
كفاية بقى... إحنا اللي المفروض نشكرك.
نظر إليها الذئب للحظات.
ثم عاد إلى الغابة.
ومنذ ذلك اليوم، اتخذ أهل القرية قرارًا غيّر كل شيء.
قرروا ألا يضعوا أي فخاخ في الغابة.
وألا يؤذوا الذئاب.
وأصبحت المنطقة المحيطة بالغابة محمية.
أما مارثا، فأصبحت بالنسبة لأهل القرية صاحبة أغرب قصة عرفوها.
امرأة عجوز أنقذت ذئبًا مصابًا...
فأصبح ذلك الذئب سببًا في إنقاذ عشرات البشر.
لكن بعد عدة سنوات، حدث شيء لم يكن أحد يتوقعه...
في صباح هادئ، خرجت مارثا أمام بيتها.
وجدت آثار أقدام الذئاب في الثلج.
تتبعتها حتى حافة الغابة.
ثم توقفت.
لأن آثار الأقدام كانت كثيرة جدًا...
وكان بينها أثر واحد مختلف.
أثر ذئب صغير...
يتجه مباشرة نحو منزلها.
وعندما رفعت مارثا عينيها...
رأت صغيرًا رمادي اللون يقف أمامها.
وبجانبه شيء صغير تركه عند قدميها.
كان قطعة قماش قديمة من البطانية التي استخدمتها مارثا لإنقاذ الذئب الأول.
عرفتها فورًا.
وفهمت الرسالة.
ذلك الذئب لم ينسَها...
وأبناؤه أيضًا لم ينسوا.
ابتسمت مارثا، وقالت
يبقى الحكاية لسه مخلصتش.
ثم رفعت رأسها نحو الغابة.
ولأول مرة...
شعرت أن هذه الغابة لم تكن أبدًا مكانًا تخاف منه.
كانت المكان الذي بدأت فيه أعظم صداقة في حياتها مرت أيام، والصغير الرمادي بدأ يزور مارثا كل صباح.
لم يكن يقترب كثيرًا، لكنه كان يقف عند حافة الغابة وينتظر حتى تخرج.
كانت مارثا تضع له الطعام والماء، ثم تجلس على الكرسي الخشبي أمام المنزل.
وبمرور الوقت، أصبح وجوده جزءًا من يومها.
لكن في أحد الصباحات، خرجت مارثا ولم تجده.
نظرت حولها.
لا آثار أقدام.
ولا صوت.
شعرت بالقلق.
وفي المساء، سمعت عواءً بعيدًا.
ثم عواءً آخر.
ثم عشرات الأصوات ترد عليه.
فهمت أن هناك شيئًا حدث.
أخذت المصباح وخرجت، لكن قبل أن تصل إلى الغابة، ظهر الذئب الكبير القديم أمامها.
كان يمشي بصعوبة.
لقد أصبح أكبر سنًا، وظهر الشيب في فرائه.
وقف أمامها ونظر إليها طويلًا.
ثم استدار ومشى.
قالت مارثا
عايزني أجي وراك؟
توقف.
نظر إليها.
فعرفت الإجابة.
اتبعت خطواته حتى وصلت إلى مكان عميق داخل الغابة.
هناك وجدت الصغير الرمادي عالقًا في حفرة بين الصخور.
كان يحاول الخروج، لكن الثلج المتراكم جعل المهمة مستحيلة.
اقتربت مارثا، وجلست على الأرض، وبدأت تزيل الثلج بيديها.
بعد وقت طويل، استطاعت تحريره.
خرج الصغير بسرعة، ثم وقف أمامها.
وفي اللحظة نفسها، ظهر باقي القطيع.
كانت الذئاب كلها واقفة في صمت.
مارثا شعرت بالخوف لأول مرة.
لكن الذئب الكبير تقدم نحوها.
ثم خفض رأسه.
وبقي واقفًا أمامها لثوانٍ.
لم تكن مارثا تعرف أن ما يفعله الذئب كان آخر وداع.
في صباح اليوم التالي، لم يظهر.
ولا في اليوم الذي بعده.
مرت أسابيع...
ثم أشهر.
وأدركت مارثا أن الذئب الذي أنقذته في أول ليلة قد رحل.
حزنت كثيرًا.
لكنها كانت تعرف أنه عاش سنوات إضافية بسببها، وأنه ترك وراءه قطيعًا كاملًا يعرف معنى الأمان.
وبعد عام، حدث أمر غريب.
في أحد الأيام، خرجت مارثا أمام منزلها، فوجدت الصغير الرمادي واقفًا في المكان نفسه الذي كان يقف فيه والده.
لكنه لم يعد صغيرًا.
أصبح ذئبًا قويًا.
وقف ينظر إليها.
ثم أطلق عواءً واحدًا.
ومن خلفه جاء صوت عشرات الذئاب.
ابتسمت مارثا وقالت
أبوك كان بييجي هنا علشان يطمن عليا...
اقترب الذئب خطوة.
وأنت كمان هتعمل كده؟
ظل ينظر إليها.
ثم جلس على الثلج.
ضحكت مارثا وقالت
خلاص... اعتبر البيت بيتك.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح الذئب الجديد حارسًا للمنطقة.
إذا اقترب خطر من القرية، كانت الذئاب تظهر قبل أن يصل الخطر.
وإذا ضل أحد طريقه في الغابة، كانت آثار الذئاب تقوده نحو الطريق الصحيح.
وبعد سنوات، تغيرت نظرة أهل القرية بالكامل.
لم يعودوا يرون الذئاب كوحوش.
بل أصبحوا يعتبرونها جزءًا من الغابة التي يجب احترامها.
أما مارثا...
فكانت كلما سألها أحد عن سبب ذلك التغيير، كانت تبتسم وتقول
أنا في يوم من الأيام ساعدت ذئبًا لأنه كان محتاجني.
ثم تنظر إلى الغابة.
لكن الحقيقة إن الذئب ده هو اللي علّمني إن الخير لما تعمله من غير مقابل، ممكن يرجعلك في وقت ما تتوقعش.
وفي آخر شتاء من حياتها، جلست مارثا أمام منزلها تنظر إلى الغابة.
كان الثلج يتساقط بهدوء.
وفجأة ظهر الذئب الرمادي.
وخلفه القطيع كله.
وقفوا أمام منزلها في صمت.
لم تكن هناك حاجة للكلام.
مارثا فهمت.
لقد جاءوا ليودعوها.
رفعت يدها نحوهم وقالت
أنا مش زعلانة.
ابتسمت وهي تنظر إليهم.
أنا بس مبسوطة إني عشت كفاية علشان أشوف الخير اللي عملته كبر بالشكل ده.
وفي صباح اليوم التالي...
كانت القرية كلها تقف أمام منزل مارثا.
لقد رحلت بهدوء أثناء نومها.
لكن عندما خرج الناس إلى الخارج، وجدوا عشرات آثار الأقدام تحيط بالبيت.
كانت الذئاب قد جاءت طوال الليل.
وقفت حول منزل المرأة التي أنقذت واحدًا منها ذات يوم.
ومنذ ذلك الصباح، لم يظهر أي ذئب أمام بيت مارثا مرة أخرى.
لكن أهل القرية ظلوا يروون قصتها لأطفالهم.
وكانوا يقولون دائمًا
في ليلة شديدة البرودة، أنقذت امرأة عجوز ذئبًا يحتضر... ولم تكن تعرف أن ذلك العمل الصغير سيترك أثرًا يعيش بعد رحيلها بسنوات لكن حكاية مارثا لم تنتهِ برحيلها.
بعد سنوات طويلة، كان أحفاد أهل القرية ما زالوا يتناقلون قصتها.
وكانت الغابة قد أصبحت محمية طبيعية، ممنوع فيها نصب الفخاخ أو إيذاء الحيوانات.
وفي أحد الأيام، وصل إلى القرية فريق من الباحثين لدراسة الذئاب.
وأثناء فحصهم للمنطقة، لاحظ أحدهم شيئًا غريبًا.
قال
تعالوا شوفوا ده.
كان يشير إلى شجرة ضخمة عند أطراف الغابة.
على جذعها ظهرت خدوش قديمة، وتحتها آثار أقدام ذئاب.
لكن المفاجأة كانت أن الباحث وجد قطعة معدنية صدئة مدفونة في الثلج.
كانت جزءًا من الفخ القديم الذي علق فيه الذئب قبل سنوات.
احتفظ بها أهل القرية كذكرى.
وفي المساء، اجتمع الناس أمام منزل مارثا القديم.
كان البيت قد أصبح مكانًا صغيرًا يحكي قصة
تم نسخ الرابط