ست عجوز
كان الشتاء في ذلك العام مختلفًا عن أي شتاء مرّ على القرية.
الثلوج لم تتوقف لأيام طويلة، والبرد كان قاسيًا لدرجة أن الأشجار نفسها غطاها الجليد.
في آخر القرية، كان هناك منزل خشبي صغير تعيش فيه مارثا، سيدة عجوز تبلغ من العمر اثنين وسبعين عامًا.
كانت تعيش وحدها منذ وفاة زوجها قبل سنوات، لكنها لم تكن تخاف الوحدة. كانت تعرف كيف تدبر أمورها، وتعتني بدجاجها، وتجمع الحطب، وتقضي أيامها بهدوء.
وفي إحدى الليالي، خرجت مارثا إلى الغابة القريبة لتجمع بعض الحطب.
وبينما كانت عائدة، سمعت صوتًا غريبًا بين الأشجار.
توقفت.
كان الصوت يشبه الأنين المختلط بالزمجرة.
اقتربت بحذر، حتى رأت ذئبًا رماديًا ضخمًا راقدًا وسط الثلج.
كانت إحدى قدميه عالقة في فخ حديدي قديم، وقد أنهكه البرد والجوع.
تراجعت مارثا للحظة، لكنها عندما رأت حالته، لم تستطع تركه.
قالت بهدوء
متخافش... أنا جاية أساعدك.
اقتربت منه ببطء، وحاولت فتح الفخ مرات عديدة حتى نجحت أخيرًا.
حرر الذئب قدمه، لكنه لم يستطع الوقوف.
كانت قوته قد نفدت.
فعادت مارثا إلى منزلها، وأحضرت بطانية وحملت معه ما استطاعت، ثم سحبته إلى الحظيرة الصغيرة بجوار البيت.
وضعت له البطانية، وأشعلت المدفأة، وأعطته ماءً وبعض اللحم.
في البداية لم يقترب من الطعام.
لكن بعد فترة، بدأ يأكل ببطء.
ظلت مارثا تراقبه حتى اطمأنت أن حالته بدأت تستقر.
وقبل أن تنام، قالت له
بكرة لما تبقى كويس، ارجع لغابتك.
لم تكن تعرف أن الذئب سيفهم معنى كلامها بطريقة مختلفة تمامًا.
مع أول ضوء للصباح...
استيقظت مارثا على صوت عواء شديد.
فتحت عينيها فجأة.
كان الصوت يأتي من الخارج.
اقتربت من النافذة، وأزاحت الستارة ببطء.
ثم تجمدت مكانها.
كان منزلها محاصرًا بالعشرات من الذئاب.
ذئاب رمادية وبيضاء وسوداء، تقف في صمت حول المنزل.
لكنها لم تكن تهاجم.
كانت واقفة وكأنها تنتظر شيئًا.
نظرت مارثا ناحية الحظيرة.
الباب كان مفتوحًا.
والذئب الذي أنقذته لم يعد موجودًا.
بدأ الخوف يتسلل إلى قلبها.
همست
يا ترى حصل إيه؟
وفجأة ظهر الذئب من بين الأشجار.
كان يمشي بصعوبة، لكنه أصبح أقوى بكثير من الليلة السابقة.
تقدم حتى وصل إلى مكان قريب من المنزل، ثم توقف.
وخلفه ظهرت بقية الذئاب.
مارثا لم تفهم شيئًا.
لكن بعد لحظات، لاحظت أمرًا غريبًا.
الذئاب لم تكن تنظر إليها...
كانت جميعها تنظر إلى الغابة خلفها.
ثم سمعت صوتًا آخر.
هذه المرة لم يكن عواءً.
كان صوت رجل يصرخ من بعيد
مارثا! اقفلي الباب فورًا!
اتسعت عيناها.
كان صوت جارها العجوز، توماس.
اقترب من البيت وهو يلهث، وقال
الذئاب دي مش جاية تهاجمك.
نظرت مارثا إليه بدهشة.
أمال جاية ليه؟
أشار توماس ناحية الغابة وقال
لأن فيه مجموعة من الصيادين دخلت الغابة من الناحية التانية... والذئاب بتحاول تمنعهم من الوصول للمنطقة دي.
مارثا لم تفهم.
لكن قبل أن يسألها توماس شيئًا...
صدر عواء واحد قوي من الذئب الكبير.
وفجأة تحركت الذئاب كلها في اتجاه واحد.
ثم ظهر من بين الأشجار ثلاثة ذئاب صغيرة جدًا.
كانت تتحرك بصعوبة وسط الثلج.
توقفت مارثا عن التنفس للحظة.
فهمت الحقيقة.
الذئب الذي أنقذته لم يكن مجرد ذئب تائه.
كان قائد المجموعة...
وكان لديه صغار ينتظرونه.
وفي الليلة السابقة، عندما أنقذته مارثا، لم تنقذ ذئبًا واحدًا فقط.
لقد أعادت لأسرته قائدها.
لكن المفاجأة الأكبر كانت أن الذئاب لم تكن قد جاءت لتشكرها فقط.
كانت قد جاءت لتحذرها من خطر يقترب من منزلها.
وفي تلك اللحظة...
ظهر شيء بين الأشجار جعل مارثا تدرك أن الخطر الحقيقي لم يكن الذئاب أبدًا.
بل شيء آخر كان يقترب من منزلها وسط العاصفة تجمدت مارثا أمام النافذة وهي تحاول معرفة ما الذي يقترب من بيتها.
كان الثلج كثيفًا لدرجة أنها لم تستطع رؤية أكثر من بضعة أمتار.
لكن الذئاب كانت تراه بوضوح.
كلها وقفت في صف واحد، وأخذت تراقب طرف الغابة.
ثم بدأ الذئب الكبير يتحرك ببطء نحو مارثا.
اقترب من باب الحظيرة، وتوقف.
نظر إليها مباشرة.
وكأنه يريد منها أن تتبعه.
قال توماس
متخرجيش يا مارثا... استني.
لكن مارثا لاحظت شيئًا.
الذئب لم يكن خائفًا.
كان قلقًا.
وبعد ثوانٍ، سمع الجميع صوتًا مكتومًا قادمًا من بعيد.
ثم ظهر رجل يترنح وسط الثلوج.
كان يرتدي ملابس ثقيلة، لكنه كان واضحًا أنه مرهق جدًا.
صرخ توماس
ده واحد من رجال الإنقاذ!
فتح الرجل فمه بصعوبة وقال
فيه ناس... محاصرين في الغابة.
ثم سقط على ركبتيه.
أسرعت مارثا بإحضار بطانية، بينما ساعدها توماس في إدخال الرجل إلى البيت.
بعد أن استعاد أنفاسه، أخبرهما أن مجموعة من القرويين خرجت قبل العاصفة للبحث عن عائلة مفقودة، لكن الثلوج أغلقت الطريق عليهم.
وكانت المجموعة الآن عالقة داخل الغابة.
مارثا نظرت من النافذة.
كانت الذئاب لا تزال واقفة.
وفجأة بدأ الذئب الكبير يتحرك.
تبعته بقية الذئاب.
ثم توقفت المجموعة عند نقطة معينة، وأطلقت عواءً طويلًا.
قال رجل الإنقاذ بدهشة
استنوا...
اقترب من النافذة.
الذئاب دي بتعمل إيه؟
قال توماس
مش عارف.
لكن بعد دقائق، بدأت الذئاب تتحرك في خط واحد داخل الغابة.
وكانت تتحرك ببطء، ثم تتوقف، وكأنها تتأكد أن أحدًا يتبعها.
قال رجل الإنقاذ
يمكن بتحاول تدلنا على مكان الناس.
مارثا شعرت أن قلبها يخبرها أن هذا صحيح.
وبالفعل...
بعد عدة ساعات من البحث، عاد أحد رجال الإنقاذ وهو يصرخ
لقيناهم!
كانت العائلة المفقودة مختبئة داخل كوخ قديم، وكان الأطفال الثلاثة في حالة شديدة من التعب والبرد.
والأغرب أنهم وجدوا آثار أقدام الذئاب حول الكوخ.
قال أحد رجال الإنقاذ
لو ما كانتش الذئاب دي وصلت قبلنا، محدش كان هيعرف مكانهم.
عندما عادوا إلى القرية، كانت مارثا تقف أمام منزلها.
رأت الذئب الكبير بعيدًا عند حافة الغابة.
كان ينظر إليها.
رفعت يدها وقالت
روح يا ابني... خلاص بقيت كويس.
ظل واقفًا للحظات.
ثم أطلق عواءً قصيرًا.
وردت عليه عشرات الذئاب.
وبدأت المجموعة كلها تتحرك ببطء نحو الغابة.
منذ ذلك اليوم، لم تعد مارثا تنظر إلى الذئاب بالطريقة نفسها.
ولم تعد القرية تخاف منها كما كانت.
أما كلما جاء الشتاء، كان أهل القرية يلاحظون شيئًا غريبًا.
كانت آثار أقدام الذئاب تظهر دائمًا حول منزل مارثا.
لكنها لم تكن تقترب من البيت.
كانت فقط تمر من حوله...
وكأنها تقول لها
أنتِ أنقذتِ واحدًا منا يومًا...
ونحن لن ننسى ذلك أبدًا.
ومرت السنوات.
وظلت مارثا تعيش وحدها، لكن لم تعد تشعر أنها وحيدة.
فكل شتاء، كان الذئب الكبير يظهر عند حافة الغابة، ومعه أفراد مجموعته.
وفي إحدى الليالي، بعد أن أصبحت مارثا أكبر سنًا ولم تعد قادرة على جمع الحطب، سمعت طرقًا قويًا على بابها.
فتحت الباب...
فوجدت أهل القرية يقفون أمامها.
كانوا قد جاءوا ليأخذوها إلى القرية خلال العاصفة، لأن منزلها أصبح خطرًا عليها.
لكن مارثا نظرت خلفهم إلى الغابة.
كان هناك عشرات الذئاب واقفة بعيدًا.
ابتسمت وقالت
أنا مش خايفة... طول عمري كنت فاكرة إني بحميهم.
ثم نظرت إلى الذئب الكبير.
طلعتوا أنتم اللي بتحموني.
وفي صباح اليوم التالي...
لم يجد أهل القرية أي أثر للذئاب.
فقد اختفت كلها مع انتهاء العاصفة.
لكن عند باب منزل مارثا، وجدوا شيئًا لم يره أحد من قبل...
قطعة من الفراء الرمادي، موضوعة بعناية فوق الثلج.
احتفظت مارثا بها طوال حياتها.
وكانت كلما نظرت إليها تقول
الخير عمره ما بيروح...
حتى لو رجعلك في صورة ما كنتش تتوقعها أبدًا مرت أسابيع بعد تلك العاصفة، وعادت القرية إلى حياتها الطبيعية.
لكن مارثا لم تستطع نسيان الذئب.
كانت كل صباح تخرج أمام منزلها وتبحث عن أي أثر له في الثلج.
وفي يوم شديد البرودة، وجدت آثار أقدام جديدة.
لم تكن آثار ذئب واحد.
كانت آثار مجموعة كاملة.
اتبعتها بعينيها حتى وصلت إلى حافة الغابة.
ثم لاحظت شيئًا غريبًا.
كان هناك أثر لذئب كبير يتجه نحو منزلها، لكن بجواره آثار صغيرة جدًا.
قالت مارثا
الصغار رجعوا...
وقبل أن تكمل كلامها، سمعت صوتًا خافتًا من