بعد وفاة زوجي
بعد وفاة جوزي، الدنيا اسودت في وشي فجأة.
جوزي الله يرحمه كان شغال في مصنع، وكان مركزه كويس وحالتنا المادية مستقرة. كنا عايشين حياة بسيطة بس مرتاحين، وولادنا الاتنين في مدارسهم، ومكنّاش بنحتاج نمد إيدنا لحد.
لكن كل ده انتهى في يوم وليلة.
جوزي تعب فجأة، وبعد فحوصات كتير، الدكاترة قالوا إنه عنده ربو شديد ومينفعش يرجع المصنع تاني. قعد في البيت، والعلاج بدأ ياكل كل اللي حوشناه.
كنت بحاول أهون عليه وأقوله
ربنا كبير، وإن شاء الله هتعدي.
لكن الأيام كانت بتجري، وحالته بتسوء، لحد ما في يوم صحيت على خبر خلاني أحس إن الدنيا وقفت.
جوزي مات.
بقيت أرملة وأنا لسه صغيرة، ومعايا طفلين محتاجين أكل ولبس ومصاريف مدرسة وعلاج.
حاولت أدور على شغل، لكن كل باب كنت بخبط عليه كان بيتقفل في وشي.
وفي وسط الأزمة دي، ظهرت أختي الكبيرة سهام.
سهام كانت متجوزة راجل ميسور الحال، وبيتها واسع، وحياتها مستقرة جدًا.
جتلي في يوم وقالت
إنتِ ليه بتتعبي نفسك في اللف والدوران على شغل؟ تعالي اشتغلي عندي.
بصيت لها باستغراب.
كملت
تنضفي البيت، تطبخي، وترتبي، وأنا أديكي مرتب آخر الشهر. كده تساعدي نفسك وولادك.
الكلام كان تقيل على نفسي.
أنا أختها الوحيدة، وكنت أتمنى تساعدني كأخت، مش تخليني أشتغل عندها.
لكن لما افتكرت ولادي، وافقت.
وقلت لنفسي
الشغل مش عيب... واللقمة الحلال عمرها ما كانت عيب.
ومن تاني يوم بدأت.
كنت أوصل ولادي المدرسة الصبح، وأروح بيت سهام، أشتغل من أول ما أدخل لحد ما أمشي.
لكن مع الوقت، اكتشفت إن سهام مكانتش بتعاملني كأخت.
كانت كل شوية ترميني بكلمة توجعني.
مرة تقول
إنتِ زمان كنتِ عايشة في بيت أحسن من كده.
ومرة تقول
سبحان مغير الأحوال... الدنيا دوارة.
كنت بسكت.
أبلع الكلام وأكمل شغلي.
لكن كنت عارفة كويس إن ورا كلامها حكاية قديمة.
حكاية عمرها سنين.
قبل جوازها، سهام كانت معجبة بجوزي الله يرحمه.
وقتها كان ساكن قريب مننا، ولما جه يتقدم رسمي، سهام كانت متأكدة إنه جاي عشانها.
لكن الصدمة إنه دخل وقعد مع أبويا وقال بكل وضوح
أنا جاي أطلب إيد بنتك الصغيرة.
أنا.
ومن يومها، سهام عمرها ما نسيت الموقف ده.
هي اتجوزت بعد كده، وجوزها كان مقتدر جدًا، وعاشت حياة أفضل من اللي كنت عايشاها.
لكن رغم كل السنين، كان واضح إن جواها حاجة لسه موجعاها.
وأنا كنت بحاول أتجاهل ده كله.
لحد ما جه اليوم اللي قررت فيه إنها تخليني أندم على كل حاجة حصلت زمان.
كان عيد ميلاد بنتها، وعازمة العيلة كلها.
من الصبح وأنا في بيتها.
طبخت، ونضفت، ورتبت، وجهزت السفرة، وفضلت أجري من أوضة لأوضة لحد ما خلصت كل حاجة.
وبعد العصر، قلت لها
سهام، أنا هروح ألبس ولادي وأرجع.
بصتلي وقالت
روحي بسرعة.
رجعت بيتي، لبست ولادي أحسن هدوم عندهم، ولبست فستان بسيط كنت محتفظة بيه لمناسبة.
وأول ما وصلت بيت سهام، لقيت البيت مليان حركة.
الناس لسه هتوصل، وهي كانت واقفة بتدي أوامر للجميع.
بصتلي من فوق لتحت، وقالت
إنتِ اتأخرتي.
قلت
حقك عليا، كنت بلبس الولاد.
قالت ببرود
سيبي الكلام ده دلوقتي وتعالي ساعديني.
بدأت أتحرك معاها.
لكن قبل وصول أول ضيف بدقائق، حصل شيء غريب.
سهام قربت مني، ومدت إيدها ناحية شنطتي وقالت
هاتِ الشنطة دي.
استغربت وقلت
ليه؟
ردت
هاتيها بس.
ناولتها لها.
فتحتها قدامي، وبصت جواها ثواني.
وبعدين رفعت عينيها ناحيتي وقالت بصوت عالي
إيه ده؟!
اتجمعت حوالينا العيلة.
أنا اتوترت وقلت
في إيه يا سهام؟
لكنها ما ردتش.
فضلت واقفة وهي ماسكة حاجة في إيدها، ووشها متغير.
وبعدين قالت قدام الكل
إنتِ كنتِ ناوية تعملي إيه بالحاجة دي؟
بصيت للحاجة اللي في إيدها، واتصدمت.
لأني أول مرة أشوفها في حياتي.
وفي اللحظة دي فهمت إن اللي بيحصل مش صدفة...
وإن سهام كانت مخططة لكل حاجة من قبل ما أوصل.
لكن اللي مكنتش أعرفه وقتها...
إن الشخص اللي هيظهر بعدها هيقلب الحكاية كلها بصيت للحاجة اللي في إيد سهام وأنا مش فاهمة أي حاجة.
كانت علبة صغيرة ملفوفة بورق هدايا غالي، وفوقها بطاقة مكتوب عليها اسم بنتها.
قلت بسرعة
دي مش بتاعتي يا سهام! والله أول مرة أشوفها.
لكن سهام ضحكت ضحكة باردة وقالت
طبعًا هتقولي كده.
واحدة من قرايبنا قربت وقالت
في إيه يا سهام؟
سهام رفعت العلبة قدامهم وقالت
أنا كنت حاطة الهدية دي في دولاب بنتي من الصبح... واختفت. ولما فتشت شنطة أختي لقيتها.
حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
قلت
إنتِ بتتهميني إني سرقت هدية بنتك؟!
ردت بمنتهى الهدوء
أنا مباتهمكيش... أنا بس بقول اللي لقيته.
بصيت لكل اللي حواليا.
ناس أعرفهم من سنين، وكل واحد فيهم بيبصلي بنظرة شك.
حاولت أشرح
أنا من الصبح وأنا قدامكم، بدخل وأخرج في المطبخ والصالة، وممكن أي حد يحط الحاجة دي في شنطتي.
لكن سهام قاطعتني
يعني بتتهمي مين؟
سكت.
مكنتش عايزة أتهم حد من العيلة من غير دليل.
وفجأة سمعت صوت خالتي من ورايا
استني يا سهام... إنتِ متأكدة إن الهدية دي كانت في الدولاب؟
سهام ردت فورًا
طبعًا متأكدة.
خالتي بصت للعلبة وقالت
طب افتحيها.
سهام اتوترت للحظة.
لحظة صغيرة جدًا...
لكن أنا لاحظتها.
قالت
مالوش لازمة.
خالتي أصرت
إزاي مالوش لازمة؟ طالما بتقولي إنها هدية بنتك، افتحيها.
سهام بصتلي، وبعدين فتحت العلبة.
الكل قرب.
وأول ما الغطا اتشال، شهقت سهام.
أنا كمان اتصدمت.
لأن اللي جوه العلبة مكانش موجود أصلًا.
العلبة كانت فاضية.
ساد الصمت.
بصيت لسهام وقلت
شايفة؟ أنا معملتش حاجة.
لكن بدل ما تعتذر، وشها اتغير أكتر.
قالت
ده معناه إن الهدية اتبدلت!
استغربت
اتبدلت؟!
قالت
أيوه... واللي بدّلها أكيد كان عايز يورطني.
هنا بدأ الشك يدخل في كلامها هي نفسها.
واحد من قرايبنا قال
طب لو حد عايز يورطها، هيحط العلبة الفاضية في شنطتها ليه؟
سهام سكتت.
وأنا لأول مرة حسيت إن الخطة اللي كانت محضراها بدأت تتفكك قدامها.
لكن فجأة، جوزها دخل الصالة.
كان ماسك موبايله، ووشه متوتر.
بص لسهام وقال
سهام... ممكن نتكلم لوحدنا؟
هي قربت منه وقالت بصوت واطي
مش دلوقتي.
لكنه رد بصوت مسموع
لا، دلوقتي.
الكل سكت.
جوزها فتح الموبايل، وقال
أنا شفت حاجة لازم تعرفيها.
سهام خطفت الموبايل من إيده.
وفي نفس اللحظة، وشها اصفر.
أنا ماكنتش شايفة الشاشة...
لكن كنت شايفة عينيها.
وفهمت إن فيه سر كبير اتكشف.
وبعدين جوزها بصلي وقال
أنا آسف... لازم أقولك الحقيقة.
سهام صرخت
متقولش!
اتجمدت مكاني.
لأنها لأول مرة كانت خايفة بالشكل ده.
جوزها رفع صوته وقال
كفاية يا سهام... البنت دي اتظلمت كتير بسببك.
وساعتها، مد الموبايل ناحيتي.
أنا بصيت للشاشة...
واللي شوفته خلاني أنسى تمامًا موضوع الهدية.
لأن التسجيل اللي كان شغال على الموبايل...
كان فيه صوت سهام نفسها.
وكانت بتقول كلامًا عني لم أكن أتخيل أبدًا إنها قالته.
لكن الأخطر من الكلام...
إن التسجيل كان فيه اسم شخص آخر من العيلة.
شخص كان موجود وسطنا طول الوقت.
وشخص لو اتكشف دوره...
هيكون عيد الميلاد ده بداية فضيحة أكبر بكتير فضلت باصة للموبايل ومش قادرة أستوعب اللي سمعته.
صوت سهام كان واضح.
وكانت بتتكلم عني قبل ما أوصل للحفلة، وبتقول إنها عايزة تلقنني درس قدام العيلة.
لكن جوزها وقف التسجيل فجأة.
قلت له
ليه وقفت؟ كمل.
سهام قربت منه وقالت
خلاص يا سامح، كفاية.
سامح رد عليها
لا، مش كفاية.
وبعدين بصلي وقال
إنتِ لازم تعرفي الحقيقة كاملة.
سهام بدأت تتوتر.
قالت
إنت وعدتني إن الموضوع ده يفضل بينا.
رد عليها
أنا وعدتك قبل ما أعرف إنك هتأذي أختك بالشكل ده.
أنا حسيت إن قلبي وقع.
قلت
تؤذيني إزاي؟ وإيه اللي حصل أصلًا؟
سامح سكت ثواني، وبعدين قال
العلبة دي مش أول حاجة اتجهزت علشان تتهميها.
بصيت له باستغراب.
يعني إيه؟
قال
قبل ما تيجي، سهام كانت مخبية حاجة تانية في المطبخ.
سهام صرخت
سامح!
لكن واحدة من قرايبنا قالت
خليه يتكلم.
سامح أخرج من جيبه مفتاح صغير.
وقال
المفتاح ده لدرج المكتب.
سهام قربت منه بسرعة
إنت فتحت الدرج؟
رد
أيوه.
ولقيت إيه؟
سامح بصلي وقال
لقيت ورقة مكتوب فيها اسمك.
اتصدمت.
قلت
اسمي؟
هز رأسه.
أيوه... اسمك، واسم ولادك، ومبلغ كبير.
سهام بدأت تعترض
دي مجرد حسابات!
سامح قال
حسابات إيه؟
وبعدين أخرج ورقة مطوية.
فتحها قدام الكل.
كان مكتوب فيها تفاصيل مصاريف ولادي، ومواعيد استلام مرتبي، ومبلغ كل شهر.
أنا بصيت للورقة وقلت
إنتِ كنتِ بتكتبي مصاريف ولادي ليه؟
سهام سكتت.
لأول مرة، مقدرتش ترد.
وبعدين قالت
علشان أعرف أنا بدفعلك كام.
قلت
إنتِ عمرك ما دفعتي مصاريف ولادي غير المرتب اللي اتفقنا عليه.
ردت
وده اللي مكتوب!
سامح هز رأسه وقال
لأ... مش ده كل اللي مكتوب.
وأخرج ورقة تانية.
كانت فيها جملة واحدة خلت الدم ينسحب من وشي
لازم تسيب الشغل قبل آخر الشهر... وإلا هننفذ الخطة.
بصيت لسهام.
قلت
أي خطة؟
هي ما ردتش.
قربت منها خطوة.
قوليلي يا سهام... كنتِ مخططة لإيه؟
قبل ما تجاوب، خالتي قالت بصوت مرتجف
أنا عارفة.
كلنا بصينا لها.
قالت
من أسبوعين سهام كلمتني، وطلبت مني حاجة غريبة جدًا.
سهام صرخت
خالتي، متدخليش!
لكن خالتي كملت
طلبت مني أشهد إنك خدتي منها فلوس.
حسيت إني مش قادرة أتنفس.
قلت
فلوس؟
خالتي هزت رأسها
أيوه... وقالتلي لو حصلت مشكلة، أقول إني شفتك وإنتِ بتاخديها.
سامح بص لسهام بصدمة.
إنتِ وصلتي لكده؟
سهام بدأت تبكي.
لكن بدل ما تعتذر، رفعت وشها وقالت جملة واحدة
إنتوا فاكرين إني بعمل كل ده علشان الفلوس؟
سكت الجميع.
بصتلي مباشرة وقالت
أنا بعمل ده علشان حاجة حصلت من سنين... وإنتِ السبب فيها.
أنا اتجمدت.
قالت
إنتِ أخدتي مني أهم حاجة في حياتي.
رديت
جوزي اختارني بإرادته يا سهام.
هنا ابتسمت ابتسامة غريبة وقالت
هو اختارك... لكن في حاجة إنتِ عمرك ما عرفتيها.
اتوترت.
إيه هي؟
سهام بصت ناحية سامح، وبعدين قالت
اسألي أبوكي عن اليوم اللي جوزك جه فيه يطلب إيدك.
وقتها حسيت إن الحكاية القديمة اللي كنت فاكرة إني عارفاها كلها...
يمكن ماكنتش عارفة منها غير نص الحقيقة.
وقبل ما ألحق أسألها، رن موبايل خالتي.
ردت.
ثواني قليلة، ووشها اتغير.
قفلت المكالمة وبصتلي وقالت
لازم تروحي بيت أبوكي دلوقتي.
قلت
ليه؟
قالت بصوت منخفض
لأن في حد هناك مستنيكي... ومعاه حاجة تخص جوزك الله يرحمه.
وانا خارجة من البيت، سمعت سهام بتقول من ورايا
لو عرفتي الحقيقة كاملة... هتفهمي ليه أنا عمري ما قدرت أسامحك.
وقفت عند الباب.
ولأول مرة...
بدأت أشك إن حكاية جوازي نفسها كان فيها سر مخبيه عني أقرب الناس ليا خرجت من بيت سهام وأنا مش فاهمة أي حاجة.
طول الطريق وأنا بفكر في كلام خالتي
في حد هناك مستنيكي... ومعاه حاجة تخص جوزك.
مين الشخص ده؟
وإيه الحاجة اللي تخص جوزي؟
وليه سهام قالت إن في سر عن يوم جوازنا؟
لما وصلت بيت أبويا، لقيت الباب مفتوح.
دخلت وأنا بنادي
بابا؟
مفيش رد.
اتقدمت خطوتين، لحد ما سمعت صوت من الصالة
تعالي يا بنتي.
كان عمي.
أخو أبويا.
وكان ماسك ملف بني قديم.
قعدت قدامه وقلت
إيه ده؟
قال
الملف ده أبوكي كان محتفظ بيه من سنين، وطلب مني أديهولك لو حصل يوم ومقدرتش يقولك الحقيقة بنفسه.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
قلت
حقيقة إيه؟
فتح الملف.
أول ورقة كانت صورة قديمة ليا أنا وجوزي يوم الخطوبة.
وتحت الصورة كان فيه تاريخ.
بصيت للتاريخ.
كان قبل اليوم اللي جوزي طلب فيه إيدي رسميًا بأيام.
قلت
الصورة دي أنا أول مرة أشوفها.
عمي قال
لأنها كانت عند أبوكي.
قلبت الصفحة.
لقيت ورقة مكتوب فيها بخط أبويا.
قريتها مرة...
ومقدرتش أصدق.
قريتها تاني.
كان مكتوب
سهام طلبت مني أرفض جواز أختها، لكني رفضت.
رفعت عيني لعمي.
يعني إيه؟
قال
سهام كانت عايزة تتجوزه، ولما عرفت إنه اختارك، راحت لأبوكي.
سألته
وقالت له إيه؟
عمي تنهد وقال
قالت له إنك مش مناسبة ليه، وإن الجوازة دي هتفشل.
أنا سكت.
كنت عارفة إن سهام كانت زعلانة.
لكن مكنتش أعرف إنها حاولت تمنع جوازي.
قلبت الصفحة.
لقيت ورقة تانية.
وكانت أخطر.
فيها كلام عن زيارة جوزي لأبويا قبل الخطوبة.
لكن في آخر الورقة كان فيه سطر متعلم تحته
هو لم يأتِ وحده.
رفعت رأسي بسرعة.
مين كان معاه؟
عمي قال
أنا مش عايز أقولك حاجة ناقصة.
قلت
قول كل حاجة.
قال
في اليوم ده، جوزك جه مع شخص تاني.
سألته
مين؟
سكت.
وبعدين قال
أختك سهام