بنتي كانت بتلعب بقلم اماني سيد

لمحة نيوز

محمود اتفاجئ.
درج إيه؟
اللي في أوضة المكتب.
هنا اتغيرت ملامح عم محمود فجأة.
وكأنه افتكر حاجة مهمة.
قال
استنى...
وراح بسرعة ناحية البيت.
بعده بثواني جري وراه أكتر من واحد من العيلة.
أما حماتي فكانت واقفة متجمدة.
بدأ العرق يظهر على جبينها رغم إن الجو مش حر.
بعد دقائق...
رجع عم محمود وهو شايل صندوق خشب صغير.
الصندوق كان عليه طبقة تراب كأنه متفتحش من سنين.
حطه على الترابيزة في نص الحوش.
وقال
ده الصندوق اللي أبويا كان محتفظ فيه بأوراق مهمة.
كل الموجودين قربوا.
عم محمود فتحه.
في البداية كانت فيه أوراق قديمة وصور عائلية.
لكن فجأة...
رفع حاجبه باستغراب.
غريبة.
الكل سأله
إيه؟
قلب الصندوق مرة واتنين.
وبعدين قال
في حاجة ناقصة.
حماتي بلعت ريقها.
أخته سألته
إيه اللي ناقص؟
قال
كان فيه ظرف بني كبير.
أنا شوفت لون وش حماتي بيتغير أكتر.
كأنها عارفة الظرف ده كويس.
عم محمود كمل
أبويا قبل ما يموت قالي محدش يفتح الظرف ده إلا لو حصل خلاف كبير في العيلة.
الصمت رجع يسيطر.
والكل بقى بيدور بعينيه على حماتي.
وفجأة...
مالك قال وهو بيشاور بإيده
الظرف ده؟
الكل لف ناحيته بسرعة.
الولد كان باصص على الدولاب اللي ورا حماتي.
قرب أبوه منه وسأله
تعرفه؟
أيوة.
شوفته فين؟
تيتا حطته فوق الدولاب في أوضتها.
في اللحظة دي...
شهقة قوية خرجت من أكتر من شخص.
أما حماتي فصرخت بعصبية
الولد بيخرف!
لكن مالك هز راسه بسرعة.
لأ... أنا شوفته بنفسي.
عم محمود وقف ببطء.
ثم
قال بصوت منخفض أخاف الجميع
يبقى هنطلع أوضتك دلوقتي...
ونشوف إذا كان الظرف هناك فعلًا ولا لا.
ولأول مرة منذ بداية المواجهة...
تراجعت حماتي خطوة إلى الخلف.
ثم خطوة أخرى.
وكأنها لا تريد لأحد أن يصعد إلى تلك الغرفة مهما كان الثمن تراجعت حماتي أكتر وهي رافعة إيديها قدامها وكأنها بتحاول تمنعهم.
محدش هيطلع أوضتي!
عم محمود ثبت عينيه فيها وقال
وليه؟ لو مفيش حاجة مستخبية، خايفة من إيه؟
دي أوضتي وأنا حرة فيها!
بدأت الأصوات تعلى.
أخو جوزي قال
من حقنا نعرف الحقيقة.
وأخته قالت بدموع
بعد كل اللي حصل النهارده، محدش هيصدقك من غير ما نشوف بنفسنا.
حماتي بصت لأولادها واحد واحد.
كانت مستنية حد يقف في صفها.
لكن الصدمة إن محدش اتكلم.
حتى جوزي كان واقف ساكت.
يمكن لأول مرة في حياته مش عارف يدافع عنها.
وفجأة لفتت حماتي نظرها ناحيتي أنا وبنتي.
وكانت نظرة كلها كراهية.
كأنها شايفانا سبب اللي بيحصل.
شددت على إيد بنتي أكتر وأنا حاسة إنها بدأت ترتعش من جديد.
عم محمود قال
يلا.
وصعد السلم.
وكل العيلة وراه.
أما حماتي ففضلت واقفة ثواني، وبعدين طلعت مرغمة.
وصلوا للأوضة.
فتحت الباب بإيد مرتعشة.
بدأوا يفتشوا.
في الأول مفيش حاجة.
الدولاب.
الأدراج.
السرير.
كل حاجة شكلها طبيعي.
حماتي بدأت تستعيد ثقتها شوية.
وقالت بتحدي
شفتوا؟ ضيعتوا وقتكم.
لكن في اللحظة دي...
مالك أشار ناحية الدولاب الخشبي الكبير.
فوق.
رفعوا رؤوسهم.
كان فيه صندوق قديم فوق الدولاب.
مكان
عالي محدش بياخد باله منه.
أخو جوزي جاب كرسي وطلع.
نزل الصندوق.
أول ما اتحط على الأرض...
سكت الجميع.
لأن الصندوق كان مقفول بقفل صغير.
عم محمود بص لحماتي.
المفتاح فين؟
معرفش.
لكن قبل ما تكمل كلامها، أخت جوزي قالت
المفتاح ده؟
وأخرجته من شنطة حماتي اللي كانت معلقة على شماعة جنب الباب.
الكل اتصدم.
حتى حماتي نفسها اتلخبطت ومقدرتش ترد.
فتحوا القفل.
وببطء...
رفع عم محمود الغطاء.
في البداية ظهر الظرف البني فعلًا.
لكن تحته كانت مفاجآت أكبر.
دفاتر قديمة.
إيصالات.
عقود.
وأوراق كتير متخبأة بعناية.
بدأت الأيدي ترتعش وهي تقلب المحتويات.
وفجأة...
سحب عم محمود ورقة واتجمد مكانه.
أخوه قال بقلق
في إيه؟
رفع الورقة ببطء.
وكانت عبارة عن عقد بيع.
لكن مش أي عقد.
العقد كان يخص قطعة الأرض الكبيرة اللي العيلة كلها كانت فاكرة إنها اتباعت من سنين وخسرت فلوسها.
قرأ الاسم المكتوب عليه...
ثم رفع عينيه ناحية حماتي.
وقال بصوت مخنوق من الصدمة
الأرض... ما اتباعتش أصلًا.
الحضور كله شهق.
أما حماتي...
فأغمضت عينيها للحظة طويلة.
كأن السر اللي دفنته سنين طويلة بدأ يخرج للنور ورقة وراء ورقة سادت حالة من الذهول في الأوضة.
الكل بقى يبص بين الورق وبين حماتي.
عم محمود قعد على الكرسي وهو مش مصدق اللي شايفه.
قلب باقي الأوراق بسرعة، وكل ورقة كانت بتكشف حقيقة أخطر من اللي قبلها.
اتضح إن الأرض فعلًا ما اتباعتش.
وإن حماتي كانت مأجرة جزء منها من سنين وبتاخد الإيجار
لنفسها، ومحدش من العيلة يعرف.
واتضح كمان إن فيه فلوس كانت متحوشة باسم الأحفاد، وكانت هي المتصرفة فيها لوحدها.
لكن أغرب حاجة كانت رسالة مكتوبة بخط الجد.
رسالة قصيرة جدًا.
قرأها عم محمود بصوت عالي
البيت اللي يقوم على الظلم عمره ما يعرف راحة، والولد اللي يتربى إنه أفضل من أخته هيخسر نفسه قبل ما يخسر غيره. ساووا بين أولادكم، وارحموا الصغير قبل الكبير.
أول ما خلص قراءة الرسالة، عم محمود بكى.
وأخته بكت.
وأخو جوزي نزل راسه في الأرض.
أما حماتي فكانت قاعدة على السرير، لأول مرة من غير كلام ولا صراخ.
ساعتها مالك قرب من بنتي.
وقال لها بصوت صغير
أنا آسف.
بنتي بصت له وسكتت.
فكمل
والله كنت خايف من تيتا.
البنت هزت راسها وقالت
خلاص.
في اللحظة دي أنا مقدرتش أمسك دموعي.
لأن أول حد أنصف بنتي كان طفل زيها.
بعد أيام قليلة، اتقسمت الحقوق بين أصحابها.
والأرض رجعت للعيلة.
وكل واحد عرف الحقيقة كاملة.
أما حماتي...
فمحدش طردها من البيت.
لكنها فقدت الشيء اللي كانت متمسكة بيه طول عمرها
الخوف اللي كانت بتسيطر بيه على الناس.
بقت كل كلمة تقولها تتراجع قدام الحقيقة.
وكل محاولة للتفرقة كانت بتتقابل بالرفض.
أما جوزي...
فوقف قدام بنته في يوم، ومسح على شعرها اللي بدأ يطلع من جديد، وقال لها
سامحيني يا بنتي... كان المفروض أحميكي.
وارتمت البنت في حضنه وهي
بتعيط.
بعد شهور، شعرها رجع أجمل من الأول.
لكن اللي رجع أهم من الشعر بكتير...
كرامتها.
ومن يومها بقى
فيه قانون واحد في البيت كله
لا فرق بين ولد وبنت.
ولا كبير يظلم صغير.
ولا حد يتهان عشان يرضي غرور حد تاني.
وعرفت بنتي درس عمرها ما نسيته
إن الحق ممكن يتأخر...
لكنه في النهاية بيرجع لأصحابه.

تم نسخ الرابط