بعد وفاة حماتي
بعد وفاة حماتي، رحت أحضر قراية الوصية بس اتصدمت لما لقيت جوزي قاعد هناك مع مراته التانية، وبين إيديها طفل لسه مولود. ولا كأنهم مكسوفين حتى. بالعكس كانوا مستنيين أشوفهم وأنهار قدامهم.
لكن أول ما المحامي فتح الظرف وبدأ يقرا آخر كلام كتبته حماتي الأوضة كلها سكتت فجأة، ولون وش جوزي راح مرة واحدة.
كنت متوقعة حزن في قراية الوصية إنما اللي ماكنتش متوقعاه أبدًا، كان السر اللي مستخبي من سنين.
بعد أسبوعين من وفاة حماتي، الحاجة سميحة عبد الجواد، دخلت مكتب المحاماة الديب وشركاه في وسط القاهرة، وعيني وارمة من العياط، ولابسة الأسود من يوم وفاتها.
وفي آخر الأوضة، قاعدين بكل هدوء كريم، وجنبه الست اللي اتجوزها من غير ما أعرف.
ماقامش حتى لما دخلت.
بس بصلي نظرة سريعة، وبعدين رجع بص للطفل اللي في حضنها.
رفعت الست عينيها وقالت بهدوء اسمي رانيا.
كان صوتها هادي بشكل غريب مش صوت واحدة جاية تتحداني، قد ما هو صوت واحدة مرهقة من كتر اللي عاشته.
قلت وأنا بصعوبة ماسكة أعصابي إنت متجوزها من إمتى؟
كريم رد بسرعة سنة.
ضحكت ضحكة ناشفة سنة كاملة؟ وأنا آخر واحدة تعرف؟
ما ردش.
المحامي دخل وقتها، شايل ملف كبير، وقال الحاجة سميحة طلبت إن الكل يكون موجود وقت قراية الوصية.
قعدنا، والهواء في الأوضة كان تقيل بشكل يخنق.
المحامي فتح أول ورقة، وبدأ يقرا
إلى ندى لو بتسمعي الكلام ده، يبقى الحقيقة ظهرت أخيرًا.
حسيت قلبي وقف.
وكمل
أنا عارفة إنك
كريم اتحرك في مكانه بتوتر لأول مرة.
المحامي كمل كريم غلط لما خَبّى، لكنه ماخانش حد.
رفعت عيني بسرعة.
رانيا حضنت الطفل أكتر، وكأنها خايفة من رد فعلي.
رانيا كانت زوجته بعقد شرعي بعد خلافات كبيرة بينكوا وصلت للطلاق الغيابي اللي ماعرفتيش عنه وقتها بسبب الإجراءات اللي اتأجلت.
شهقت إيه؟!
المحامي طلع ملف رسمي وحطه قدامي.
ورق وأختام وتواريخ.
كل حاجة كانت قانونية.
أنا كنت منفصلة عنه رسميًا من شهور وأنا حتى ماكنتش أعرف بسبب سفره وإخفاء أهله للحقيقة وقت مرض حماتي.
حسيت الدنيا بتلف.
كريم قال بصوت مكسور أمي خافت عليكي وكانت بتقول نستنى لحد الأمور تهدى.
صرخت تهدى؟! ده جواز كامل وطفل!
رانيا لأول مرة اتكلمت أنا كمان ماكنتش أعرف إنه مخبي عنك كل ده.
الصمت نزل على المكان.
المحامي فتح الظرف التاني وقال لكن ده مش أهم جزء في الوصية.
وبدأ يقرا
أنا سميحة عبد الجواد بكتب آخر قرار ليا وأنا متأكدة إن البيت ده محتاج عدل قبل أي حاجة.
كريم رفع عينه بسرعة.
كل أملاكي وبيتي وأرضي تنتقل لندى.
كريم اتصدم إيه؟!
المحامي كمل لأنها الوحيدة اللي شالت البيت وقت الشدة من غير طمع.
أنا حسيت بإيدي بتترعش.
لكن حماتي ما وقفتش هنا.
المحامي فتح ورقة تانية صغيرة، وقال وفيه مفتاح.
كان مفتاح قديم صغير، مربوط بورقة مكتوب فيها
الحقيقة الكاملة جوه البيت.
بعد ساعة
كنا واقفين قدام بيت العيلة القديم.
الليل كان ساكت بشكل يخوف.
فتحت الباب بالمفتاح، ودخلنا.
البيت كان مترتب كأن حماتي لسه عايشة فيه.
وفي آخر الصالة كان فيه صندوق خشب صغير.
فتحناه.
ولقينا جواه دفتر قديم، وصور، وخطابات.
المحامي كان معانا، وبدأ يقلب الأوراق بهدوء.
وفجأة طلع شهادة ميلاد قديمة باسم كريم لكن باسم أم مختلفة.
كريم سحب الورقة بإيد مرتعشة يعني إيه ده؟!
المحامي بصله بحزن يعني الحاجة سميحة ماكنتش والدتك الحقيقية كانت خالتك.
الصمت بعدها كان مرعب.
كريم قعد على الكرسي كأنه فقد قوته كلها.
المحامي كمل أمك وأبوك ماتوا في حادث وإنت صغير والحاجة سميحة ربتك على إنك ابنها عشان تحميك.
الدموع نزلت من عين كريم لأول مرة.
أما أنا فكل الغضب اللي جوايا بدأ يتحول لحاجة تانية.
فهم.
وجع قديم كان مستخبي تحت طبقات من الأسرار.
المحامي طلع آخر جواب، وكان مكتوب فيه بخط حماتي
لو وصلتوا للحقيقة يبقى اختاروا الرحمة بدل القسوة. العمر أقصر من الكره.
بعد شهور
كل واحد بدأ حياته من جديد.
رانيا رجعت لبلد أهلها مع طفلها، لكن بينا احترام.
وكريم فضل يحاول يصلح كل الخراب اللي سببه السكوت.
وفي يوم، وقف قدامي في نفس الصالة وقال أنا تعبت من الأسرار يا ندى لو فيه فرصة نبدأ صح، أو حتى نسامح بعض أنا مستعد.
بصيتله طويل.
وبعدين قلت بهدوء
الحقيقة مهما اتأخرت أهون من عمر كامل مبني على الوهم كريم فضل واقف قدامي مستني الرد وعينيه لأول مرة ماكانوش فيها غرور ولا برود. كان باين
لكن قبل ما أتكلم
سمعنا صوت حاجة وقعت فوق.
صوت قوي جاي من الدور التاني.
كلنا اتلفتنا في نفس اللحظة.
المحامي رفع عينه للسقف في حد هنا؟
كريم قام بسرعة البيت فاضي!
لكن الصوت اتكرر.
خبطة وبعدها جرّ كرسي.
قلبي اتقبض.
رانيا حضنت الطفل بخوف أنا مش مرتاحة إحنا نمشي.
لكن قبل ما حد يتحرك، نور الصالة طفى.
البيت كله غرق في ضلمة كاملة.
شهقة طلعت مني غصب.
وكريم قال بعصبية مين هناك؟!
ثانية
اتنين
وفجأة النور رجع.
لكن المرة دي حاجة كانت مختلفة.
الصندوق الخشب اللي كان مفتوح قدامنا من شوية اتقفل لوحده.
والمفتاح اختفى.
المحامي قرب ببطء أنا حلفت إني شوفت المفتاح هنا.
رانيا بدأت تبكي إحنا لازم نمشي حالًا.
لكن كريم كان مركز على السلم.
وشه شاحب.
همس حد طلع فوق.
أنا بصيت للسلم
وكان فيه أثر تراب جديد على الدرجات.
آثار رجل.
طالعة لفوق.
رغم إن البيت مقفول من شهور.
كريم جري ناحية السلم فجأة.
صرخت استنى!
بس ما سمعش.
طلع بسرعة، وإحنا وراه.
كل درجة كأنها بتطلعنا ناحية كارثة.
لحد ما وصلنا للدور التاني.
الممر طويل وضيق وفي آخره أوضة بابها موارب.
ونور أصفر خافت طالع منها.
كريم قرب ببطء.
إيده على الباب بترتعش.
ودفعه.
الباب فتح بصرير طويل
والكل اتجمد مكانه.
الأوضة كانت متجهزة كأن حد عايش فيها فعلًا.
سرير مترتب.
كوباية شاي دافية ولسه بيطلع منها بخار.
وشباك مفتوح بيحرك الستارة.
لكن الصدمة
كانت الصورة المعلقة على الحيطة.
صورة لحماتي.
وجنبها راجل واقف مبتسم.
أنا ماعرفتوش.
لكن كريم شهق أبويا
المحامي اتفاجئ ده