من تلت سنين
من تلات سنين، الدنيا اسودت في وشي في لحظة.. بنتي التوأم ملك تعبت فجأة من غير أي مقدمات. البنت كانت زي الفل وبتلعب، وفجأة دخلت في دور سخونية شديدة مابتنزلش بأي مسكنات، وركبها مكنتش قادرة تشيلها، وبقى جسمها همدان ومرمي طول الوقت.
جرينا بيها أنا وجوزي شريف على المستشفى وإحنا بڼموت من الړعب. الدكاترة استلموها مننا ودخلوها الطوارئ، ومن هنا بدأت الرحلة المرعبة.. تحاليل، وإشاعات، وفحوصات مابتخلصش، وكل ما نسأل دكتور يقولنا لسه بنطمن، لسه النتيجة مظهرتش. مكنوش عارفين يوصلوا لتشخيص واضح ولا سبب للسخونية اللي بتاكل في جسم بنتي، وفي الآخر خرج لنا دكتور كبير وعلامات الإحباط على وشه وقال في الأغلب.. ده التهاب سحائي، ومأثر على المخ.
وبعد كام يوم بس من دخولنا المستشفى.. ملك ماټت.
الصدمة كانت أكبر من عقلي وقلبي.. أنا دخلت في حالة ذهول تامة، لدرجة إني مش فاكرة أي حاجة واضحة من الأيام دي، كأن عقلي قرر يمسح الشريط عشان ميجننيش. الدكاترة حجزوني في المستشفى من كتر الاڼهيار، وعلّقوا لي محاليل مهدئة ومغذية لأن ضغطي كان في الأرض ومكنتش بفتح بوقي بلقمة.
الأيام دي كانت عبارة عن غيامة سودة ومضببة.. حمايا وحماتي جم بسرعة أول ما عرفوا، وهما وجوزي شريف اللي خلصوا كل حاجة.
في السنين اللي بعد كده، كانت حياتي عبارة عن محاولة عڈاب يومية.. كنت بحاول أجمع كل ذرة قوة فيا عشان أقدر أعيش، مش عشاني، لكن عشان خاطر بنتي التانية ليلي، اللي كانت بتكبر قدام عيني وهي بتسأل عن أختها التوأم كل يوم وټعيط.
عدت تلات سنين كاملة، والۏجع مابردش، ولا ڼار قلبي انطفت. كل ركن في بيتنا القديم كان بيفكرني بملك.. ضحكتها، لعبها، لبسها اللي لسه في الدولاب. تعبت ومبقتش قادرة أستحمل، فاقترحت على شريف إننا نسيب المدينة دي خالص وننقل لمكان تاني خالص نبدأ فيه من جديد. شريف وافق بسرعة غريبة وكأنه كان مستني الفرصة دي.. بعنا بيتنا القديم بكل ذكرياته، واشترينا بيت جديد بعيد أوي، على بعد مئات الكيلومترات في محافظة تانية خالص مفيهاش مخلوق يعرفنا.
بعد ما نقلنا واستقرينا، ليلي كانت خلاص كبرت وبقت في سن المدرسة وهتدخل أولى ابتدائي. في الصبح، أخدتها من إيدها ووديتها المدرسة القريبة من بيتنا الجديد.. كان أول يوم دراسة ليها، وقلبي
على العصر كده، رحت المدرسة عشان أروحها بعد ما اليوم الدراسي خلص. دخلت الحوش ووقفت قدام الفصل، كانت ليلي قاعدة جوة وبتلم حاجتها وكتبها في الشنطة.. في اللحظة دي، مدرسة الفصل، مس منى، شافتني واقفة برة، فقربت مني وهي مبتسمة ابتسامة هادية وقالت لي
بسم الله ما شاء الله يا مدام.. البنتين بتوعك زي الفل، شاطرين وهاديين جداً وأنا حبيتهم من أول يوم.
أنا ابتسمت لها بذوق واندهاش بسيط ورديت عليها
تسلمي يا مس.. بس تلاقيكي مشبهة أو متلخبطة بين الأمهات.. أنا معنديش غير بنت واحدة بس.. ليلي.
مس منى ابتسامتها اختفت وبان عليها الاستغراب والذهول الشديد وقالت لي
يا خبر! هو أنا اتلغبطت؟ مستحيل.. بس ليلي ليها أخت توأم هنا في المدرسة، مش كده؟ هما شبه بعض بالملي.. نفس الملامح ونفس
الطقم ونفس كل حاجة.. عشان كده أنا افتكرت وعممت الكلام إن عندك بنتين!.
أول ما قالت الجملة دي، قلبي بدأ يدق في صدري زي الطبل، وحسيت بنغزة مۏت في قلبي، بس المدرسة كملت كلامها عادي ومن غير ما تاخد بالها من ملامحي اللي اتقلبت
احنا قسّمنا الفصل لمجموعتين عشان الكثافة.. على فكرة، الحصة الأخيرة للمجموعة التانية لسه مخلصة حالا في الفصل اللي في
دمي اتجمد في عروقي.. ورجلي مبقتش شيلاني. مكنتش مستوعبة ولا فاهمة مس منى بتتكلم عن إيه أصلاً! أخت مين؟ وتوأم مين؟ ملك ماټت وډفناها من تلات سنين! هل أنا بيتجلي؟ هل المدرسة دي مچنونة؟
مس منى أخدتني من إيدي ومصممة تنهي اللبس اللي عندها، ومشيت بيا في الممر لحد ما وصلنا لفصل تاني في آخر الدور.. بصت جوا وسألت المدرسة اللي واقفة، وبعدين لفت ليا وشاورت بإيدها على بنت قاعدة على الدكة الأخيرة ومديانا ظهرها وقالت لي بثقة
أهو.. أهي قاعدة هناك اهي.. أخت ليلي التوأم.. قولي لي بقى إن دي مش بنتك!.
أنا هنا.. نَفَسي اتقطع تماماً!
الدنيا لفت بيا، والحيطان بدأت تتحرك من مكانها، وحسيت إن الهوا سحبوه من الرئة بتاعتي. البنت اللي كانت قاعدة على الدكة الأخيرة ووشها للسبورة، لفت براحة لما سمعت صوت الباب وحركة مس منى.. وبصت ناحيتنا.
يا ربي! دي مش شبه ملك.. دي ملك! ملامحها اللي حافظاها حتة حتة.. نفس العيون الواسعة الساحرة، نفس الشامة الصغيرة الدقيقة اللي تحت عينها اليمين، نفس الغمازة الغويطة اللي بتظهر لما تقفل بوقها وهي مكسوفة أو بتفكر. البنت أول ما عيونها جت في عيوني، لمعت بدموع الفرحة،