حملت
حاولت أوقف لحظة قبل ما أسمع أي كلمة جديدة، لكن نظرات الموجودين في الغرفة كانت كأنها بتضغط عليّا أكتر من أي صوت.
المديرة مسكت الفلاشة بإيد ثابتة نسبيًا، لكن ملامحها كانت بتكشف إنها متوترة.
فتحت الجهاز، وشغّلت الملف.
ظهر صوت واضح في الغرفة صوت تسجيل.
لكن المرة دي ماكانش فيه أي تفاصيل محرجة أو كلام خارج كان فيه حديث عن خلافات، سوء فهم، ومحاولات إنكار متبادل بين الأطراف.
وبعدين ظهرت محادثات ورسائل قديمة بتوضح إن فيه علاقة مراهقة غير ناضجة حصلت بسبب ضغط نفسي وسوء تقدير من الطرفين، من غير أي التزام أو مسؤولية حقيقية.
كل كلمة كانت بتخلي الصورة أوضح إن الموضوع أكبر من اتهام شخص واحد، وإن فيه تلاعب بالمعلومات من أكتر من طرف.
مازن رفع عينه ببطء، وشكله كان لأول مرة مش دفاعي كان تايه.
والدة مازن بدأت تتكلم بسرعة
ده كله كلام مفبرك!
لكن المديرة قاطعتها بهدوء
اللي قدامنا دلوقتي مش اتهام، ده توثيق لأحداث متناقضة لازم تتحقق منها الجهة المختصة.
الصمت رجع يسود الغرفة.
حسّيت إن الأرض ثابتة تحت رجلي لأول مرة من وقت طويل، مش لأن الحقيقة واضحة، لكن لأن الفوضى بدأت تهدى شوية.
المديرة بصّت لي وقالت بنبرة أهدى
إحنا
كلامها كان مختلف عن كل اللي قبل كده لأول مرة حسّيت إن في حد شايفني مش كقصة أو فضيحة، لكن كإنسانة محتاجة حماية.
أمي شدّت إيدي بهدوء، للمرة الأولى من غير خوف أو غضب.
والموقف كله بدأ يتحول من مواجهة لتحقيق لازم يحدد الحقيقة بعيد عن أي ضغوط أو انفعالات.
وقبل ما أي حد يتكلم تاني، المديرة قالت
الجلسة دي انتهت مؤقتًا وكل الأطراف هتتواصل مع جهات التحقيق المختصة لإعادة تقييم كل الأدلة.
وبكده الباب اتقفل على الغرفة، لكن القصة نفسها كانت لسه في بدايتها، بس المرة دي بشكل مختلف أقل صدمة وأكثر بحث عن الحقيقة خرجت من غرفة المديرة وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني، بس مش نفس الإحساس القديم بتاع الانهيار لأ، كان إحساس تاني، أقرب للفراغ الهادئ.
المدرسة برّه كانت زي ما هي، بس أنا كنت مختلفة تمامًا.
الهمسات اللي كانت بتلاحقني في كل طرقة بقت أقل شراسة، كأن الناس نفسها بدأت تتلخبط ومش عارفة تصدق رواية واحدة.
أمي كانت ماشية جنبي من غير كلام، بس إيديها كانت ماسكة إيدي بقوة مختلفة مش قوة خوف، لكن محاولة تثبيت.
أبويا كان ماشي
في البيت، أول ما دخلنا، قفل الباب وراه وقال بهدوء غريب
إحنا لازم نفهم مين بيحرك كل ده.
ما ردّيتش.
لأني لأول مرة كنت حاسة إن السؤال نفسه أهم من الإجابة.
عدى يومين من الهدوء الغريب.
مفيش مكالمات، مفيش ضغط، مفيش مواجهات.
لكن الهدوء ده ماكانش مريح كان مُريب.
لحد ما في يوم، وأنا قاعدة في أوضتي، لقيت ظرف صغير بيتحط تحت الباب.
من غير صوت.
من غير استئذان.
فتحت الباب بسرعة، مفيش حد.
مسكت الظرف، وقلبي كان بيدق بسرعة.
جواه ورقة واحدة بس.
مكتوب فيها سطر واحد
اللي بدأ يتكشف في المدرسة مش هو الحقيقة الكاملة.
تحتها توقيع مش واضح.
لكن الخط كان مألوف بشكل مخيف.
نفس خط الإيد اللي شفته قبل كده في أوراق أبويا.
قفلت الورقة بإيدي بسرعة وبصيت حواليا.
ولأول مرة من فترة طويلة، حسّيت إن القصة اللي كنت فاكرة إنها انتهت لسه في جزء أكبر مستخبي وراها.
وفي اللحظة دي، موبايلي رن.
رقم غريب.
ردّيت بحذر.
وصوت رجولي واطي قال
لو عايزة الحقيقة كاملة تعالي لوحدك.
سكت ثانية، وبعدين كمل
واسألي أبوكي كان بيخبي إيه في الدرج اللي عمره ما فتحتيه قبل كده.
والخط قفل فضلت
الدرج اللي عمره ما فتحتيه قبل كده...
الجملة كانت بتتكرر جوا دماغي بشكل يوجع.
قمت من مكاني بسرعة وطلعت على أوضة أبويا.
كان في البيت، بس ساكت بشكل غير طبيعي، قاعد على الكنبة وباين عليه إنه مشغول في أفكاره.
أمي كانت في المطبخ، فاستغليت اللحظة.
دخلت أوضة المكتب الصغيرة اللي دايمًا بابها مقفول.
أول مرة ألاحظ إن في قفل صغير على الدرج السفلي في المكتب.
القفل ده ماكنش في دماغي قبل كده كأن عيني كانت بتتجنبه طول الوقت.
جبت المفتاح من درج تاني كنت عارفة مكانه من وأنا صغيرة.
قلبت فيه بإيدي المرتعشة.
ركب.
وفتح.
الدرج اتفتح ببطء، وصوت الخشب كان كأنه بيكشف سر قديم بيتنفس لأول مرة.
جواه كان فيه ملفات كتير.
مستندات قديمة، صور، ومذكرات بخط أبويا.
لكن اللي شدني مش الورق
كان جهاز تسجيل صغير قديم.
ضغطت زر التشغيل.
وصوت أبويا طلع واضح
لو إنتي بتسمعي الكلام ده يبقى فيه حد حاول يغيّر الحقيقة.
قلبي وقع.
كمل
في ناس حوالين القصة دي مش هدفهم العدالة هدفهم يدفنوا الحقيقة أو يعيدوا تشكيلها.
سكت لحظة.
وبعدين قال
واللي إنتي عايشاه دلوقتي مش بداية المشكلة،
جسمي كله برد.
في اللحظة دي،