بعد وفاة عمي

لمحة نيوز

أنا كنت براقب من بعيد. كل مرة كان بيتعب فيها كنت بكون قريبة. بس من غير ما أشوفك.
شيرين كانت واقفة عند الباب، مش قادرة تدخل، ووشها اتبدل لأول مرة.
ندى كملت أنا ما جيتش هنا عشان أفضحك جيت عشان الطفل يعيش.
سكتت، وبصتلي مباشرة
بس أنت جيت متأخر.
في اللحظة دي، جهاز القلب بتاع ياسين بدأ يطلع صوت أسرع.
الدكاترة دخلوا بسرعة، والمكان قلب فجأة فوضى.
ندى اتحركت بسرعة غير متوقعة، وبدأت تساعد الممرضة في تثبيت الأجهزة.
أنا وقفت برا، عاجز.
مش أب مش زوج مش أي حاجة.
بس سبب واقف بيبص على اللي بيحصل.
وبعد دقائق، خرج الدكتور، وقال بصوت منخفض
الحالة استقرت بس لو كان اتأخرنا أكتر، كنا هنخسره.
بصيت لندى.
كانت لسه جوا، بتبص لابني كأنها بتستودعه.
وقبل ما تخرج، قالت لي من غير ما تبص
الليلة دي مش نهاية القصة.
وقفت قدام الباب، ومرّت جنبي، وقالت آخر جملة بصوت شبه همس
دي بداية الحساب بعد ما قالت بداية الحساب ومشيت، حسيت إن الكلمة فضلت معلّقة في الهوا زي سكينة.
الممر كله رجع هادي، لكن الهدوء ده كان بيخوف أكتر من الزحمة.
ياسين استقر شوية، والدكتور طمّني إنه خارج مرحلة الخطر، بس لازم يفضل تحت الملاحظة.
أما أنا فكنت واقف مش عارف أفرح.
كل مرة بصّيت فيها عليه، كنت شايف سؤال واحد أنا أب إيه بالظبط؟
شيرين قعدت على الكرسي قدام الأوضة، لأول مرة مفيش فيها صوت عالي ولا أوامر.
بس قالت بهدوء غريب إنت هتسيبها كده تمشي؟
ما رديتش.
لأني بصراحة مش عارف أعمل إيه.
في اللحظة دي، الأمن جه بسرعة في واحدة من العاملين خرجت من المستشفى من غير تصريح وسبت ظرف عند الإدارة باسم حضرتك.
قلبي دق.
أخدت الظرف بإيدي.
نفس خط إيد ندى.
فتحته.
جواه ورقة واحدة وصورة قديمة.
الصورة كانت ليا.
بس مش لوحدي.
كنت واقف جنب عمّي وورايا ندى وهي صغيرة جدًا، طفلة تقريبًا، ماسكة
في هدومه.
اتجمدت.
قرأت المكتوب
عمك ما كانش بس بيحميني كان بيحميني منك إنت من زمان.
وساعتها كنت صغير ومش شايف.
لكن دلوقتي الدور عليك تشوف.
رفعت عيني، ودماغي بدأت تشتغل لأول مرة بشكل مختلف.
ليه عمّي كان دايمًا قريب منها؟
ليه هو اللي أصر تتجوزني؟
ليه أنا ما كنتش أعرف أصلًا إنها كانت موجودة في حياتنا قبل الجواز؟
شيرين سألت بخوف في إيه؟
بس أنا ما سمعتهاش.
كل اللي كنت سامعه صوت ندى وهي بتقول بداية الحساب.
خرجت من المستشفى بسرعة، نازل على السلم كأني بجري من نفسي.
بس أول ما وصلت تحت
لقيت عربية واقفة.
بابها مفتوح.
وجواها شنطة صغيرة وحاجات ندى.
وسايبة ورقة على الكرسي.
مكتوب فيها
لو عايز تفهم الحقيقة تعالى المكان اللي عمّك مات فيه.
وقفت مكاني.
الهواء تقيل.
واللي جاي واضح إنه مش اعتذار ولا صلح.
ده كشف كل حاجة اتدفنت من سنين وقفت قدام الورقة وقت طويل، كأنها مش مجرد كلام كأنها باب اتفتح على حاجة لو دخلت فيها مش هتعرف ترجع تاني زي ما كنت.
شيرين لحقتني وهي بتنهج إنت رايح فين؟ إحنا لازم نفضل جنب ابننا!
بصيت لها، ولأول مرة مفيش غضب ولا دفاع بس فراغ.
ياسين في أمان دلوقتي وأنا لازم أفهم.
ركبت العربية ومشيت.
الطريق كان طويل بشكل غريب، وكل كيلومتر كنت بسيبه ورايا كان بيشيل معاه جزء من حياتي القديمة.
لحد ما وصلت للمكان
بيت قديم مهجور في أطراف الأرض الزراعية، نفس الأرض اللي عمّي كان بيقولي عليها مفتاح العيلة.
الليلة كانت ساكتة، بس الباب كان مفتوح.
دخلت.
ريحة تراب قديم وأوراق محروقة.
وفي النص كرسي خشب، وعليه ظرف كبير.
ولأول مرة لقيت ندى هناك.
مش لابسة يونيفورم.
كانت واقفة بهدوء، كأنها مستنياني من زمان.
جيت.
قلت عايز أفهم كل حاجة عمّي، الطفل، إنتي، وأنا.
هزّت راسها.
هتفهم بس مش كل الناس بتستحمل اللي هتسمعه.
قعدت.
وابتدت
تحكي.
عمك كان عارف إن في صراع على الميراث، وإن في ناس ممكن تأذيك فاختار يحميك بطريقة غريبة يدخلني حياتك عشان أكون عين شايفة كل حاجة من غير ما تحس.
بصيت لها يعني كنتي جاسوسة؟
ابتسمت بحزن كنت حماية مش خيانة.
سكتت ثواني وكملت
لكن اللي ماكانش متوقعه إنك إنت اللي هتكون أخطر من كل ده.
اتجمدت.
أنا؟
أيوه لأنك لما بتخاف، بتدمر اللي حواليك من غير ما تحس.
سكتت، وبصتلي وإنت عملت كده معايا.
فضلنا ساكتين.
وبعدين قالت ياسين مش مجرد ابنك هو السبب إنك تتغير أو تكمل نفس الطريق.
قفلت الظرف وفتحته قدامي.
كان فيه وصية عمّي بخط إيده
لو وصلت للحظة دي اعرف إن اللي ضاع منك مش ندى اللي ضاع هو ضميرك.
ساعتها سمعت صوت خطوات برا.
رجال.
مش واحد ولا اتنين.
باب البيت اتفتح فجأة.
والصوت جه خلصنا اللعبة بقى.
بصيت لندى.
كانت واقفة ثابتة لأول مرة مش خايفة.
وقالت بهدوء دلوقتي اختيارك الحقيقي يبدأ.
وقبل ما أرد
النور قطع فجأة.
وسمعت آخر حاجة
إما تنقذ نفسك أو تنقذ ابنك.
ثم سكون كامل.
وبعدها
القصة ما بقتش عن ندى ولا عمّي.
بقت عنك أنت هتختار إيه لو الحقيقة خدت منك كل حاجة كنت فاكرها ملكك؟الظلام كان خانق.
صوت أنفاسي عالي وقلبي بيدق بعنف كأني بجري، رغم إني واقف مكاني.
سمعت حركة ناحية ندى، وبعدها صوت رجل بيقول الورق فين؟
وفجأة لمبة صغيرة اشتغلت.
النور الضعيف كشف تلات رجال واقفين عند الباب.
واحد منهم كان مختار شريك عمي القديم الراجل اللي اختفى يوم وفاة عمي وماحدش عرف راح فين.
بصلي وابتسم أخيرًا فهمت إن عمك ما ماتش موتة طبيعية.
اتجمدت.
إيه؟!
ندى قربت مني بسرعة وهمست الوصية اللي معاك فيها دليل إنهم كانوا بيسرقوا أرض العيلة، وعمك اكتشفهم.
مختار ضحك وكان لازم يسكت.
حسيت الدم بيغلي في عروقي.
قتلتوه؟!
قال ببرود هو اللي رفض
يبيع وإنت كملت شغلنا من
غير ما تدري لما كسرت البنت اللي كان حاميها.
بصيت لندى والوجع في عينيها كان أهدى من إنه يبقى كره.
كأنها تعبت حتى من العتاب.
مختار مد إيده هات الوصية ونعتبر الليلة عدت.
لكن قبل ما أتحرك تليفوني رن.
رقم المستشفى.
رديت بسرعة، وقلبي بيقع ألو؟!
صوت الدكتور جه متوتر الحق ابنك في حد حاول يدخل أوضته من شوية، والطفل اختفى!
الدنيا اسودت في وشي.
إيه؟!
ندى شهقت ياسين!
مختار ابتسم ابتسامة باردة قولتلك الاختيار هيبدأ.
في اللحظة دي فهمت كل حاجة.
هما مش عايزين الورق بس
هما عايزين يضمنوا إني أسكت.
جريت ناحية الباب، لكن الرجال وقفوا قدامي.
ولأول مرة في حياتي ما فكرتش في نفسي.
دفعت أول واحد بكل قوتي، واتخانقت معاهم بشكل هستيري، وأنا كل اللي في دماغي صورة ياسين.
ندى مسكت العصاية الخشب اللي جنب الباب وضربت بيها واحد منهم عشان تفتحلي طريق.
صرخت اجري! هات ابنك!
جريت.
وصلت المستشفى وأنا بنهج، والدنيا مقلوبة.
الممرضات بيعيطوا، والأمن بيدور.
وفجأة
سمعت صوت طفل بيعيط.
جريت ناحية الصوت.
ولقيت شيرين قاعدة في آخر الممر ياسين وبتترعش.
بصتلي بدموع لأول مرة أنا كنت غلطانة كنت فاكرة الفلوس والحياة أهم من الناس.
أخدت ابني منها
في اللحظة دي بس حسيت إني أب فعلًا.
بعد ساعات، الشرطة قبضت على مختار والرجالة بعد ما ندى سلمت الوصية وكل الأدلة.
واتثبت إن عمي اتقتل فعلًا بسبب الأرض.
أما ندى
اختفت.
كأنها كانت مهمة وخلصت.
دورت عليها شهور.
لحد ما لقيتها في نفس المستشفى بس المرة دي مش عاملة نظافة.
كانت لابسة يونيفورم تمريض.
عرفت إنها كانت بتدرس بالليل وتشتغل الصبح، وكل مرتبها كانت بتحوشه عشان تكمل تعليمها.
وقفت قدامها، وأنا مش لاقي كلام يكفي الخراب اللي عملته فيها.
قلت بصوت مكسور أنا ظلمتك.
ندى بصتلي طويل، وبعدين قالت بهدوء أنا سامحت بس النسيان
حاجة تانية.
سكتت، وبصت لياسين اللي نايم في وابتسمت لأول مرة بصدق.
وفي اللحظة دي فهمت
إن بعض الناس ربنا بيبعتهم في حياتنا مش عشان نملكهم
لكن عشان يعلمونا نكون بني آدمين.

تم نسخ الرابط