روايه أمي رمتني ورجعت تاخد حتة مني بقلم شروق خالد

لمحة نيوز


بسب شغلي في الكنيسة.
بصيت لها وكنت حاسة ببرود غريب، كأني ميتة من جوه. سألتها بصوت واطي يعني أنتم مابحثتوش عني عشان توحشتوني؟ مابحثتوش عني عشان تطلبوا السماح على ال 20 سنة اللي ضاعوا؟ أنتم رجعتوا بس عشان عايزين حتة من جسمي؟
بدأت تبرر وتعيط وتقول إن الظروف كانت صعبة، وإنهم سابوني في بيت ربنا عشان كانوا واثقين إنه أحن عليا منهم، وإنهم كانوا فقراء وميقدروش يربوا بنتين. كلام كتير ملوش طعم، رخيص زي الابتسامة اللي وزعتها عليا وهي ماشية وأنا عندي 4 سنين.
قالت لي بلهفة أختك ذنبها إيه؟ هي كانت طفلة زييك، بلاش تعاقبيها بذنبنا.
في اللحظة دي، تمنيت لو مكنتش سألت. كنت أتمنى أفضل فاكرة إنهم ماتوا في حادثة، أو تاهوا، بدل ما أعرف إنهم رجعوا بس ك تجار أعضاء بيحاولوا ياخدوا مني اللي فاضل عشان ينقذوا البنت اللي اختاروا يربوها وسابوني أنا.
بصيت لماما مارجريت اللي كانت واقفة بعيد بتبص لي بخوف، وافتكرت كل ضفيرة ضفرتها لي، وكل لقمة أكلتني إياها، وافتكرت إن العيلة مش بالدم، العيلة باللي بيقف جنبك وأنت مكسور.
بصيت لأمي الحقيقية

وقلت لها بمنتهى الهدوء أنا هعمل الفحوصات، وهتبرع لها.. مش عشانك، ولا عشان هي أختي، بس عشان ماما مارجريت علمتني إننا بنعمل الخير عشان إحنا ولاد أصول، مش عشان الناس تستاهل.
عملت العملية، وأختي عاشت. وبعد ما فاقت، دخلت عليها الأوضة، كانت بتبص لي بكسوف ونظرة ذنب. أمي كانت عايزة تحضنني وتقولي خلينا نفتح صفحة جديدة، بس أنا زقيت إيدها براحة وقلت لها
أنا وفيت بالوعد اللي قلتي لي عليه وأنا عندي 4 سنين.. قلتي لي ربنا هياخد باله منك، وفعلاً بعت لي ست أحسن منك بمليون مرة ربتني. ودلوقتي أنا رديت الجميل لربنا في أختك. من فضلك، اخرجوا من حياتي تاني، والمرة دي.. بلاش تبصوا وراكم وأنتوا ماشيين.
خرجت من المستشفى ورجعت لبيتي البسيط، ولريحة اللافندر، وللمكان اللي انتميت ليه بجد. عرفت إن دكة الكنيسة مكنتش النهاية، دي كانت البداية لحياة أنا اللي اخترت أبطالها، مش هما اللي اختاروا يرموني فيها.
عدت أسابيع بعد العملية، وأختي بدأت تتعافى. كانوا بيحاولوا يتصلوا بيا كل يوم، يبعتوا رسائل مليانة حب متأخر عشرين سنة، وكأن قطعة الكبد
اللي خدتها أختي كانت هي الوصلة اللي هترجع العيلة لبعضها. لكن الحقيقة كانت عكس كدة تماماً؛ كل ما كنت ببص للجرح اللي في جسمي، كنت بفتكر إنهم ما رجعوش عشاني، رجعوا عشان مصلحتهم.
في يوم، لقيتهم واقفين قدام باب بيت ماما مارجريت. بابا، اللي مكنتش فاكرة ملامحه، كان شايل ورد وأمي كانت جايبة معاها أكل بيتي، وكأنهم رايحين زيارة عائلية عادية.
وقفت على الباب ومنعتهم يدخلوا. قلت لهم بصوت ثابت الزيارة دي مالهاش مكان هنا.
أمي بدأت تعيط وتقول يا بنتي إحنا ندمانين، وعايزين نعوضك عن كل اللي فات، أختك بتموت عشان تشوفك وتتشكر منك.
بصيت لبابا وقلت له أنا مش محتاجة تعويض، أنا اتعوضت فعلاً. الست اللي جوه دي هي اللي شالتني لما أنتم رميتوني، هي اللي علمتني أمشي وأنا مكسورة. أنتم دلوقتي جايين تاخدوا لقطة الأمومة والأبوة بعد ما الحمل بقى خفيف والبنت خفت؟
ماما مارجريت خرجت من جوه، وبصت لهم بهدوء وقالت كلمة واحدة سيبوها تعيش السلام اللي هي صنعته لنفسها.
اللحظة دي كانت هي المواجهة الحقيقية. بابا حاول يتكلم عن صلة الرحم، فضحكت
بمرارة وقلت له صلة الرحم دي كانت فين وأنا عندي أربع سنين وببكي على دكة الكنيسة؟ كانت فين وأنا بسأل نفسي كل ليلة أنا عملت إيه غلط عشان ترفضوني؟ أنتم سقطتوا من حساباتي اللحظة اللي قفلتوا فيها باب الكنيسة وراكوا.
سيبتهم واقفين على الباب وقفلته. دخلت لماما مارجريت، حضنتها وحسيت لأول مرة إن الجرح اللي في جسمي بدأ يلم بجد، مش جرح العملية، لكن جرح الروح.
بعد شهور، عرفت إنهم سافروا تاني لمكان بعيد، وأختي بعتت لي جواب طويل بتشكرني فيه وبتقول إنها مش هتقدر تضغط عليا، لكنها ممتنة لعمري كله. قريت الجواب وحرقته.. مش كره فيها، لكن عشان أعلن نهاية القصة دي للأبد.
دلوقتي، وأنا قاعدة قدام البيانو في الكنيسة، والضوء الملون لسا بيرسم أشكال على الأرض،
مابقتش ببص لمكاني القديم بحزن. أنا بقيت بعزف لحن حياتي اللي أنا اخترته. مارجريت قاعدة جنبي، بتسند راسها على كتفي، وأنا عارفة إن ربنا فعلاً أخد باله مني بس بطريقته هو.. بعت لي أم تانية، وحياة تانية، وقلب مابيعرفش يكره بس بيعرف يحمي نفسه.
تمت.
أمي رمتني.. ورجعت تاخد حتة مني
شروق
خالد

 

تم نسخ الرابط