روايه أمي رمتني ورجعت تاخد حتة مني بقلم شروق خالد
كان عندي 4 سنين لما أمي خدتني من إيدي ودخلنا كنيسة هادية، الضوء اللي جاي من الشبابيك الملونة كان راسم أشكال على الأرض. سكنتني على دكة خشب، عدلت لي لياقة الجاكيت الكحلي بتاعي كأننا رايحين مشوار عادي، ومالت عليا وهمست خليكي هنا يا حبيبتي.. ربنا هياخد باله منك.
وقامت من غير تردد، مسكت إيد بابا، وخدوا أختي الكبيرة في إيدهم ومشيوا في الممر الطويل.. خرجوا كأن مفيش حاجة غريبة حصلت. وأنا فضلت قاعدة، رجلي الصغيرة مش واصلة للأرض، كنت تايهة لدرجة إني معرفتش أعيط، ومكنتش فاهمة إن حياتي في اللحظة دي اتغيرت للأبد.
لسا فاكرة ريحة الشمع الدايب، وورق الكتب القديمة، وصوت الهمس البعيد.. بس أكتر حاجة مش قادرة أنساها هي لفتة أمي وهي بتبص وراها مرة أخيرة، وابتسامتها الصغيرة اللي مكنش ليها معنى وقتها ولا دلوقتي، كانت ابتسامة ست واثقة ومرتاحة، كأنها خلاص قررت إني مابقتش جزء من حياتها. أول ما الأبواب التقيلة اتفتحت، دخل هوا ساقع، وهما اختفوا.. عيلة كاملة
أول حد لقاني كانت راهبة، بعدها القسيس، وبعدين موظفة رعاية. مكنش حد عارف أنا مين، مكنش فيه ورقة، ولا كلمة تشرح اللي حصل.. بس بالتدريج، الحقيقة بدأت تظهر في كلام الكبار اللي كانوا فاهمين أكتر ما هما عايزين يقولوا. أهلي مشيوا، ومسابوش وراهم أي طريق يوصلنا ليهم.
بعد كام شهر في دار رعاية، خدتني ست اسمها ماما مارجريت. كانت قربت على الستين، عايشة لوحدها في بيت بسيط كله كتب وريحة لافندر. كانت بتكسب عيشها من عزف البيانو في الكنيسة رغم إن إيديها كانت دايمًا بتوجعها وبتتعب من السن، بس كان عندها هدوء وثبات يخلي أي طفل يحس بالأمان من غير كلام كتير. عمرها ما حاولت تزيّف الحقيقة، ولا ملت دماغي بكلام تصبير كداب. كانت شايفة إن الحقيقة لازم تتقال ببساطة عشان القلب يقدر يستوعبها. قالت لي فيه ناس بتمشي عشان بيحسوا إن الحمل تقيل عليهم، وناس بتمشي عشان قلوبهم قاسية، وناس تانية بتمشي عشان مش قادرين
ومارجريت فضلت موجودة في كل تفصيلة. كانت بتحضر لي ساندوتشات المدرسة، وبتحضر اجتماعات أولياء الأمور، وبتحاول بصبر تتعلم إزاي تضفر لي شعري. ومع الوقت، قعدتنا الهادية في البيت بدأت تمسح ذكرى دكة الكنيسة الباردة، وتحط مكانها ذكرى بيت حقيقي.
لما كبرت، اتعلمت أبني حياة مش قايمة على اللي ضاع مني. مارجريت علمتني إن الاستقرار مش حاجة بنستناها، دي حاجة إحنا اللي بنصنعها باختياراتنا كل يوم. ذاكرت وتعبت، ودخلت كلية بفضل منحة دراسية. اكتشفت إن رجوعي للكنيسة مابقاش يفتح جروحي القديمة زي ما كنت خايفة، بالعكس، المكان اللي كان رمز للخسارة بقى هو مكاني الآمن.
لما بقى عندي 24 سنة، بقيت مسئولة عن الأنشطة الاجتماعية في الكنيسة؛ بنظم شنط الأكل، بساعد العائلات في الأوراق الرسمية، وبشرف على برامج الأطفال. وساعات كنت بقعد أعزف على البيانو مكان
وفجأة، وبعد عشرين سنة من اليوم اللي اتسابت فيه، لقيت الست دي واقفة قدامي في الكنيسة.. عينيها غرقانة دموع وبتقول لي إحنا محتاجين لك يا بنتي.. ولما عرفت السبب، تمنيت لو كنت فضلت تايهة وماعرفتش الحقيقة أبداً.
وقفت قدامي بملامح كبرت وشاخت، كانت بتترعش وهي ماسكة إيدي، والدموع نازلة على وشها اللي كان فيه يوم من الأيام نفس الابتسامة الباردة اللي سابتني بيها. إحنا محتاجين لك يا بنتي، أختك بتموت وماحدش هيقدر ينقذها غيرك.
خدتني على جنب وبدأت تحكي وهي بتنهج. أختي الكبيرة، اللي خدوها في إيدهم وسابوني، عندها فشل كبدي حاد، وحالتها متأخرة جداً، وماحدش في العيلة نفع يكون متبرع ليها غيري أنا، بعد ما عملوا تحريات ووصلوا لمكاني وبحثوا في سجلي الطبي اللي كان متاح