كنت واقفه في المطبخ

لمحة نيوز

كنت واقفة في المطبخ بجهز العشا، لما أحمد دخل وقال بنفس البرود:
— سارة جاية تعيش معانا من بكرة.
الكلمة نزلت تقيلة… بس أنا ما اتكلمتش.
كل حاجة حواليّا كانت ماشية بنظام غريب: السكينة بتقطع الجزر بنفس الإيقاع، الشوربة بتغلي بهدوء، وأنا… كنت أهدى من اللازم.
سألته بس: — سارة هتنام فين؟
قال بسرعة: — هنجهز أوضتك اللي بتكتبي فيها ليها مؤقتًا.
أوضتي.
المكان الوحيد اللي كان ليا فعلًا في البيت ده… اللي كنت بشتغل فيه، وبكتب، وببني حاجة باسمي.
لكنّي قولت: — ماشي.
وهو صدق.
افتكر إن سكوته انتصار… وإني وافقت.
بس الحقيقة؟ أنا كنت خلاص بدأت أخرج من اللعبة.
من فترة، كنت ملاحظة حاجات غريبة…
أحمد بقى بيتعامل مع البيت كأنه مشروع… مش حياة. قرارات لوحده، مصاريف بتتعمل من غير نقاش، أوراق بيطلب مني أوقّع عليها وهو بيقول "إجراءات بس"، وتحويلات مالية باسمي من غير ما أفهم تفاصيلها.
كل حاجة كانت بتتغير… بس بهدوء.
وأنا؟ ما واجهتوش.
أنا بس بدأت أجهّز "خروجي".
تاني يوم، خرجت عادي.
وهو حتى ما بصّش لي.
الساعة 3، عدّيت قدام البيت مع أختي منى… وشوفته وهو داخل كراتين مع سارة.
كان باين عليه راضي جدًا عن نفسه… كأنه ظابط الدنيا.
بس أنا ساعتها كنت خلاص برّه الصورة.
بعدها بساعة، كنت في شقة جديدة… هادية، فيها نور، ومكتب صغير مستنيني.
والموبايل بيرن.
أحمد.
مرة… واتنين… وثلاثة.
وبعدين رسالة: "نهى، البيت مش ماشي من غيرك… في حاجات محتاجين نتكلم فيها."
ابتسمت.
مش علشان

صدقته… علشان فهمت.
هو مش محتاجني أنا… هو محتاج السيطرة اللي راحت منه.
لما رديت عليه أخيرًا، قال بسرعة: — لو الموضوع مضايقك نحلّه… مش لازم نكبره.
ضحكت.
— الموضوع كبر من يوم ما خدت قرار لوحدك يا أحمد.
سكت.
أنا كملت: — إنت مشكلتك مش سارة… مشكلتك إنك فاكر كل حاجة تتظبط من غير ما تسألني.
قفلت المكالمة.
وفتحت اللابتوب.
ملف واحد بس كان كفاية يغيّر كل حاجة: "العقد"
كل التوقيعات اللي مضيتها… كل الفلوس اللي دخلت باسمي… كل حاجة كان بيحاول يديرها لوحده…
كانت في الحقيقة… راجعة لي أنا.
بعد شوية، اتصال من مكتب التوثيق: — في مراجعة لنقل ملكية جزئي باسم حضرتك.
ساعتها بس… الصورة وضحت.
هو كان بيلعب لعبة أكبر من إنه يفهمها… وأنا كنت الورقة اللي فاكرها أضعف حاجة.
لما قابلته بعدها، كان أول مرة أشوفه متوتر.
— إنتي عملتي إيه يا نهى؟
بصيت له بهدوء: — أنا ما عملتش حاجة… أنا بس بطّلت أسيبك تتحكم.
سكت.
سارة كانت واقفة بعيد، باين عليها إنها بدأت تفهم إن الموضوع مش "حياة مشتركة" زي ما اتقال لها… ده حاجة أكبر.
الموبايل رن.
المحامي.
— في قضية اتفتحت… وفي تحويلات باسمك محتاجة توضيح.
بصيت لأحمد.
وشه اتغيّر.
وقتها قلت بهدوء: — إنت كنت فاكر إنك بتظبط الدنيا… بس الحقيقة إنك كنت بتلعب بحاجة أكبر منك.
سكت.
وأنا لفيت ومشيت.
المرة دي… ما كانش هروب.
كان خروج نهائي.
من بيت… من دور… من لعبة…
ما كانتش بتاعتي من الأول.الشارع كان هادي… بس جوايا كان في صوت واضح جدًا
بيقول: “دي مش النهاية… دي بداية الحساب.”
خطوتين كمان، والموبايل رن.
نفس الرقم: "المحامي"
رديت.
— أستاذة نهى، لازم تعرفي إن في طرف تالت دخل على الخط بشكل رسمي… وبيطالب بحقوق في نفس العقود.
وقفت مكاني.
— طرف تالت مين؟
سكت لحظة، وبعدين قال: — اسم قديم… كان موجود في أول تأسيس الحسابات… بس اختفى بعد كده.
قلبي دق مرة واحدة ببطء.
"شريك قديم".
نفس الاسم اللي ظهر قبل كده.
قبل ما أسأل، سمعت صوت عربية بتقف جنبي.
لفّيت.
عربية سودا… نضيفة زيادة عن اللزوم… وزجاجها غامق.
الباب اتفتح.
ونزل راجل… في الأربعينات، هادي جدًا، لابس بدلة بسيطة… بس حضوره تقيل.
بص لي كأنه عارفني من زمان.
— نهى.
ما سألش… ما استأذنش… قال اسمي وكأنه متأكد.
— مين حضرتك؟
ابتسم ابتسامة خفيفة: — ممكن تقولي… إني الغلطة اللي أحمد ما حسبلهاش حساب.
أحمد قرب بسرعة من بعيد: — إنت مين؟!
الراجل ما بصّلوش حتى… عينه كانت عليّا أنا.
— كل حاجة اتبنت باسمك يا نهى… بس مش بإرادتك الكاملة… وأنا كنت سايب الموضوع يمشي لحد ما الصورة تكمل.
أنا عقدت حواجبي: — وإنت عايز إيه دلوقتي؟
رد بهدوء: — أظبط الفوضى… بطريقتي.
أحمد اتوتر أكتر: — الفلوس دي شغلي أنا! وأنا اللي كنت بدير كل حاجة!
الراجل أخيرًا بص له… نظرة واحدة بس كفيلة تسكّته: — إنت كنت واجهة… مش أكتر.
سارة كانت واقفة ورا، ساكتة تمامًا… كأنها خرجت من المشهد خلاص.
أنا أخدت نفس عميق: — اختصر… أنا ليا إيه في كل ده؟
ابتسم: — كل حاجة.
سكت لحظة،
وسيب الكلمة تقع.
— الحسابات باسمك… الملكية الجزئية باسمك… حتى التحويلات الأخيرة… اتعملت علشان تثبّت ده.
أحمد بص لي بصدمة: — إيه؟!
أنا ما بصّتش له… كنت مركزة مع الراجل.
— يعني أنا صاحبة القرار؟
— من أول يوم… بس إنتي بس اللي ما كنتيش شايفة.
الهواء سكت حوالينا.
وأنا فجأة… فهمت.
كل حاجة كانت بتتحرك حواليا… وأنا فاكرة نفسي خارجها.
بس الحقيقة؟ أنا كنت في النص… من غير ما أعرف.
المحامي رجع على الخط: — أستاذة نهى، لازم تاخدي قرار بسرعة… يا إما تدخلي تديري الوضع بنفسك… يا إما هيتم تجميد كل حاجة.
قفلت المكالمة ببطء.
وبصيت قدامي…
أحمد… متوتر، تايه، فقد السيطرة.
سارة… واقفة، مش فاهمة هي فين.
والراجل… مستني.
ابتسمت.
بس المرة دي… ابتسامة مختلفة.
— تمام.
بصوا لي كلهم.
كملت: — هننهي الموضوع… بس على طريقتي أنا.
بصيت لأحمد: — أول حاجة… تخرج من كل حاجة ليها علاقة باسمي.
حاول يتكلم: — نهى أنا—
رفعت إيدي: — اتأخرت.
بصيت للراجل: — وأنا هدخل… بس بشروطي.
رفع حاجبه: — اللي هي؟
قربت خطوة… بصيت له في عينه مباشرة: — مفيش لعب من ورا ضهري تاني… أي حاجة تتحرك، تبقى بعلمي.
سكت… وبعدين ابتسم: — اتفقنا.
لفّيت وركبت العربية معاه.
منى كانت واقفة بعيد، بتبص لي بذهول.
أديتها نظرة واحدة… طمّنتها.
والعربية اتحركت.
وأنا ببص من الشباك…
شفت أحمد واقف في الشارع.
لوحده.
أول مرة… من غير ما يكون ماسك خيط.
جوا العربية، الراجل قال بهدوء: — مبروك… دخلتي اللعبة رسمي.
بصيت
قدامي…
وقلت: — لأ.
سكت.
كملت وأنا عيني ثابتة: — أنا مش داخلة اللعبة…
ابتسمت ابتسامة خفيفة، بس واثقة:
— أنا اللي هغيّر قواعدها.

تم نسخ الرابط