روايه بطاقه الائتمان

لمحة نيوز

دخلت أم مشردة البنك وهي بخوف ، قلبها كان بيدق من الخوف وهي ماسكة في إيدها فيزا قديمة ومقشرة ورثتها عن جدها اللي مات.. كان كل أملها تلاقي فيها كام دولار يسندوا طولها ويأكلوا عيالها. لكن أول ما الموظفة حطت الكارت في المكنة، الصالة كلها اتسرقت من السكوت، والرقم اللي ظهر على الشاشة خلى الكل مش مصدق عينيه.
في اليوم اللي دخلت فيه كلارا فيلاسكيز الصالة الرخام لبنك آيرون كريست، كل اللي شافها افتكرها تايهة.. ومش تايهة بمعنى مش عارفة الطريق، لا، دي كانت تايهة عن الدنيا وما فيها.
كان باين عليها إنها جاية من عالم تاني خالص غير العالم اللي هي فيه ده. المعطف بتاعها كان خفيف ودايب، ميعملش حاجة في برد يناير اللي بيكسر العضم. شعرها كان ملموم لِمة أي كلام وبدأ يتفك منها من بدري. كانت شايلة بإيد ابنها الصغير ماتيو وهو بيكح كحة تقطع القلب، وبالإيد التانية كانت متبتة في صوابع بنتها اللي عندها 9 سنين.
أول ما عدوا من الباب، الهوا الدافي لفهم، وكلارا غمضت عينيها واستسلمت للحظة.
دفا.
دفا حقيقي.. مش زي الدفا الهزيل اللي كانت بتستخبى فيه في ممرات المترو ولا حمامات المحطات.
بقالها 3 أسابيع هي وعيالها في الشارع. 3 أسابيع بتنيم عيالها في حتت ميصحش بني آدم ينام فيها. 3 أسابيع بتضحك على بنتها وتقولها ده وضع مؤقت يا حبيبتي، وبتقنع نفسها إن بكره أحسن.. بس بكره ده مبيجيش أبداً.
وفي الصباح ده، لما ماتيو كح لدرجة إن جسمه الصغير كان بيتنفض، كلارا اعترفت بالحقيقة اللي كانت بتهرب منها خلاص.. مفيش قدامي حلول تانية.
الكارت اللغز
الكارت ده ظهر بالصدفة. كانت قاعدة على كنبة خشب في الشارع، والتلج حواليها في كل حتة، بتدور في بطانة شنطتها المقطوعة على أي فكة

تايهة، يمكن تجمع تمن كوباية شاي تدفي زور ماتيو.
لكن فجأة، صوابعها لمست حاجة معدن. تقيلة وباردة. طلعتها ببطء.. كان كارت.
بس مكنش بلاستيك زي الكروت اللي الناس بتشيلها اليومين دول؛ كان نحاس ولونه غامق من كتر الركنة والزمن. الحواف بتاعته كانت ممسوحة، وعليها نقوش ناعمة كأنها لغز ملوش حل.
كلارا فضلت باصة للكارت، وفجأة افتكرت..
الجد إستيبان
افتكرت مطبخ ريحته قرفة.. كان عندها 10 سنين لما جدها أداها الكارت ده.
جدها إستيبان كان راجل هادي، دايما ريحته قهوة وخشب قديم. بيته كان مليان كتب وشطرنج، وكل يوم حد كانت تقعد قدامه ويهزمها في كل دور بصبر وطولة بال.
كان دايماً يقولها وهو بيخبط بصباعه على الطرابيزة إنتي متسرعة يا بنتي.. الحياة دي زي الشطرنج، لازم تحسبي تلات خطوات لقدام قبل ما تتحركي.
وفي يوم، بعد ما غلبها كالعادة، طلع الكارت المعدن ده من جيبه وحطه قدامها وقالها
ده ليكي من دلوقتي.
كلارا قلبت الكارت وقالتله باستغراب إيه ده يا جدي؟.
ضحك وقالها ده تأمين.
تأمين على إيه؟.
تأمين على الحياة.. لو الدنيا ضاقت بيكي في يوم وقفلت كل الأبواب في وشك، خدي الكارت ده وروحي بنك آيرون كريست.
كلارا ضحكت وقتها وقالتله وهيعملي إيه يعني؟.
رد عليها بابتسامة باهتة أتمنى إنك متعرفيش الإجابة أبداً.
الموظفة أول ما شافت الأرقام، لسانها أتربط. بصت ل كلارا اللي واقفة بترتعش، وبعدين بصت للشاشة تاني وهي بتمسح عينها، كأنها بتطمن إنها مش بتحلم. الصمت اللي حل في الصالة كان مرعب، لدرجة إن صوت كحة ماتيو الصغيرة كانت بترن في المكان زي الرعد.
مدير البنك خرج من مكتبه وهو بيعدل نضارته، وشه كان مخطوف. الموظفة شاورتله على الشاشة وهي إيدها بتترعش، المدير بص، وبرق،
ووقف مكانه كأنه اتصنم.
قرب من كلارا ببطء، وبنبرة صوت اتغيرت 180 درجة، من الرسمية للهيبة الممزوجة بالخوف، قالها
يا فندم.. حضرتك تعرفي الكارت ده فيه كام؟
كلارا بلعت ريقها بصعوبة، وحضنت بنتها أكتر وهي بتقول بصوت مهزوز
يا بيه أنا بس كنت محتاجة أي حاجة.. أي مبلغ أجيب بيه دواء لابني وأكلهم.. لو الكارت فيه 10 دولار بس أنا راضية..
المدير ابتسم ابتسامة باهتة، وعيونه دمعت من منظرها وقال
10 دولار؟ يا مدام كلارا.. الحساب ده ملمسوش إيد من سنة 1986.. الجد إستيبان مكنش سايبلك تأمين، ده كان سايبلك نصيب في أصول البنك نفسه.. الرقم اللي قدامي ده يشتري الحي اللي إحنا واقفين فيه ده كله!
الناس اللي في البنك بدأوا يتوشوشوا، والعيون كلها بقت على الست المشردة اللي من ثواني كان الكل بيبعد عنها عشان ريحة لبسها أو شكلها. الموظفة اللي كانت بتبصلها بملل، قامت وقفت وقدمت لها كرسين لولادها بسرعة وهي بتقول تحبي تشربي إيه يا فندم؟
كلارا مسمعتش السؤال.. هي كانت باصة للكارت النحاسي اللي في إيد المدير، وافتكرت جملة جدها أتمنى إنك متعرفيش الإجابة أبداً.
دلوقتي بس عرفت إنه كان قصده إنها متعرفش الإجابة غير لما الدنيا تضيق بيها فعلاً، عشان في اللحظة اللي كانت فاكرة إنها انتهت، كان جدها بيحرك قطعة شطرنج من الماضي عشان يقلب الطرابيزة على الدنيا كلها وينقذها هي وعيالها.
المدير انحنى بهدوء وقالها يا مدام، عربية البنك الخاصة جاهزة تنقلك أنتِ والولاد لأي فندق تحبيه حالاً.. وإحنا هنا هنخلص إجراءات تحويل الثروة لاسمك.
كلارا بصت لعيالها، ولأول مرة من 3 أسابيع، مكنتش محتاجة تكدب على بنتها وتقولها بكره أحسن.. لأن بكره وصل فعلاً، وكان شايل في إيده دهب.
بمجرد ما خرجت
من الباب الرخام، مكنتش مصدقة نفسها. عربية سودة فخمة كانت واقفة مستنياهم، السواق نزل فتح الباب بكل أدب وكأن كلارا دي ملكة مش واحدة كانت نايمة على الرصيف من كام ساعة.
ماتيو وصوفيا ركبوا وهما خايفين يلمسوا الكراسي الجلد بملابسهم المبهدلة، بس كلارا ضمتهم لحضنها وهي بتهمس خلاص يا حبايبي.. مفيش خوف تاني.
وصلوا لواحد من أفخم فنادق المدينة. المدير كان باعت توصية شديدة اللهجة إن الطلبات كلها تتنفذ في لمح البصر. أول ما دخلوا الجناح، صوفيا جريت على الشباك اللي بيبص على النيل، وماتيو اترمي على السرير الأبيض اللي كان ناعم زي السحاب.
كلارا وقفت قدام المراية الطويلة.. بصت لوشها التعبان، للهالات اللي تحت عينيها، وللكارت النحاسي اللي لسه في إيدها. فجأة، سمعت خبطة هادية على الباب.
فتحت، لقت موظف شايل لابتوب وشنطة جلد شيك.
مدام كلارا، المدير بعت لحضرتك المساعد الشخصي ده، وفيه حساب فرعي اتفتح حالاً بمبلغ بسيط عشان تقدري تتحركي وتشتري اللي محتاجاه إنتي والولاد لحد ما الإجراءات القانونية الكبيرة تخلص.
كلارا سألته بذهول يعني إيه مبلغ بسيط؟
الموظف ابتسم يعني حوالي 50 ألف دولار كبداية يا فندم.. تقدري تستخدمي الأبلكيشن ده من الموبايل اللي في الشنطة.
الباب اتقفل، وكلارا قعدت على طرف السرير، ورجليها مش شايلاها. 50 ألف دولار؟ دول بالنسبة لها كانوا خيال علمي. مسكت الموبايل الجديد وإيدها بتترعش، وبدأت تتصفح الحساب.. لكن فجأة، لقت رسالة مسجلة قديمة جداً متأرشفة جوه بيانات الحساب باسم إستيبان فيلاسكيز.
فتحت الرسالة وصوت جدها الرزين المبحوح ملى الأوضة
يا كلارا.. لو بتسمعي الرسالة دي، يبقى أنا غلبتك في دور الشطرنج الأخير، والدنيا حاصرت ملكك. الكارت
ده مكنش مجرد فلوس يا بنتي.. الكارت ده كان تمن سر
تم نسخ الرابط