روايه ابو ولادى بقلم اماني سيد

لمحة نيوز

مبكرة يا بابا، إحنا مش عايزين لبس ماركات، إحنا بس كنا عايزينك تحس بينا زي ما بتحس بيهم.. بس دلوقتي، حتى ده مش عايزينه.
السكوت اللي ساد الأوضة كان أرعب من أي زعيق. حسيت لأول مرة إن الخسارة بدأت تلمس قلبه بجد، مش خسارة الفلوس، لكن خسارة هيبته في عين ولاده.
مرّت لحظات الصمت وكأنها سنين. كان بيبص لابنه بنظرة فيها ذهول، مش مصدق إن الطفل اللي كان بيجري وراه عشان يلعب كورة، بقى واقف قدامه بكتف مفرود وعين مليانة خيبة أمل. حاول يداري ارتباكه بالزعاق المعتاد إنتوا اتجننتوا؟ بتعلوا صوتكم عليا عشان حتة لبس؟ أنا اللي شقيان وتعبان عشانكم!
رد ابني بمنتهى الهدوء اللي بيحرق الأعصاب الشقى مش بس فلوس يا بابا.. الشقى إنك تهون علينا وتخلينا نحس إننا حمل تقيل عليك، في حين إن غيرنا اللي مش من دمك هما اللي شايلين الشيلة ومعاهم المفاتيح.
خرج من الأوضة وهو بيبرطم بكلام مش مفهوم، ومن ليلتها البيت اتقسم بجد. المدام بدأت تحس إن البساط بيتسحب من تحت رجليها، فبدأت تزود جرعة التمثيل؛ بقت تطلب منه طلبات خيالية لأولادها بس عشان تثبت لنفسها ولنا إنها لسه المسيطرة. لكن المرة دي، كان فيه حاجة اتغيرت في نظراته.. كان بيلبي الطلبات، بس وهو مكسور، عينه
كانت بتزوغ مننا وهو داخل بالشنط، وكأنه شايل جمر نار مش هدايا.
النقطة الفاصلة كانت لما تعب ابني الصغير فجأة بالليل، سخونية ونهجان مبيقفش. جريت عليه بلهفة، وكنت محتاجة العربية عشان نروح المستشفى. خبطت على بابه، طلعت لي هي ببرود وقالت كامله على صفحتى قصص وروايات أمانى سيد والله يا حبيبتي هو نايم وتعبان، وبعدين العربية لسه راجعة من مشوار بعيد ومحتاجة بنزين.. استني للصبح.
هنا، القطة المغمضة اللي كانت جوايا اتحولت لأسد. زقيت الباب ودخلت له وهو صاحي وسامع كل كلمة. قلت له بصرخة هزت الحيطان لو ابني جرى له حاجة، لا برستيج ولا تمثيل هينفعك.. النهاردة هتعرف الفرق بين اللي شاري خاطر أمهم، وبين اللي ضناه بيموت قدام عينه وهو بيتفرج.
قام مخضوض، وبص لمراته نظرة أول مرة أشوفها؛ نظرة واحد فاق من غيبوبة. أخدنا وطلعنا على المستشفى، وطول الطريق كان بيحاول يمسك إيد ابنه، بس الولد كان بيشد إيده منه وهو غايب عن الوعي.. وكأن جسمه رافض اللمسة اللي جات متأخرة قوي.
في ممر المستشفى، قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه وبدأ يبكي بصوت مسموع. مكنش بيبكي على مرض ابنه بس، كان بيبكي على الهيكل اللي بناه وطلع في الآخر من قش.
طلع الصبح وهو لسه قاعد
على كرسي المستشفى، هدومه اللي كان مهتم ب بريستيجها اتكرمشت، وعيونه كانت حمرا من التعب والدموع. لما الدكتور طمنا إن حالة ابني استقرت، دخلت الأوضة لقيته قاعد جنب السرير، ماسك إيد ابنه اللي لسه نايم وبيهمس بكلام مش مفهوم.
أول ما شافني داخلة، قام وقف وحاول يتكلم، بس الكلمات كانت بتتحشر في حلقه. قاطعته بمنتهى الجمود دلوقتي بس افتكرت إن ده ابنك؟ لما النفس كان هيقطع؟.
نكس راسه وقال بصوت مخنوق أنا مكنتش فاكر إن الموضوع وصل لكده.. مكنتش فاكر إنهم حاسين بكل ده.
ضحكت بوجع وقلت له إنت مكنتش عايز تشوف، كنت مغمض عينك بشنط البراندات وبكلام المدام المعسول عن جبر الخاطر. كنت بتهرب من مسؤوليتك الحقيقية لراحة مزيفة.. بس ابني وهو بيبعد إيده عنك في العربية، كان بيبعد قلبه كمان. دي أصعب خسارة يا أبو ولادي.
رجعنا البيت، وكان فيه صمت غريب بيخيم على المكان. المدام كانت واقفة في الصالة، مستعدة تبدأ جولة جديدة من التمثيل والشكوى، بس هو عدا من جنبها وكأنها هوا. دخل أوضته ولم شنطة هدوم، وخرج وقف قدامي وقدام ولادي اللي كانوا متجمعين.
طلع ظرف من جيبه وحطه على التربيزة، وقال بصوت فيه حزم مسمعتهوش من زمان ده حق الكورس اللي ابنك كان عايزه، وده
حق تمرين الكورة.. ومن هنا ورايح، مفيش قرش هيتصرف في البيت ده قبل ما ولادي ياخدوا حقهم تالت ومتلت، واللي مش عاجبه، الباب يفوت جمل.
بص لمراته اللي كانت واقفة مصدومة، وقال لها جبر الخاطر يبدأ بدمي ولحمي، واليتامى اللي كنتِ بتتحججي بيهم، ليهم رب يحميهم، لكن أنا ليّ ولاد هتحاسب عليهم.
في اللحظة دي، شفت في عيون ولادي نظرة غريبة.. مكنتش فرحة بالفلوس ولا بالتمارين، كانت نظرة انتصار هادي، نظرة طفل شاف أبوه بيرجع له هيبته تاني. بس الكسر اللي حصل في الشهور اللي فاتت مكنش هيتصلح بظرف فلوس أو بكلمتين حزم
قعدنا كلنا، وهو حاول يفتح كلام، بس الولاد قاموا واحد ورا التاني ودخلوا أوضهم بسكات. بص لي بكسرة وقال هما مش طايقين يبصوا في وشي؟.كامله على صفحتى قصص وروايات أمانى سيد 
قلت له الثقة بتبنيها في سنين، وبتهدمها في لحظة.. وإنت هدمت كتير قوي. عشان ترجع أبوهم بجد، محتاج تمشي طريق طويل من الطبطبة والحنية، مش بس تدفع فواتير.
مرت الأسابيع التالية ثقيلة، هدوء ما قبل العاصفة. حاول أبو ولادي يثبت حسن نيته بكل الطرق؛ بقى يرجع من شغله بدري، يقعد مع الولاد ويحاول يفتح معاهم كلام في دروسهم، ويجيب ليهم الهدايا اللي كان بيستخسرها فيهم.
لكن الجدران اللي اتبنت
تم نسخ الرابط