روايه ليلة انكسار الام بقلم منــال عــلي
ابني رفض يستضيفني 7 أيام وقالي إحنا مش دار رعاية.. ميعرفش إن بكرة هسحب البساط من تحت مملكته كلها
الليلة اللي غيرت مصير عيلة الشرقاوي للأبد، كانت ليلة شتا قاسية والمطر مبيبطلش. كريمة، مدرسة لغة عربية بالمعاش عندها 65 سنة، نزلت من التاكسي وهي بتجر رجلها اليمين بالعافية. كانت شايلة شنطة قماش صغيرة، وكيس أدوية فيه مسكنات قوية، ووجع في الحوض بيقطع نفسها مع كل خطوة. قبلها بساعات، اتزحلقت على سلالم السوق المبلولة، ودكتور الطوارئ كان كلامه واضح مفيش كسر الحمد لله، بس محتاجة أسبوع راحة تامة من غير حركة. بيتها القديم مفيش فيه أسانسير، وطلوع تلات أدوار يومياً كان انتحار. ملقيتش قدامها غير حل واحد منطقي.. تروح للي من دمها ولحمها. بقلم منال علي
الكمبوند اللي ساكن فيه ابنها أحمد في التجمع الخامس، كان هادي وفخم ومحمي ورا بوابات حديد ضخمة، بعيد تماماً عن أي وجع أو قهر. ورا البوابات دي كانت فيه عربيتين أحدث موديل مركونين في صمت. كريمة خبطت على جرس الفيلا وهي بتترعش من برد نوفمبر والمطر اللي غرق هدومها. استنت 4 دقايق كاملين لحد ما الباب اتفتح.
لما الباب الخشب التقيل اتفتح أخيراً، ظهر أحمد. كان لابس ترينج براند عالمي، وعلى وشه علامات الضيق والزهق اللي كريمة عارفاها فيه من وقت ما كان مراهق. وراه، ومنورة تحت إضاءة المطبخ الحديثة، كانت ريهام مراته. الست اللي
ماما؟ أحمد سألها وهو بيعقد حواجبه وبيبص للشنطة باستغراب إيه اللي جابك في الوقت ده وفي الجو ده؟
كلمتك تلات مرات على الموبايل يا ابني ومردتش، كريمة ردت وهي ساندة بكل قوتها على حرف الباب عشان متقعش من الألم وقعت النهاردة والدكتور أمرني متحرّكش ولا أطلع سلم. محتاجة بس أسبوع في أوضة الضيوف.. 7 أيام لحد ما الورم يهدأ وأقدر أمشي. مش هحسسكم بوجودي والله.
أحمد نفخ بضيق، وطلع الهوا من مناخيره كأنه بيخلص ورقة حكومية مملة. ريهام من جوا الفيلا حطت رجل على رجل وشربت من كاسها ببطء من غير ولا كلمة. في اللحظة دي، سلمى الحفيدة اللي عندها 7 سنين، طلعت براسها من ورا سور السلم وهي لابسة بيجامتها البمبي.
بابا، تيتة مبلولة وشكلها تعبان، البنت قالتها ببراءة الفطرة اللي الكبار فقدوها. بقلم منال علي
على أوضتك فوراً يا سلمى، أحمد أمرها من غير ما يلتفت لها. وبعدين بص لأمه بعيون قاسية وقال الجملة اللي شرخت روح كريمة الوقت مش مناسب يا ماما. الفيلا هنا مش دار مسنين ولا إحنا جمعية خيرية.. لازم تمشي دلوقتي.
السكوت اللي حصل بعد الجملة دي كان أبرد من مطر الشتا. كريمة، نفس الست اللي باعت بيتها وميراثها من 11 سنة عشان تدفع
ليلتها، كريمة رجعت شقتها وهي شايلة وجع جسدي ونفسي ميتوصفش. وبدموع الذل اللي كانت بتحرق خدودها، منامتش. نورت نور المطبخ، وفتحت درج قديم، وطلعت دوسيه أحمر تقيل مليان أوراق بنكية وقانونية. إيدها كانت بتترعش وهي بتبص للأوراق اللي بقالها سنين متغطية بالتراب. محدش في الفيلا الفخمة دي كان يتخيل إن الست العجوزة اللي طردوها دي، معاها المفتاح اللي يهد مملكتهم فوق دماغهم.. ومن الفجر بدأت ترتب لرد اعتبار قاسي.. ومحدش هيصدق الجحيم اللي هيحصل الصبح.
يتبع......
الساعة دقت 4 الفجر، وكريمة لسه قاعدة على ترابيزة المطبخ الخشب. وجع وركها مكنش ييجي حاجة جنب الوجع اللي في قلبها، بس عقلها كان في قمة الصفاء. قدامها تحت نور اللمبة الأصفر، كان فيه 15 كشف حساب بنكي، و عقود متوثقة، وعشرات الإيصالات.
على مدار 27 سنة، كريمة كانت بتشتغل ورديتين مدرسة لغة عربية في مدرسة حكومي. اتطلقت وهي عندها 52 سنة، وبفلوس مكافأة نهاية الخدمة وبيع شقة العيلة اللي كبرت فيها أحمد، قدرت تمول حياة الرفاهية اللي هو بيتباهى بيها دلوقتي. بس الورقة الأهم في الدوسيه ده، مكنتش وصل مقدم الفيلا، كانت عقد بنكي اتمضى من
لما شركة الشحن والنقل بتاعة أحمد كانت لسه في البداية والبنوك قفلت الأبواب في وشه، راح لأمه وهو بيبكي. ترجاها تستخدم سجلها الائتماني النضيف عشان يفتح خط ائتمان للشركة بملايين الجنيهات. حلف لها 6 شهور بالظبط يا أمي، وأول عقد كبير ييجي هحول المديونية باسمي.
لكن ال 6 شهور بقوا 7 سنين. وخط الائتمان ده لسه شغال باسمها هي. هي الوحيدة اللي ليها سلطة قانونية ومسؤولية قدام البنك. أحمد بنى إمبراطورية النقل وحياة ريهام التافهة بالأكسجين المادي اللي بياخده من أمه.. خلاها الأساس اللي شايل ثروته، وفي الآخر استخسر فيها سرير لمدة أسبوع!
الساعة 9 الصبح، كريمة كانت قاعدة قدام مدير فرع البنك. دخلت وهي بتعرج وساندة على عصاية، بس راسها مرفوعة. راجعت الأوراق ومضت ب إيد ثابتة استغربتها هي شخصياً. أوامرها كانت قاتلة قفل خط الائتمان فوراً، تجميد أي سحب، رفض كل الشيكات اللي لسه متصرفتش، وإلغاء الكريديت كارد اللي ريهام كانت بتصرف منها في المولات.
الانفجار محصلش بعد شهور.. ده حصل في أقل من 48 ساعة.
يوم الأربعاء الظهر، تليفون كريمة رن بجنون. كان مروان حفيدها 10 سنين بيكلمها فيديو وهو مستخبي جوه الدولاب بقلم منال علي
تيتة كريمة.. بابا بيزعق جامد أوي في الصالة، وكسر الفازة في الحيطة. بيقول إنك عايزة تشردينا وتخربي الشركة. وماما مابتطلتش عياط وبتلم هدومها.