روايه ام وحيده
أم وحيدة مش لاقية سكن ورثت بيت بملاليم.. ومكنتش تعرف إن الحيطان دي مخبية وراها كنوز!
في مكتب المحامي في وسط البلد، الجو كان ريحته ورق قديم وقهوة مغلية وعفش متلمع.. مكان من اللي السكرتيرة فيه بتتكلم بوشوشة، كأن أي كلمة غلط ممكن تغير مصير عيلة كاملة.
"نورا" كانت قاعدة على طرف الكرسي، ببالطو قديم وجزمة متصلحة بلزق. عندها 36 سنة، وطفلين، ومعاها في شنطتها يا دوب 240 جنيه. على شمالها بنتها عمالة ترسم دوائر في ورقة، وعلى يمينها ابنها (6 سنين) نايم على دراعها من كتر التعب.. تعب الأطفال اللي مبيعرفوش يستقروا في مكان واحد بقالهم كتير.
أبوها مات من 5 أسابيع.. جلطة فجأة، وراح قبل ما الإسعاف توصل. مكنش راجل سهل، بس "نورا" هي اللي كانت معاه؛ هي اللي كانت بتسوق ساعات عشان توديه للدكاترة، هي اللي بتنظم دواه، وتستحمل سكوته، وتمضي على أوراق المستشفيات الريفية اللي محدش فيها عنده خلق لراجل عجوز وعنيد. معملتش كده عشان ورث، عملت كده عشان أبوها.. ولأن محدش
لا "رامي" ولا "سلوى" ظهروا.
"رامي" الكبير، عنده شركة لاندسكيب ومقاولات، وفنان في إنه يهرب من المسؤولية. و"سلوى" متجوزة واحد غني وعايشة في "كومباوند" شيك، ومكتفية برسائل قصيرة و"إيموجي" تهنئة في المناسبات. الاتنين مزاروش أبوهم من سنتين.
المحامي حط النضارة على طرف مناخيره وبدأ يقرأ الوصية بهدوء:
• "رامي" أخد حساب توفير فيه 800 ألف جنيه، وعربية "فورد" 2019، ومخزن كبير بكل معداته.
• "سلوى" أخدت محفظة استثمارات كويسة، غير العفش والساعات ودهب أمها القديم وكتب أبوها.
"رامي" اتنفس براحة وهو مبسوط، و"سلوى" ابتسمت بمكر.. ومحدش فيهم بص لـ "نورا".
المحامي سكت شوية، وطلع من ظرف كبير مفتاح قديم، مصدي وتقيل، وحطه على التربيزة:
"لبنتي نورا.. بسيب لها العقار اللي في 'طريق الطاحونة' رقم 22.. البيت بكل اللي فيه، والتلات فدادين ونص اللي حواليه."
هنا "رامي" انفجر من الضحك!
و"سلوى" خبت وشها وهي بتداري تريقتها.
"نورا" فضلت ساكتة.. وسألت
"رامي" رد وهو لسه بيضحك: "ده اشتراه في مزاد من سنين بمليم.. خرابة! بيت قديم ومحروق ومحكوم عليه بالإزالة.. محدش رضي يشتريه غيره."
"سلوى" كملت: "ده ميسكنش فيه بني آدمين! السقف واقع والحيطان منهارة.. الحقيقة، هو سابلك 'مصيبة' مش ورث."
المحامي زق الظرف لـ "نورا" وقالها: "فيه شرط.. ممنوع تبيعي البيت ده قبل 18 شهر من تاريخ الوفاة."
"رامي" صفر بتريقة: "يعني سابلك الضرايب والديون والفئران!"
و"سلوى" ميلة راسها بتمثيل: "بعد الـ 18 شهر، لو حابة، ممكن نعمل معاكي واجب ونشتريه منك بـ 200 ألف.. عشان بس منخسركيش كتير."
القوة من قلب الضعف
الإهانة كانت واضحة لدرجة إنها بتوجع. "نورا" أخدت المفتاح، كان تقيل وساقع في إيدها. بصت للمحامي وسألت: "ليه سابلي ده بالذات؟"
المحامي رد بجدية غريبة: "أبوكي قال إنه ساب لكل واحد من ولاده بالظبط اللي يستحقه.. وبالظبط اللي محتاجه. وقال كمان إنك إنتي اللي هتعرفي تعملي إيه بالبيت ده، حتى لو مفهمتيش
"رامي" و"سلوى" مشيوا وهما بيتكلموا عن التحويلات والفلوس، ولا فكروا يبصوا للأطفال اللي نايمين حتى بكلمة.
"نورا" فضلت لوحدها مع المفتاح وصورة للبيت.. الصورة كان فيها بيت أبيض قديم متهالك، الخشب بتاعه مقشر، وعليه يافطة قديمة مكتوب عليها: (عقار آيل للسقوط - ممنوع الدخول).
"نورا" بقالها 6 أسابيع عايشة هي وولادها في عربيتها "الهوندا" القديمة، من ساعة ما خسرت شغلها كـ "جليسة" ومبقتش قادرة تدفع إيجار. الفلوس اللي معاها بتخلص، وعندها فردة كاوتش بتسرب هوا، ودلوقتي معاها مفتاح لبيت "خرابة" في بلد متعرفهاش.
بصت للصورة كتير.. ووسط الخشب المكسور والحيطان اللي بتميل، شافت حاجة إخواتها مشافوهاش: الأساس لسه واقف.
وأحياناً، لما الست الدنيا بتضيق بيها، بيبقى "حيطة لسه واقفة" إشارة كفاية إنها تبدأ من جديد.
في نفس اليوم، ركبت ولادها العربية، وكتبت في الـ (GPS) "طريق الطاحونة 22".. واتوكلت على الله.
الطريق كان طويل ومكسر، ولما وصلت نورا قدام