روايه بيت الستر بقلم انجي الخطيب
كنز في بيت الستر
في بيت بسيط اشترته بكل ما تملك، فقط لكي تضمن ستر الله ولا تضطر للولادة في الشارع، اكتشفت أرملة كنزاً.. ومع الكنز رسالة بدت وكأنها كُتبت لها هي وحدها من دون العالمين.
في حي هادئ على أطراف مدينة طنطا، حيث البيوت القديمة تسند بعضها البعض، والزمن يترك بصمته على كل شرخ في الجدران، وقعت سارة على أوراق عقد البيت بإيدين مرتعشة. سارة عندها 32 سنة، في شهور حملها الأخيرة، وفقدت زوجها من 6 شهور بس في حادثة طريق قلبت حياتها رأساً على عقب. سارة لقت نفسها فجأة أرملة، ووراها ديون، ومستقبل ملوش ملامح بعيد تماماً عن أحلامها اللي رسمتها مع إبراهيم جوزها الله يرحمه.
البيت الصغير في شارع المنصور مكنش بيت أحلامها، لكنه كان المستطاع. بيت قديم، مهجور، دهانه مقشر، وأرضيته مش مستوية، وسقفه بيئن مع كل هبة ريح.. لكنه كان ملكها. والأهم من كل ده، إنه كان الضمان الوحيد إنها متولدش في مكان غير مستقر أو تتهان في بيوت الإيجار.
قضت سارة أول أيامها في البيت بعزيمة هادية. رغم تعب الحمل، كانت بتنظف كل ركن، وتلم الكراكيب، وبتحاول تخليه مكان ينفع للحياة. كل خطوة كانت بتعملها كانت بتحسسها إنها لسه مسيطرة على حياتها اللي اتكعبلت فجأة.
وفي يوم، وهي بتنظف العشة الضيقة اللي فوق السطوح، عينيها وقعت على صندوق خشب قديم، محشور تحت عرق خشب مكسور. الصندوق كان تقيل، غرقان في التراب، ومقفول بقفل صدىّ من سنين. الفضول مع غريزة جواها خلوها تحاول تفتحه.. وبعد محاولات كتير بأدوات قديمة لقتها جنبها، القفل اتكسر.
كانت فاكرة إنها هتلاقي كراكيب أو لبس قديم، لكن الصدمة خلت نفسها يتقطع.. لقت رزم فلوس مترتبة بعناية مالية الصندوق. بدأت تعد وهي مش مصدقة.. آلاف الجنيهات، مبلغ ضخم مكنتش تحلم بيه!
الموضوع مكنش صدفه..
تحت رزم الفلوس، لقت ظرف قديم لونه بدأ يصفر، ومكتوب عليه من بره بخط إيد واضح ومنظم، جملة خلت قلبها يقف من الرعب
إلى سارة الشربيني
سارة اتجمدت مكانها.. مفيش أي تفسير منطقي للي بيحصل! هي عمرها ما سكنت هنا، ولا تعرف حد من أصحاب البيت القدام، ولا في حد في المنطقة دي يعرف اسمها أصلاً!
فتحت الظرف بإيدين مرتعشة، وبدأت تقرأ.. وكل ما تقرأ، كانت بتحس ب قشعريرة في جسمها كله..
لأن اللي كتب الرسالة دي كان عارف عنها تفاصيل مستحيل غريب يعرفها.. وكان واضح جداً إن كل قرش في الصندوق ده، وكل طوبة في البيت ده، كانت مستنياها هي وبس!
الرسالة كانت بتبدأ بجملة عارف إنك دلوقتي خايفة،
الجزء الثاني أسرار المنصور
فضلت سارة قاعدة على أرضية العشة والرسالة في إيدها بتترعش. السكون اللي حواليها بقى تقيل، وكأن البيت نفسه كاتم نفسه وبيراقبها. رجعت تقرأ أول سطر تاني، ببطء، وهي بتحاول تهدي ضربات قلبها
لو الرسالة دي وصلت لإيدك يا سارة، يبقى أكيد لقتي الأمانة اللي سبتها.. أنا آسف إن الموضوع جه بالطريقة دي.
نغزة قوية صابت قلبها.. الموضوع مكنش صدفة، ده كان ترتيب دقيق.
الرسالة كانت ممضية باسم الحاج منصور الهواري. الاسم في الأول مكنش ليه أي صدى عندها، لكن مع كل كلمة كانت بتقراها، بدأت خيوط غامضة تتجمع في دماغها بشكل يخلي الجسم يقشعر. الراجل ده جاب سيرة إبراهيم جوزها، مش بس كلام عابر، ده ذكر تفاصيل مستحيل حد غريب يعرفها.. أزمتهم المادية، الحادثة، وحتى اسم المستشفى اللي ودعت فيه إبراهيم لآخر مرة.
إيد سارة بردت زي الثلج.
منصور شرح في الرسالة إنه من سنين طويلة كان شغال مع إبراهيم في شركة توريدات صغيرة. ومع الوقت، اكتشفوا إن الشريك الكبير في الشركة كان بيلعب بديله وبيختلس مبالغ ضخمة من وراهم. الاثنين مع بعض جمعوا كل الأدلة اللي تدينه.
لكن إبراهيم فجأة
أما منصور ففضل مكمل لوحده.. وفي الرسالة وصف إزاي الدنيا ضاقت عليه، تهديدات مبطنة، وضغوط خلت حياته جحيم، لحد ما في الآخر وصلوا معاه ل تسوية عشان يسكت تماماً. الفلوس اللي في الصندوق دي، زي ما كتب، كانت جزء من المبالغ اللي قدر يأمنها.. فلوس مش بتاعته، بس في نفس الوقت مكنش ينفع يسيبها في إيد ناس أكلت حق الغلابة.
سارة قبضت على الورقة بقوة.. طب ليه سابها ليها هي؟!
الرد جه في السطر اللي بعده.
منصور كتب إنه حاول يوصل لإبراهيم من سنين وفشل. ومؤخراً بس، ومن خلال أخبار الوفيات والسجلات، عرف بموت إبراهيم.. وعرف حالة سارة وظروفها الصعبة.
مقدرتش أصلح اللي فات، الرسالة بتقول بس قدرت أضمن إن الفلوس دي تروح لصاحب نصيبها، وتعمل حاجة ليها قيمة.
عينيها زغللت من الدموع.
شرح إنه رتب كل حاجة عشان يشتري بيت شارع المنصور ده بأسماء مستعارة وطرق ملتوية قبل ما يختفي هو تماماً، وسابه يقع في الديون والرهن عشان هو عارف إن سارة وهي بتدور على بداية جديدة ورخيصة هي اللي هتوصل ليه في الآخر.
كلام يبان كأنه فيلم.. بس هي كانت واقفة على الكنز والدليل قدام
آخر سطور