روايه ترميم الروح بقلم منــي الـسـيد
بدأ يتحرك في الصالة بخيلاء، ونهى بدأت تتمشى في الشقة وتتفرج على كل ركن وكأنها في معرض فنون مفتوح عشانها. سارة صاحبتي كانت واقفة بعيد، وبصت لي نظرة طويلة.. هزيت لها راسي هزة صغيرة.
دي كانت الإشارة.
الشقة ماكنتش واسعة أوي، وده اللي خلى قراره قمة في الإهانة.. مفيش مكان تهرب فيه من الإحراج. كل ركن في البيت ده فيه بصمتي.. الحيطان اللي دهنتها، الرفوف اللي ركبتها، حتى الكنبة اللي شريف كان بيتريق عليها.. ودلوقتي هو عازم ماضيه يتفسح وسط تعبي.
نهى لفت وبصت لي وقالت بصوت عالي البيت ذوقه رقيق أوي.. بجد تسلم إيديك.
كانت بتكلمني بس عينيها على شريف.
شريف رد بضحكة تسلمي يا نهى.. كان نفسنا البيت يكون له طابع عاقل وشيك.
عاقل.. الكلمة دي استوقفتني. وكأن العقل بيتقاس بالفرش والستاير مش بالاحترام اللي جوه الجواز.
قلت لنهى آخد منك البلطو؟
قلعته وادتهولي.. كان تقيل، صوف غالي، وريحته برفيوم مخلوط بهواء ساقع.
دخلت الأوضة أحطه.. قلبي كان بيدق بانتظام. مش عشان أنا مش مجروحة، أنا كنت مجروحة لدرجة تخليك تعوز تولع في البيت كله.. بس تحت الجرح ده كان فيه قرار. الغضب كان هيربطني بيه، لكن الهدوء كان بيفك كل العقد.
بصيت على شنطتي اللي مخبياها جوه الدولاب.. لمستها ثانية وكأن مسافر بيتأكد من باسبوره قبل ما يطلع الطيارة.
موجودة.. وجاهزة.
رجعت الصالة، لقيت شريف بيحكي قصة يوم ما نقلنا العفش،
نهى كانت بتضحك معاه.. ضحكة فيها عِشرة.
سارة قربت مني وهمست إنتي تمام؟
قلت لها جداً.
قالت لي بتركيز إنتي قررتي خلاص؟
هزيت راسي الليلة.
سألتني بصوت واطي محتاجة أضرب حد بالكرسي؟
ابتسمت لا.. لسه المشهد الأخير.
الساعة جت ٦، الشقة بقت زحمة.. وشريف عمال يتنقل بين المجموعات بزهو الراجل اللي عمل تجربة اجتماعية ونجحت. لحد ما نهى قالت الكلمة اللي مفيش بعدها رجوع.
كانت واقفة قدام صورة جدي وجدتي اللي أنا مكبراها ومعلقاها.. لمستها وقالت حلوة أوي.. لايقة عليكي يا نوران.. فيها الروح القديمة والشغل اليدوي.
الشغل اليدوي.. قالتها وكأنها بتقلل من قيمة البيت.. وكأن بيتي ده متفصّل مش متنقي من مجلات الموضة زيها.
شريف ماردش.. بالعكس، ابتسم وكأنه موافق على التقييم ده.
حطيت الكباية من إيدي على التربيزة وقلت أنا بحب الحاجة اللي معمولة بالإيد.. أصلها بتبين مين اللي بذل مجهود ومين اللي كان بيتفرج.
الجو اتكهرب.. سارة همست الله عليكي.
بعد ساعة، شريف كان في المطبخ بيفتح إزازة تانية ونهى جنبه بيضحكوا.. سارة خبطت على المعلقة ونادت
الكل سكت.. شريف رفع كبايته وهو مبتسم، مستني مني كلمة شكر ولا قصيدة في حبه.
وقفت في نص الصالة، وبدأت أتكلم وهدوئي مرعب
شكراً لكل اللي نورونا النهاردة.. بجد وجودكم غالي عليا.
الناس بدأت تهز راسها بابتسامة.
كملت لما نقلنا هنا، كنت فاكرة إننا بنبني بيت بجد.. تعبت في كل ركن هنا عشان أحسسه بالدفا. بس أوقات، أحسن حاجة بتعملها عزومة البيت الجديد إنها بتكشف لك حقيقة البيت اللي إنت واقف فيه.
الابتسامات بدأت تختفي.. شريف وشه اتغير وبدأ يقلق.
من يومين، شريف قالي إنه عزم خطيبته القديمة.. وقالي لو مش هتقدري تتحملي ده، فالباب يفوت جمل.. قالي كوني عاقلة.
محدش نطق.. الجو بقى برد فجأة.
فأنا قررت أكون عاقلة جداً.. وقررت مأعملش خناقة، ولا أصرخ، ولا أبوظ الحفلة.. رحبت بيكم، وعملت الأكل، وابتسمت.. وفي نفس الوقت، رتبت كل حاجة.
شريف حط الكباية بعنف وقال بضحكة صفراء نوران.. إيه اللي بتعمليه ده؟
بصيت له في عينه بعمل اللي إنت طلبته.. أنا ماشية.
الكلمة نزلت زي الصاعقة.. فيه ناس شهقت.
طلعت الدبلة من إيدي وحطيتها على التربيزة بهدوء أنا ماشية مش عشان نهى جت.. أنا ماشية عشان إنت حبيت تذلني في بيتي وتسمي ده عقل.. حبيت تختبر قدرتي على تحمل الإهانة عشان ترضي غرورك.
شريف وشه بقى أحمر إنتي اتجننتي؟ بتفضحينا قدام الناس عشان ضيفة؟
رديت أنا مش هحاول أحميك من نتيجة أفعالك.. إنت اللي عملت المشهد ده، استمتع بيه بقى.
سارة قربت مني ومعاها الشنطة.
نهى وقفت مكانها مش عارفة تروح فين.. وشها كان فيه مزيج من الخجل والارتباك. بصيت لها وقلت إنتي كنتي عارفة إن وجودك هيعمل كدة.. وجيتي برضه.. فما تمثليش المفاجأة.
شريف حاول يلحقني عند الباب لو خرجتي دلوقتي، ملمكيش رجوع هنا تاني.
ابتسمت وأنا بقفل سستة البلطو بتاعي وهو ده المطلوب.
خرجت من الباب، وهواء التجمع الساقع خبط في وشي.. كان أنقى هواء شميته من سنين.
سارة وصلتني لحد بيتها.. ركبنا العربية، وأول ما قفلنا الباب، خدت نَفَس طويل أوي وكأن الروح رجعت لي.
عملتيها يا نوران، سارة قالتها بفخر.
ضحكت وعيطت في نفس الوقت.
عدت شهور.. شريف حاول يبعت رسايل، شوية اعتذار وشوية اتهام ب النكد والهبل.. بس أنا كنت خلاص، قفلت الصفحة.
نهى بعتت لي رسالة اعتذار طويلة.. مرديتش عليها، مش كرهاً فيها، بس لأنها مابقتش تعنيني في شيء.
دلوقتي أنا قاعدة في شقتي الصغيرة الإيجار.. مفيهاش ديكورات فخمة، بس فيها راحة بال. الحيطان مش مدهونة أحسن حاجة، بس مفيش حد فيها بيحسسني إني قليلة.
فهمت إن العقل مش في إنك تستحمل اللي بيدوس عليك.. العقل في إنك تعرف امتى تقول لا وتنسحب وأنت في قمة شياكتك.
شريف فضل في البيت الجديد لوحده.. البيت اللي أنا بنيته، بس هو اللي سكن فيه الفراغ.
أما أنا، فلقيت
تمت.
بقلم مني السيد