روايه رساله أمي الاخيره.. بقلم منــال عـلـي
لمداره لحد ما ننسى إننا لينا مدارنا الخاص.
أنا مش عايزة ده ليكي..
فيه فلوس في الحساب ده. أنا شيلتها لوحدها عشان كانت ليا، وعايزاها ليكي أنتي. مش للفواتير، ولا لطلبات حد. ليكي أنتي. لدراستك. لمستقبلك. استخدميهم من غير ذنب. ولو حد حاول ياخدهم، قولي لهم إن ماما قالت لأ.
نفسي أكون معاكي لما تحققي حلمك. هتكوني ممرضة شاطرة أوي. مش عشان بتعرفي تخدمي، لا عشان بتعرفي تهتمي، وفيه فرق كبير بين الاتنين. بحبك يا نور. وفخورة بيكي. سيبي السفرة لو احتجتي.. وابني سفرتك الخاصة.
دايماً،
ماما.
قريت الرسالة مرتين قبل ما دموعي تنزل، ولما نزلت، وقعت على الورقة وهببت الحبر شوية. خفت لبوظها، وبعدين عرفت إن دموعي بقت جزء منها دلوقتي. حزني وحزنها سواوده الورث الحقيقي الوحيد.
طبقت الرسالة بحرص، وروحت بيتي، وحطيتها على الكرسي جنبي.
في الليلة دي، كتبت لستة. كتبت كلية التمريض فوق، وخططت تحتها بخط تقيل. وبعدين كتبت الخطوات التقديم، الأوراق، المذاكرة. وتحت اللستة، كتبت جملة واحدة
بطلت أكون خطة الطوارئ للعيلة.
كان كلام درامي، بس كان صح. كنت لسنين الخطة اللي بتسهل حياة الكل، اللي بتسد الفراغ، اللي
الرسائل الصوتية بدأت توصل الأسبوع اللي بعده تلاتة من شاهندة، اتنين من تامر، وواحدة من بابا. سمعتهم كأني بتفرج على عاصفة من ورا شباك. رسالة شاهندة الأولى كانت غضب أنانية، حرامية، وماما كانت هتتكسف منك. التانية كانت احتجاج. التالتة كانت أهدأ وأصدق أنا مش عارفة هنعمل إيه دلوقتي. الفلوس كانت موجودة دايماً.. زي ما أنتي كنتي موجودة دايماً.
زيي.. فكرت في الجملة دي. زي مجهودي. زي التوقع إني دايماً متاحة.
رسالة بابا كانت أصعب. كان باين إنه مجروح بجد، كأني خذلته. قال إني حساسة زيادة، وإن أمي كانت بتقوله كده برضه، كأنه عيبي أنا. قال كلميني.. ما تبقيش كدة. وكان يقصد ارجعي لدورك.
مكلمتوش.
بدأت دراسة التمريض. اشتريت كتب جديدة، رفاهية صغيرة حسيت معاها إني متمردة. واشتريت سماعة طبية، رغم إني لسه مخلصتش، بس مسكتها خلت المستقبل حقيقي.
في الكلية، اتعرفت على مها، كانت قدي في السن. قالتلي أنا هنا عشان ببدأ من جديد. ابتسمت وقلت وأنا كمان. كنا بنذاكر سوا،
شاهندة حاولت بأساليب تانية. الغضب بقى تمثيل، وبعدين حن حنين. بعتت أنا آسفة لو كنتي زعلتي. كلمة لو كانت هي الرسالة كلها. وبعدين كتبت بابا مابياكلش كويس.. لازم نشوف طريقة نساعده. كلمة نشوف يعني أنتي. قريت الرسالة ورجعت لرسالة ماما، ورديت أتمنى يلاقي اللي يساعده. أنا مابقتش مسؤولة عنه. ردت بكلمة واحدة واو.
سبت الموبايل، وفتحت كتابي، ومشيت إيدي على رسمة القلب البطين، الأذين، الصمامات.. القلب مبيسألش لو كان أناني لأنه بيدق. هو بيدق عشان يخلي الجسم عايش.
بدأت أشوف نفسي كده. مش شغالة، ولا سد خانة، أنا حياة تستاهل تستمر.
جالي القبول في مدرسة التمريض في أكتوبر. قريت الجواب تلات مرات وضحكتضحكة صافية مكنتش متوقعاها. كلمت طنط هدى الأول، وبعدين مها
فكرت أكلم أهلي.. وبعدين افتكرت الفيديو، والضحك. مكلمتهمش.
بدل كده، اشتريت سفرة صغيرة لشقتي. شيلتها لوحدي للدور
في أول يوم عيد الاضحى اللي بعده، صحيت بدري كالعادة. بس بدل ما أروح بيت بابا، عملت قهوتي، وفتحت الشباك، وشغلت مزيكا. مسكت مريلة ماما لحظة.. وحطيتها على الكرسي بدل ما ألبسها.
عملت أكلة بسيطة. وحطيت صورة لماما جنب الشمعةوهي بتضحك، من غير تمثيل.
مها جت ومعاها أصحابنا. قعدنا حوالين سفرتي الصغيرة، بنضحك ونأكل. واحد رفع كبايته وقال للعيلة اللي بنختارها. وحسيت إن الجملة دي هي شهادة ميلادي.
بعد الأكل، قمت ألم الأطباق، بس مها مسكت كتفي اقعدي يا نور.. إحنا اللي هنعمل كده. ترددت.. وبعدين قعدت. سبت نفسي أرتاح.
لما الدنيا هديت، غسلت الأطباق بهدوء. وقريت آخر سطر في رسالة ماما تاني
بحبك. فخورة بيكي. سيبي السفرة لو احتجتي.. وابني سفرتك.
بصيت حولي سفرتي. شمعتي. كتبي. سماعتي. حياتيمش كاملة، بس بتاعتي أنا.
وفي الليلة دي، مكنتش شغالة.
مكنتش وظيفة.
مكنتش خطة الطوارئ.
كنت إنسانة.. سابت السفرة، وبنت سفرتها الخاصة، وبتتعلميوم ورا يومإزاي