روايه كفـى جحـوداً بقلـم منـي السـيد

لمحة نيوز

لما كلمت أمي عشان أقول لها إن جالي سرطان الثدي، ردت عليا في الرنة التالتة وصوتها كان واطي، كأني أنا اللي بقطع عليها أنا اللي بقطع عليهم حاجة مهمة....
يا كريمة ، إحنا في وسط قراية فاتحة بنت خالتك جنة، قالتها بنبرة مستعجلة. 
كنت سامعة صوت ضحك في الخلفية، وخبط كوبايات، وحد بيزعق بيطلب مقص عشان شرايط الزينة....ينفع نتكلم بعدين؟
بقلم مني السيد 
كنت واقفة في ركن جراج المستشفى، وفي إيدي ملف وتقرير العيّنة قلب حياتي كلها وشقلب كيانها. ركبي كانت بتخبط في بعضها لدرجة إني ساندت على العربية عشان ما أقعش...
لأ، قلتلها وصوتي بيترعش. ماينفعش يستنى.. أنا عندي سرطان.
حصلت سكتة.. بس مش السكتة اللي كنت متخيلاها. مش سكتة رعب ولا حزن. كانت سكتة زهق، كأني أعلنت عن مشكلة في السباكة وقت التحلية!
تمتمت بضيق يا خبر.. أنتِ بتتكلمي بجد؟
أيوه. 
سمعت ضحكة تانية جاية من بعيد، وبعدها أمي اتنهدت وقالت طيب، وعاوزاني أعمل إيه دلوقتي يعني؟ البيت مليان ناس.
كنت باصة للأسفلت تحت رجلي وحسيت بحاجة جوايا بتتحول لتلج. كنت فاكرة إنك هتقولي إنك جاية لي فوراً.
ردت بسرعة النهارده مستحيل، كلمي أختك مروة لو محتاجة ونس.
مروة ماردتش. بعتت لي رسالة بعد ثلث ساعة ماما قالت إنك متضايقة، أنا في الحفلة، هنتكلم بكره. 
بكره ده بقى أسبوع. والأسبوع بقى بداية جلسات الكيماوي...
كنت بسوق عربيتي بنفسي لكل ميعاد، ماعدا مرة واحدة، جارتي دنيا أخدت أجازة من شغلها وقالت لي

محدش المفروض يقعد لوحده وهو بياخد أول جرعة. هي اللي سندتني لما كنت برجع في كيس ورق في جراج المستشفى، وهي اللي حلقت لي شعري في مطبخها لما بدأ يقع كتل في إيدي.. كتل بتكسر النفس...
أمي بعتت ورد مرة واحدة، والكارت مكتوب فيه خليكي قوية! زعلانين إننا مالحقناش نرد على مكالمتك. تحياتنا.. العيلة. العيلة! كأنهم لجنة نقابية مش أهلي....
بعد ٤ أيام من تاني جلسة كيماوي، ظهروا فجأة.
أمي، مروة، وجوز أمي رأفت. داخلين بيبتسموا وشايلين سبت فاكهة كأنهم بيأدوا مشهد تمثيلي عن الحنية...
كنت نايمة على الكنبة، وشي شاحب وجسمي كله بيوجعني، مروة قعدت على طرف الكنبة وقالت شكلك أحسن مما كنت متوقعة.
كنت هضحك من كتر القهر.
أمي شبكت إيديها وبصت لي البصة اللي الناس بتبصها قبل ما يطلبوا حاجة عارفين إنها تقيلة. وقالت بصي يا حبيبتي، إحنا محتاجين منك خدمة صغيرة.
رأفت شرح لي إن مروة لقت عربية عاجباها جداً، بس البنك عاوز ضامن قوي، ومروة ائتمانها ضعيف بسبب أقساط قديمة، ورأفت لسه مجدد قرض الشغل بتاعه.. وأمي قالت إن كريمة هي اللي دايمًا ورقها سليم وائتمانها زي الفل.
بصيت ليهم التلاتة، وشكيت للحظة إن الكيماوي بيخليني أهلوِس....
أنتم جايين هنا، قلتها بالراحة، وأنا في عز علاجي.. عشان تطلبوا مني أمضي ضامن لعربية؟
مروة هزت كتفها ببرود إحنا مش طالبين منك كاش يعني. 
المفاجأة
قبل ما أنطق بكلمة، سمعت خطوات صغيرة جاية من الطرقة. إياد ابني اللي عنده ٦ سنين دخل الصالة وهو ماسك
ورقة متطبقة في إيده. بص لي، وبعدين بص لهم، وقال بصوته الهادي الرقيق
ماما قالت لي أوريكم دي لو فكرتوا تطلبوا منها فلوس.
ضحكتهم اتجمدت قبل ما يمد إيده بالورقة.
ولما أمي فتحت الورقة وبدأت تقرأ، ملامحها اتغيرت والدم هرب من وشها كأن حد صفعها....!!!
بقلم_مني_السيد
للحظة، مفيش حد في الصالة اتحرك.
إياد كان واقف ببيجامة الديناصورات، وفردة شراب مقلوبة، ومستني كأنه عارف إن المهمة دي مصيرية. مروة مدت إيدها تخطف الورقة، بس أمي سبقتها وسحبتها وقرأت الكلام بصوت واطي ومسموع.
الورقة ماكانتش عذر طبي بالمعنى التقليدي.. دي كانت ورقة رسمية من مستشفى الأورام، عليها ختم الدكتور المعالج، وبتقول بوضوح إن كريمة بتخضع لعلاج كيماوي مكثف، وحالتها لا تسمح بأي ضغوط مادية أو نفسية، 
وفريق العلاج بينصحها تتجنب أي التزامات قانونية أو مادية جديدة.
وفي آخر الورقة، كنت كاتبة بخط إيدي جملة واحدة
لو بتقرأوا الكلام ده، يبقى أنا كنت أضعف أو أتعب من إني أجادلكم.. والرد هو لأ.
وش مروة اتخشب في ثانية وتمتمت يا سلام.. برافو!
يا سلام؟ ردت عليها بذهول.
وقفت مروة وقالت بحدة أنتِ بتستخدمي ابنك عشان يعمل الحركات دي؟ دي قمة التلاعب يا كريمة!
زقيت البطانية من على رجلي وقمت، رغم إن الدنيا لفت بيا من الحركة السريعة. أنتِ دخلتي بيتي وعاوزة واحدة بتصارع السرطان تضمنك في عربية أنتِ مش محتاجاها أصلاً؟
صاحت مروة أنا محتاجة عربية!
أنتِ محتاجة العربية دي بالذات، قاطعتها بعصبية. عربية
زيرو وكراسي جلد وتسخين وكلام فارغ وأنتِ مش معاكي تمن تيل الفرامل بتاعها!
أمي طبقت الورقة بعنف كأنها هتقطعها يا كريمة، محدش قاصد يئذيكي.. الأهل لبعضهم، والعيلة لازم تسند بعض.
الجملة نزلت عليا تقيلة لدرجة إني ضحكت.. ضحكة مرّة، مخنوقة، ووجعها طالع من قلبي.
عيلة؟ قلتلها. أنهي جزء بالظبط كان يحسسني بالعيلة؟ لما كلمتك من جراج المستشفى وقلتي لي إنك مشغولة بالزينة والمقص؟ ولا لما مروة بعتت لي رسالة تاني يوم بدل ما تجيلي؟ ولا السكوت القاتل اللي عشته في أول جلسة، وتاني جلسة، وأنا رايحة أعمل العملية، وأنا مستنية نتيجة العينة؟
مروة قاطعتني ببرود ما تحبكيهاش.. إحنا بعتنا ورد.
في اللحظة دي، دنيا جارتي دخلت من باب المطبخ وهي شايلة طاجن أكل. وقفت مكانها لما شافت المنظرسبت الفاكهة، ابني، ونظرات أمي. حطت الطاجن على الرخامة بالراحة وقالت
أجي وقت تاني؟
قلت لها بقوة لأ.. خليكي.
أمي لفت وحاولت ترسم ابتسامة مصطنعة وأنتِ تطلعي مين بقا؟
ردت دنيا بكلمة واحدة هزت الصالة أنا اللي كنت موجودة لما غبتم.
السكوت ساد المكان كأن قنبلة فرقعت.
رأفت، جوز أمي، حاول يلطف الجو يا جماعة، يمكن الوقت مش مناسب.
دنيا ردت عليه ده أقل وصف ممكن يتقال فعلاً.
أمي تجاهلتها تماماً وبصت لي بتمثيلية الأم المظلومة مش قادرة أصدق إنك بتهينينا قدام واحدة غريبة.
بصيت في عينيها مباشرة أنتم اللي أهنتم نفسكم.
إياد قرب مني ومسك في رجلي، حطيت إيدي على كتفه، وفي اللحظة دي حسيت بوضوح غريب.
مابقاش في غضب، لأن الغضب معناه إني لسه مستنية
 

تم نسخ الرابط