روايه جواب من عجوز

لمحة نيوز

 

بس للأسف… محدش فيهم بقى يسأل عليا.
كل واحد بقى همه الفلوس والميراث."
الجملة دي وجعتني… لأني فاكر نظرتها يوم ما قالت إن ولادها بعيد.
واضح إنها كانت مخبية حاجة أكبر بكتير.
"من سنة… قررت أعمل اختبار.
نزلت إعلان أطلب فيه حد يساعدني في البيت.
وكنت مستنية أشوف… هل لسه فيه حد في الدنيا بيعمل الخير من غير مقابل؟"
حسيت بشيء غريب جوا صدري.
مش عارف هو حزن… ولا خوف.
كملت.
"مر عليا ناس كتير يا ياسين.
ناس كانت بتيجي يومين وتمشي لما تلاقي الثلاجة فاضية.
وناس كانت بتسرق حاجات من البيت.
وناس كانت بتطلب الفلوس مقدم."
ابتسمت غصب عني.
فعلاً… الدنيا بقت كده.
بس بعدها وصلت للسطر اللي خلاني أبلع ريقي بصعوبة.
"إنت الوحيد… اللي فضلت."
وقفت القراءة ثانية.
افتكرت كل مرة كنت داخل السوق أجيب لها حاجة من جيبي.
كل مرة كنت باخدها

المستشفى.
كل مرة كنت بقول لنفسي:
"حرام… ست كبيرة لوحدها."
رجعت أكمل.
"إنت الوحيد اللي طبختلي بإيدك.
إنت الوحيد اللي قعد يسمع حكاياتي.
وإنت الوحيد اللي فضلت تيجي رغم إني عمري ما دفعتلك."
دمعة نزلت مني من غير ما أحس.
كملت وأنا شايف الكلام بيتهز قدامي.
"أنا عارفة إنك شاب مكافح… وكنت محتاج الفلوس دي.
بس كنت عايزة أتأكد إن قلبك لسه طيب زي ما حسيت من أول يوم."
نزلت عيني للسطر اللي بعده…
وهنا فعلاً حسيت إن الأرض بتتهز تحتي.
"المفتاح اللي في الظرف… هو مفتاح الدولاب الخشب القديم اللي في أوضة نومي."
استغربت.
الدولاب القديم؟
ده كان مليان هدوم قديمة وريحتها نفثالين.
كملت بسرعة.
"افتح الدرج السفلي… هتلاقي ظرف أكبر شوية."
بلعت ريقي.
"الظرف ده فيه كل الفلوس اللي كنت مدينة بيها ليك… وزيادة."
هنا وقفت لحظة.
لكن الرسالة مكنتش
خلصت.
"لكن الفلوس دي مش أهم حاجة."
قلبي بدأ يدق تاني.
"أنا كتبت وصية قبل ما أموت.
والوصية دي مسجلة عند محامي في شارع القصر العيني."
ابتسمت بسخرية خفيفة.
قلت لنفسي:
"يمكن سايبة لي ألفين تلاتة مكافأة."
بس السطر اللي بعده… خلاني أحس إن الدم اتسحب من وشي.
"أنا كتبت إن البيت ده… بكل اللي فيه… يبقى باسمك."
وقعت على الكرسي اللي جنبي فوراً.
حرفياً.
كملت القراءة وأنا مش مصدق.
"ولادي حاولوا يجبروني أبيع البيت ده كذا مرة…
لكن أنا كنت مستنية الشخص الصح."
دماغي كان بيقول:
مستحيل.
أكيد فيه غلطة.
لكن الورقة كانت واضحة.
"إنت يمكن تكون شفت البيت قديم…
بس الحقيقة إن الأرض اللي البيت عليها لوحدها تسوى ملايين."
قلبي كان بيخبط كأنه هيكسر ضلوعي.
"يا ياسين…
أنا معنديش حد يستاهل ياخد تعبي غير شخص قلبه طيب زيك."
دموعي نزلت تاني.
لكن
الرسالة مكنتش خلصت.
آخر سطور كانت مكتوبة بخط أضعف شوية.
"لو قررت تبيع البيت… اعمل حاجة واحدة بس.
افتكرني… وافتكر الأيام اللي كنا بنقعد فيها جنب الراديو القديم."
قفلت الورقة ببطء.
الشارع برا كان هادي.
صوت الناس اللي راجعة من الجنازة كان بيبعد شوية شوية.
بصيت للمفتاح اللي في إيدي.
المفتاح القديم… بخيطه الأحمر.
مشيت ناحية البيت.
الباب كان مفتوح… زي ما سيبناه.
دخلت أوضة النوم.
الدولاب الخشب كان واقف في نفس مكانه… بيزيق لما قربت منه.
دخلت المفتاح.
لفيته.
الدرج السفلي اتفتح ببطء.
جواه كان ظرف بني كبير.
فتحته بإيد بترتعش.
الفلوس كانت كتير…
كتير لدرجة إني معرفتش أعدها.
لكن اللي شد انتباهي أكتر…
كان ورقة صغيرة تانية.
مكتوب فيها جملة واحدة بس.
"كنت عارفة إنك هترجع يا ياسين."
وقتها…
قعدت على أرض الأوضة.
وبكيت.
مش علشان
الفلوس…
ولا علشان البيت.
لكن علشان ست عجوز…
كانت محتاجة بس حد يقعد معاها شوية… قبل ما تمشي من الدنيا.

تم نسخ الرابط