روايه عزومه العيلة بقلم مني السيد
إيناس كانت واقفة بتظبط برواز لوحة في الجاليري بتاعها.. لوحة لمنظر طبيعي رسمها فنان عبقري ومغمور من القرن 19 ضباب تقيل فوق مستنقع، مرسوم بدقة تخليك تحس ببرودة الندى على جلدك. المحل بتاعها كان زي علبة قطيفة مليانة أسرار، ريحته ورق قديم ولافندر.. ده كان عالمها الخاص، جزيرة هادية وسط محيط من طمع البشر.
بقلم منــي الـسـيد
جرس الباب رن، بس مكنتش رنة مبهجة، كانت رنة مكتومة وتعبانة. دخل "تامر"، كتافه تحت قميصه الرمادي كانت منحنية أكتر من العادي، كأن الجاذبية بتسحبه لتحت لوحده. تامر كان بيدرس تمويل وتجارة، مش برغبته، دي كانت رغبة والدته اللي شايفة إن الفلوس لازم "تتلزق" في الإيد، متوفرة على روايات و اقتباسات مش تتدلق زي الألوان.
قال بصوت مطفي وهو باصص لجزمه: "عايزينا هناك.. عازمينا على العشا. بابا قال مفيش أعذار مقبولة."
إيناس حست برعشة في ضهرها. زيارات بيت عيلة جوزها في "الفيلا" كانت دايما أشبه بجلسات تعذيب متنكرة في صورة عزومة غدا.
سألته وهي بتقلع مريلة الشغل: "هيبدأوا تاني يقولوا إن شغلي ده مجرد لعب عيال؟"
"أوضاع أصعب يا إيناس.
"مستحيل.. ده مش هيحصل أبدًا."
"عارف يا إينا، بس أنتي عارفة الحج إسماعيل.. مبيسمعش كلمة 'لأ'.. بالنسبة له 'لأ' دي مجرد بداية للمساومة."
تامر كان باين عليه الإرهاق. كان إنسان طيب، مثقف، ومحترم.. بس قدام أبوه كان بيتحول لسراب. أهله، إسماعيل وهانم، كانوا من نوعية تانية خالص.. ناس مبيعرفوش غير الأبيض والأسود. التعليم عندهم مجرد آلة لعد الفلوس، والثقافة ديكور ملوش لازمة. متوفرة على روايات و اقتباسات
إيناس قالت بحزم وهي بتقفل الخزنة: "هنروح.. بس عشان أحط النقط على الحروف. مش هسمح لحد يمشيلنا حياتنا."
مكتنش تعرف إن الليلة دي هتكون الفصل الأخير في تاريخ العيلة اللي كانت فاكرة إنها عارفاها.
وليمة الضباع
الطريق لفيلا الحج إسماعيل خد ساعة. بيت ضخم، مبالغ فيه، كأنه حصن متغطي بكرانيش جص بدأت تتقشر.. بيت بيصرخ "أنا غالي" بس ملوش روح. في الجنينة كانت في "تكعيبة" خشب كبيرة كأنها قاعة عرش.
العيلة كلها كانت هناك. متوفرة على روايات و اقتباسات.. الحج
والباقي كمان حضروا: "ليلى" أخت تامر، نسخة طبق الأصل من أمها بس على أصغر وأشر؛ جوزها اللي كان خايف يفتح بقه؛ و"سلوى" - بنت الحج إسماعيل من جوازته الأولى. سلوى كانت عايشة في البيت كأنها "خدامة" بلقمة هنية. باهتة، لابسة فستان قديم، بتتحرك حوالين التربيزة ترص الأطباق وهي بتحاول تكون غير مرئية.
وعلى جنب، جنب شجر الياسمين، كان قاعد "عمي منير" - أخو الحج إسماعيل. راجل هادي، دايمًا ببالطوه القديم، وكان يعتبر "فشل العيلة". إسماعيل كان سايبه حواليه كديكور عشان يبان هو أعظم منه.
بصوت عالي ومن غير ما يقوم، زعق إسماعيل: "أهلاً باللي شرفوا! كنت فاكركم تهتوا في الطريق. اقعدوا.. ورانا كلام."
إيناس قعدت، وهي حاسة بخوف لزج بيتحول للاحتقار بارد. التربيزة كانت غرقانة أكل: لحوم دسمة، جبال سلطات، أصناف غالية.. كل حاجة كانت بتصرخ "فلوس" وبتهمس "فراغ".
إسماعيل
تامر رد بصوت واطي: "هاخد الشهادة الأول يا بابا."
ضحكت هانم بحدة: "شهادة! الورقة دي بليها واشربي ميتها. ما إيناس معاها شهادة برضه، عملت لها إيه؟ بتبيع شخبطة لشوية عاطلين زيها."
ليلى ضحكت من ورا إيديها المتقلمة ببرود… متوفرة على روايات و اقتباسات
إيناس قالت بهدوء: "إحنا مش هنا عشان نناقش تعليمي."
إسماعيل بطل أكل وبص لمرات ابنه بنظرة تقيلة زي الرصاص: "في البيت ده، كل حاجة بتتناقش لو أنا قررت. أنتي تحت سقفي.. كلي اللي بيتحط قدامك واسمعي لما نكلمك."
وتر مشدود على آخره
الكلام اتحول بسرعة للبزنس. إسماعيل أعلن إنه بيوسع أسطول العربيات ومحتاج سيولة.
قال ببرود: "إحنا قيمنا المحل بتاعك يا إيناس.. موقعه في وسط البلد يسوى مبلغ حلو. بيعيه وحطي الفلوس في الشغل بتاعي. هرجعهم لك بعد سنة، بفوائدهم.. يمكن."
إيناس قالت وكل كلمة طالعة منها محددة: "مش هبيع المحل. ده شغلي، وحياتي. والفلوس اللي اتبنى بيها كانت