روايه بعد وفاة والدي
بـعد وفـاة والـدي بفتـرة قصـيرة، تزوجـت أمـي مـن جـديد....وأول شـيء فعـلته بـعد الـزواج… أنهـا طـردتني من البيت، قائلة إنني أصبحت عبئًا بلا فائدة الآن، بعدما دُفن الشخص الوحيد الذي كان مستعدًا لإنفاق المال عليّ.
غادرت دون أن أجادل.
حملت كل ما أملك في حقيبتين، بينما وقفوا يراقبونني وكأنني لم أكن يومًا جزءًا من هذا البيت.
لكن في صباح اليوم التالي فقط…
عاد ظلمهم ليرتد عليهم كالصاعقة.
وصل خطاب مختوم من والدي مباشرة إلى يد زوج أمي الجديد.
وبداخل الرسالة… كانت الحقيقة التي أخفاها والدي حتى اللحظة المناسبة.
ومع كل سطر قرأوه، كانت وجوههم تزداد شحوبًا…
لأن الابن الذي طردوه من البيت…
كان الوريث القانوني الوحيد لكل ما تركه والده خلفه.
في الليلة التي طردتني فيها أمي من المنزل، كانت الأمطار تهطل بغزارة حتى جعلت ضوء المصباح فوق الباب يبدو كأنه بقعة صفراء باهتة.
قالت أمي وهي تقف في الممر وذراعاها متشابكتان بقوة على صدرها:
— "أنت أصبحت عبئًا علينا."
ثم أضافت ببرود:
— "الشخص الوحيد الذي كان يصرف عليك… مات."
وقف زوجها الجديد، فؤاد الجمال، خلفها بخطوتين.
لم يكن يتكلم كثيرًا… لكن صمته كان أسوأ من أي كلمات.
منذ أن تزوج أمي بعد أحد عشر شهرًا فقط من جنازة أبي، بدأ يستولي على البيت تدريجيًا…
مثل
اختفت صور أبي من غرفة الجلوس.
وُضعت كتبه في صناديق داخل المخزن.
حتى المكتب الخشبي القديم الذي كان يجلس عليه مساء كل أحد لدفع الفواتير… اختفى،
واستبدله فؤاد بعربة زجاجية مليئة بزجاجات المشروبات ليتباهى بها أمام ضيوفه.
كنت في التاسعة عشرة.
طالبًا في السنة الثانية بكلية التجارة في جامعة الإسكندرية، وعدت إلى البيت لقضاء العطلة الصيفية.
لكن يبدو أنني… لم أعد مرحبًا بي في المنزل الذي اشتراه أبي قبل اثني عشر عامًا.
كانت حقيبتي الرياضية موضوعة بجوار السلم، نصف مغلقة.
لأنني حتى اللحظة الأخيرة… كنت ما زلت أعتقد أن أمي ستوقف كل هذا قبل أن يصبح حقيقة.
كنت أظن أنها ستبكي…
أو ستجلس…
أو ستقول إنها غاضبة وحزينة بسبب وفاة أبي وأنها لا تقصد ما تقول.
لكن بدلًا من ذلك… أشارت بيدها نحو الباب.
— "أنت رجل بالغ الآن." قالت ببرود.
— "تدبر أمورك بنفسك."
نظرت إليها… ورأيت شيئًا كان أشد ألمًا من الغضب.
اللامبالاة.
وكأن التخلص مني مجرد مهمة مؤجلة قررت أخيرًا أن تنهيها.
عندها تكلم فؤاد أخيرًا.
— "نحن لا نقول إنك لن تنجح في حياتك… لكن لا يمكنك الاستمرار بالاعتماد على هذا البيت."
رفعت حاجبي وسألته ببرود:
— "هذا البيت؟"
نظر حوله وكأنه يملك
— "نعم."
كان أبي قد توفي قبل أربعة عشر شهرًا بسبب نزيف مفاجئ في الدماغ وهو في الثامنة والأربعين.
في يوم كان يضحك مع أبناء عمومتي في مباراة كرة قدم…
وبعد يومين فقط… رحل.
ومنذ ذلك الحين، كل شيء في حياتنا تم استبداله بسرعة.
عادات جديدة.
ضحكات جديدة.
أثاث جديد.
وسلطة جديدة.
كانت أمي تناديني قديمًا باسمي:
يوسف.
لكن بعد زواجها من فؤاد… أصبحت تقول عندما تغضب:
— "ابنك."
وكأنني أنتمي إلى حياة قديمة تحاول التخلص منها.
كنت أريد أن أجادل.
كنت أريد أن أسألها كيف يمكنها القول إن أبي هو فقط من كان ينفق عليّ…
وكأن الأبوة مجرد فاتورة شهرية تنتهي بعد الموت.
لكن الكلمات لم تخرج.
ربما لأن بعض الخيانات… لا تكون صاخبة.
بل تكون باردة.
حملت حقيبتي.
لم أتوسل.
لم أصرخ.
لم أذكرها بأنني قضيت الصيف أعمل في مرسى قوارب وأدرس المحاسبة عبر الإنترنت لأن أبي كان يريدني أن أكون مستعدًا يومًا ما لإدارة عمل العائلة.
لم أقل إن كل فاتورة في هذا البيت كانت تمر من بين يدي أبي.
خرجت فقط إلى المطر… وأغلقت الباب خلفي.
وأمي…
لم تلحق بي.
نمت تلك الليلة في سيارتي القديمة خلف متجر بقالة يعمل طوال الليل في مدينة قريبة.
في الساعة السادسة وثلاث عشرة دقيقة صباحًا بدأ هاتفي يهتز بلا توقف.
أول اتصال كان من
ثم من فؤاد.
ثم من رقم عرفته فورًا…
مكتب محامي أبي.
أجبت في الرنة الرابعة، وأنا نصف مستيقظ بينما المطر يطرق زجاج السيارة.
— "يوسف؟" قال صوت رجل هادئ.
— "أنا المستشار سامح الهلالي، محامي والدك. أحتاج أن تأتي إلى مكتبي فورًا."
جلست معتدلًا في المقعد.
— "لماذا؟"
ساد صمت قصير.
ثم قال:
— "لأن زوج والدتك فتح الظرف الموثق الذي أوصى والدك بتسليمه… فقط في حال حاول أحد طردك من المنزل."
شدّدت قبضتي على الهاتف.
ثم قال المحامي بصوت حذر:
قال المحامي بصوت حذر:
— "والدك ترك رسالة… وتعليمات قانونية واضحة."
لم أفهم تمامًا ما يقصده، لكنني أدرت مفتاح السيارة وانطلقت نحو مكتب المستشار سامح الهلالي.
كان المكتب في مبنى قديم قرب البحر. عندما وصلت، وجدت أمي وفؤاد جالسين في غرفة الانتظار.
لم يكونا يشبهان الشخصين اللذين طرداني الليلة الماضية.
كانت وجوههما شاحبة… وملامحهما مشدودة.
بمجرد أن رأتني أمي، نهضت بسرعة وقالت بصوت متوتر:
— "يوسف… كنا سنكلمك… الموضوع فيه سوء فهم."
لم أرد.
فتح السكرتير الباب وقال:
— "المستشار ينتظركم."
دخلنا جميعًا إلى المكتب.
جلس المستشار سامح خلف مكتبه الخشبي الكبير، وأمامَه ملف سميك.
نظر إليّ أولًا وقال بهدوء:
— "يوسف… والدك كان رجلًا حذرًا."
ثم فتح الملف وأخرج ورقة
— "هذه الرسالة كتبها والدك قبل وفاته بستة أشهر."
ثم بدأ يقرأ بصوت واضح:
"إلى ابني يوسف…