روايه تركها قبل الزفاف كاملة

لمحة نيوز

صباح جاء نفس الرجل الذي كان قد طلب تفصيل بدلة من قبل.
دخل المحل وهو ينظر حوله بإعجاب واضح.
قال وهو يضحك
واضح إن شغلك بقى مشهور المحل بقى مليان.
قالت حورية وهي تضع القماش على الطاولة
الحمد لله كله رزق.
كان اسمه يوسف، يعمل مهندسًا في شركة قريبة من الحي، وكان يمرّ من الشارع يوميًا تقريبًا.
ومع الوقت، أصبح يأتي إلى المحل أحيانًا ليطلب تعديلات صغيرة في ملابسه وأحيانًا بلا سبب واضح.
كانت أحاديثهما بسيطة، لكنها مليئة بالاحترام.
لم يسألها يومًا عن الماضي ولم يذكر عمران ولا ما حدث.
وكان هذا أكثر ما أراح قلبها.
لكن الحارة، كعادتها، لم تتوقف عن الكلام.
ففي أحد الأيام دخلت جارة إلى المحل وقالت بنبرة فضولية
هو المهندس اللي بيجيلك ده فيه بينكم حاجة؟
ضحكت حورية وقالت
فيه احترام وده كفاية.
لكن بعد أسابيع قليلة، حدث ما لم تتوقعه.
في مساء هادئ، كانت حورية تغلق المحل عندما وجدت يوسف يقف أمام الباب.
قال بتردد بسيط
كنت عايز أتكلم معاك في موضوع مهم.
فتحت الباب مرة أخرى وجلسا داخل المحل.
ظل يوسف صامتًا للحظة، ثم قال
أنا عارف إنك مريتي بتجربة صعبة والناس في الحارة بتحكي كتير.
سكتت
حورية ولم تقاطعه.
ثم أكمل
بس أنا شايف حاجة تانية خالص شايف إنسانة قوية بنت نفسها من الصفر.
نظرت إليه بدهشة خفيفة.
فقال بابتسامة هادئة
ولو وافقتي أنا حابب أطلب إيدك من والدتك.
لم ترد حورية فورًا.
لم يكن الأمر خوفًا بل لأنها هذه المرة لم تكن تريد أن تتخذ قرارًا بدافع الجرح أو العناد.
قالت بعد لحظة تفكير
أنا مش خايفة من الجواز أنا بس خايفة أرجع أعيش لنظرة الناس تاني.
ابتسم يوسف وقال
لو عشنا بعين الناس عمرنا ما هنعيش أصلًا.
ساد الصمت بينهما لحظة.
ثم تنفست حورية ببطء وقالت
خلينا نبدأ خطوة خطوة.
وفي تلك الليلة، عادت إلى بيتها وقلبها أخفّ بكثير مما كان منذ سنوات.
لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن هنا
فبعد أيام قليلة، وبينما كانت تقف أمام المحل، رأت شخصًا لم تتوقع أن تراه مرة أخرى.
كان عمران.
وقف أمامها مترددًا، وكأن الكلمات ترفض الخروج من فمه.
أما حورية فقد نظرت إليه بهدوء شديد، وكأنها تنظر إلى قصة قديمة انتهت منذ زمن.
لكن عمران قال فجأة بصوت خافت
حورية أنا عايز أتكلم معاكي.
وهنا فقط أدركت أن الماضي لم يغلق بابه بالكامل بعد.
وقفت حوريّة أمام متجرها تنظر إلى عمران دون
أن يتغيّر تعبير وجهها.
لم تشعر بالغضب ولا بالحزن.
كان إحساسًا غريبًا يشبه النظر إلى صفحة قديمة من كتاب انتهت قصته منذ زمن.
اقترب عمران خطوة وقال بصوت متردد
حوريّة أنا عارف إن بعد اللي حصل، يمكن ما ينفعش أتكلم بس لازم تسمعيني.
لم تتحرك من مكانها، لكنها قالت بهدوء
اتفضل.
تنهد عمران طويلًا وقال
أنا غلطت. وقتها كنت ضعيف خفت من كلام الناس. كل يوم حد يلمّح أو يضحك وأنا بدل ما أقف جنبك، هربت.
سكت لحظة، ثم أكمل
فاكر إن الموضوع هيعدّي، وإن حياتي هتبقى أسهل بس الحقيقة إن اللي حصل فضل يلاحقني.
كانت حوريّة تسمع دون أن تقاطعه.
ثم قال بنبرة خافتة
أنا جيت أعتذر ولو ينفع نبدأ من جديد.
للحظة قصيرة، عمّ الصمت بينهما.
كانت الحارة هادئة، والناس يمرّون في الشارع دون أن ينتبهوا لما يحدث.
رفعت حوريّة رأسها ونظرت إليه نظرة ثابتة، ثم قالت بهدوء شديد
أنا سامحتك من زمان.
بدت الدهشة واضحة على وجهه.
فسأل بسرعة
بجد؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت
سامحتك عشان أرتاح أنا. مش عشان نرجع.
تجمدت الكلمات في فمه.
وأكملت حوريّة
اللي حصل خلاني أشوف نفسي بشكل مختلف. لو كنت اتجوزتك وقتها كان ممكن أعيش
طول عمري أحاول أرضيك وأرضي الناس.
ثم أشارت إلى المحل من حولها وقالت
لكن اللي حصل خلاني أبني حياتي بطريقتي.
ظل عمران صامتًا، وكأنه أدرك أخيرًا أن الطريق الذي تركه خلفه لم يعد موجودًا.
قال بصوت منخفض
يعني خلاص؟
هزت رأسها بهدوء.
خلاص.
ثم أضافت بنبرة خفيفة لكنها حازمة
بعض الأبواب لما بتتقفل بتتقفل عشان تفتح حياة تانية.
لم يجد عمران ما يقوله بعدها.
اكتفى بهزة رأس صغيرة، ثم استدار وغادر الشارع ببطء.
وقفت حوريّة لحظة تراقبه وهو يبتعد ثم دخلت متجرها وأغلقت الباب.
في الداخل كانت أمها تجلس على الكرسي المعتاد.
سألتها
كان عايز إيه؟
ابتسمت حوريّة وهي ترتّب الأقمشة وقالت
كان بيعتذر.
رفعت الأم حاجبيها بدهشة
وإنتِ قولتيله إيه؟
جلست حوريّة بجانبها وقالت بهدوء
قولتله إن حياتي كملت.
وفي تلك اللحظة دخل يوسف إلى المحل، يحمل بعض القماش الذي طلبته.
نظر إلى حوريّة مبتسمًا وقال
واضح إني جيت في وقت مناسب.
ضحكت حوريّة لأول مرة بصوت مرتفع منذ زمن.
لم تعد تلك الفتاة التي كانت تخشى كلام الناس.
أصبحت امرأة تعرف قيمتها وتختار حياتها بنفسها.
وخارج المحل، استمرت الحارة في ضجيجها المعتاد.

لكن هذه المرة
لم تكن حكاية حوريّة قصة شفقة كما ظنّوا يومًا.
بل أصبحت قصة قوّة وبداية جديدة. 
تمت.

تم نسخ الرابط