روايه تركها قبل الزفاف كاملة
تركها قبل الزفاف بليله واحده بسبب وزنها الزائد معللا ان الجميع يعايروه بجسدها..
كانت الحارة الشعبيّة تضجّ بالحياة كما لو أنّها كائن واحد يتنفّس ويضحك ويغضب في آنٍ واحد. بيوت متقاربة، شرفات متلاصقة، ووجوه تعرف بعضها منذ الطفولة. وفي قلب تلك الحارة كانت تعيش حوريّة، فتاة عرفها الجميع بطيبتها ومرحها، غير أنّها كانت ممتلئة الجسد، فضلاً عن ملامح هادئة لا تجذب الأنظار إلا إذا وقفت تتحدث فحينها وحده كان يلمع جمال روحها.
ورغم ثقتها الظاهرة أمام الناس، كانت تسمع كثيرًا من التعليقات الجارحة في خفوت أو تصريح
لو كانت أنحف قليلًا لكانت جميلة،
لا بأس المهم أنّها طيبة.
لكنها لم تكن تبالي، أو هكذا كانت تدّعي.
ثم جاء اليوم الذي تغيّر فيه خط حياتها.
تقدّم شاب من أبناء الحارة يُدعى عِمْران لخطبتها. لم يكن سيئ الشكل، وكان يملك ثقة فاقت حجمه وقدرته، ورأت فيه حوريّة حينها حبًّا وملاذًا، فوافقت، وبدأت تستعد لزفافها كما تستعد الفراشات للولادة الأولى من الشرنقة.
غير أنّ عِمْران لم يكن يحبّها، بل كان يحبّ فكرة السيطرة عليها، ويعاملها كمنّة يمنحها لها، وكان كلما نظر إليها قال بنبرة متعالية
أنتِ طيبة يا حوريّة، لكن لو خسرتِ بعض الوزن، لكان الأمر أسهل عليّ أمام الناس.
وكانت تبتسم محاولةً إخفاء ما يتك سّر داخلها، ظنًا منها أنّ الزواج سيُصلح ما في قلبه من جفاء.
حتى جاء اليوم السابق لحفل الزفاف.
كانت
لا أستطيع متابعة الأمر. لستُ قادرًا على الزواج بك. أنتِ فتاة طيبة، لكنني لست مستعدًا لتحمّل نظرات الناس. لقد أخطأت عندما أقنعت نفسي أنني قادر على تجاوز الأمر. سامحيني. ليس لنا نصيب.
توقّفت الساعة.
كأن الزمن ألقى بنفسه أرضًا ورفض أن يتحرك.
في المساء، اجتمعت النساء في بيتها بالبكاء والصدمة، فقد كان الفرح في اليوم التالي، والفضيحة سترتطم بالجدران كالصدى.
أمّها لطمَت وجهها مرارًا، وجارتها قالت بصوت مرتجف
إنه عارٌ يا ابنتي! ماذا سنقول للناس؟!
لكن حوريّة لم تبكِ. جلسَتْ أمام مرآتها، ونظرت إلى وجهها طويلًا،
ثم قالت بصوت هادئ يشبه الصبر وقد تجسّد
الغريب إنهم كلهم شايفين إن اللي حصل عار وأنا لأول مرة حاسة إنه نجاة.
التفتت أمها نحوها بدهشة، والنساء صمتن فجأة كأن الكلمات سقطت من أفواههن.
قالت حورية وهي ما زالت تنظر إلى نفسها في المرآة
اللي يسيبني عشان شكل جسمي قبل الفرح بيوم كان ممكن يكسرني كل يوم بعد الجواز.
لم تكن الكلمات صرخة غضب، بل كانت هدوء إنسان فهم الحقيقة أخيرًا.
في تلك الليلة، نامت الحارة كلها وهي تهمس بالقصة.
لكن حورية لم تنم.
جلست تفكر طويلًا ليس في عمران، بل في نفسها. في السنوات التي كانت تسمع فيها التعليقات وتبتسم، في اللحظات التي حاولت فيها أن تصغر نفسها حتى ترضي
وعند الفجر، اتخذت قرارًا.
لن تختبئ.
في الصباح، فتحت باب بيتها وخرجت إلى الحارة. كان الناس يتوقعون أن يروها مكسورة، لكنهم فوجئوا بها تمشي مرفوعة الرأس.
اقتربت منها إحدى الجارات بحذر وقالت
يا بنتي ربنا يعوضك.
ابتسمت حورية وقالت بهدوء
عوضني فعلًا كشف لي الحقيقة قبل ما أضيع عمري.
مرت الأيام، وبدأت حورية تهتم بنفسها لا لتثبت شيئًا لأحد، بل لأنها أدركت لأول مرة أنها تستحق أن تعيش لنفسها.
بدأت تمشي كل صباح، تقرأ، تتعلم أشياء جديدة، وتعمل في متجر صغير للخياطة كانت تحلم به منذ زمن.
شيئًا فشيئًا تغيّر شكل حياتها.
لم يتغير جسدها فقط بل تغيرت نظرتها لنفسها.
أما عمران، فقد تزوج بعد عام من فتاة أخرى. لكن الحارة التي كانت تخاف رأيها لم ترحمه هذه المرة. فالناس لا تنسى بسهولة الرجل الذي ترك عروسًا قبل زفافها بيوم.
وكان كلما مرّ في الشارع، يسمع الهمسات
ده اللي كسر قلب البنت الطيبة.
أما حورية، فكانت قد أصبحت مختلفة تمامًا.
كبر متجرها، وأصبحت معروفة بمهارتها، وصار الناس يأتون إليها من أحياء أخرى.
وفي يوم من الأيام، دخل رجل إلى متجرها يريد تفصيل بدلة.
نظر إليها بابتسامة محترمة وقال
سمعت إنك أفضل خيّاطة في المنطقة.
رفعت حورية رأسها وابتسمت بثقة.
لم تكن تلك الابتسامة محاولة لإرضاء أحد بل كانت ابتسامة إنسانة عرفت قيمتها أخيرًا.
وحين خرج الرجل، قالت أمها التي كانت تجلس بجانبها
شايفة يا
ضحكت حورية وقالت
أنا بس اتعلمت حاجة واحدة يا أمي.
سألتها أمها
إيه هي؟
فقالت بهدوء
اللي يشوفك عيب سيبه يمشي. لأن اللي يشوفك نعمة هو اللي يستاهل يكمل الطريق معاك.
ومن يومها، لم تعد الحارة تتذكر قصة الفضيحة
بل تتذكر قصة الفتاة التي تحوّل انكسارها إلى بداية حياة.
مرّت الشهور، وتحوّل بيت حورية من مكان امتلأ بالبكاء يومًا إلى مكان يعجّ بالحركة والعمل.
المتجر الصغير الذي فتحته في أول الحارة بدأ يكبر تدريجيًا. في البداية كانت تفصّل لبعض الجارات فقط، ثم بدأت البنات من الشوارع المجاورة يأتين إليها بعد أن سمعن عن مهارتها في الخياطة.
كانت حورية تعمل لساعات طويلة، لكنها لم تكن تشعر بالتعب كما في السابق.
الفرق هذه المرة أنها لم تكن تحاول إرضاء أحد بل كانت تبني شيئًا يخصّها هي.
وفي إحدى الأمسيات، بينما كانت تقف أمام المحل ترتّب الفساتين في الواجهة، مرّت مجموعة من النساء يتحدثن بصوت منخفض، لكن كلماتهن وصلت إليها بوضوح
دي حورية العروسة اللي سابها عمران قبل الفرح.
توقفت يدها لحظة، لكنها لم تنزعج كما كانت تفعل قديمًا.
بل أكملت ترتيب الفساتين بهدوء وكأنها لم تسمع شيئًا.
فجأة ظهرت امرأة كبيرة في السن من بين المارة، وقالت لهن بنبرة حادة
عيب عليكم البنت دي أشرف وأقوى من ناس كتير.
ثم التفتت إلى حورية بابتسامة لطيفة وقالت
ما تسمعيش كلام حد يا بنتي الناس بتحب تحكي بس.
ابتسمت
أنا خلاص بطلت أعيش بعين الناس.
مرت الأيام، وذات