روايه بعد سنه من وفاة جدتي كاملة

لمحة نيوز


نظرت حولي للحظة. المستأجرتان كانتا تقفان قرب الشرفة الخلفية للبيت، تراقبان ما يحدث بفضول. إحداهما قالت:
"هل وجدت شيئًا؟"
قلت وأنا ما زلت أحدق في الصندوق:
"أظن ذلك."
أكملت الحفر حوله بحذر حتى تحرر من التراب. عندما رفعته شعرت بثقله. لم يكن كبيرًا جدًا، لكنه لم يكن فارغًا بالتأكيد.
جلست على الأرض في الحديقة، ومسحت التراب عنه بيدي.
كان صندوقًا معدنيًا قديمًا، عليه بقع صدأ خفيفة، ومغلق بمشبك بسيط. لم يكن هناك قفل حقيقي، فقط قطعة معدنية تضغط الغطاء في مكانه.
أخذت نفسًا عميقًا… ثم فتحته.
داخل الصندوق كان هناك كيس بلاستيكي سميك ملفوف بعناية، وكأن من وضعه أراد التأكد أن ما بداخله لن يتضرر بمرور الوقت.
فتحته ببطء.
في الداخل كان هناك ظرف كبير بلون أصفر باهت. وعلى الظرف، بخط واضح ومألوف… اسمـي.
خط يد جدتي.
توقفت للحظة. شعرت وكأن الزمن عاد بي سنوات إلى الوراء، إلى الأيام التي كانت تكتب فيها لي ملاحظات صغيرة وتتركها على الطاولة.
فتحت الظرف ببطء شديد.
كان بداخله خطاب طويل وعدة أوراق موضوعة في ملف بلاستيكي.
بدأت أقرأ الرسالة.
"حبيبتي،
إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة الآن، فهذا يعني أنكِ عدتِ إلى الشجرة بعد سنة

كما طلبت منك."
توقفت للحظة وأنا أشعر بقشعريرة تسري في جسدي.
أكملت القراءة.
"ربما تتساءلين لماذا طلبت منك هذا الطلب الغريب. الحقيقة أنني كنت أعرف أن الأيام بعد رحيلي قد لا تكون سهلة. أحيانًا، عندما يتعلق الأمر بالممتلكات، تظهر أمور لم نتوقعها."
شدّدت قبضتي على الورقة وأنا أواصل القراءة.
"لهذا السبب خبأت نسخة من وصيتي هنا، في المكان الذي أعلم أنكِ ستعودين إليه."
فتحت الملف البلاستيكي الذي كان داخل الصندوق.
كانت هناك مجموعة أوراق رسمية مختومة.
في أعلى الصفحة مكتوب: نسخة موثقة من الوصية القانونية.
بدأت أقرأ بسرعة.
البيت… مسجل باسمي واسم أمي.
بالضبط كما قالت جدتي قبل وفاتها.
كان هناك أيضًا اسم محامٍ ورقم مكتبه مكتوبين في أسفل الصفحة.
أعدت النظر إلى الرسالة.
"إذا حدث أي خلاف، خذي هذه الأوراق إلى المحامي الذي وثق الوصية. لقد احتفظ بنسخة في سجلاته، لكنني فضلت أن تكون لديكِ نسخة أيضًا. أحيانًا الاحتياط ضروري."
ثم جاءت الجملة الأخيرة:
"كنت أعرف أنكِ لن تنسي وعدك."
خفضت الورقة ببطء.
لم أستطع الكلام للحظات.
الهواء كان يتحرك بين أوراق الشجرة، يصدر صوتًا خفيفًا يشبه الهمس.
إحدى المستأجرتين اقتربت قليلًا وقالت:
"
هل أنتِ بخير؟"
نظرت إليها وابتسمت ابتسامة صغيرة رغم الدموع في عيني.
قلت:
"أعتقد… أن جدتي كانت تفكر في كل شيء."
في تلك الليلة، عدت إلى الكوخ الصغير الذي كنا نعيش فيه أنا وأمي منذ أن غادرنا البيت.
وضعت الصندوق على الطاولة.
أمي نظرت إليّ باستغراب.
قلت لها:
"أمي… لن تصدقي ما وجدته."
جلسنا معًا وبدأنا قراءة الرسالة.
كلما تقدمت في القراءة، كانت عينا أمي تتسعان أكثر. وعندما رأت الوصية داخل الملف، وضعت يدها على فمها.
همست:
"أمكِ كانت تعرف… كانت تعرف أن شيئًا قد يحدث."
لم ننم كثيرًا تلك الليلة. كنا نراجع الأوراق مرارًا وكأننا نحتاج التأكد أنها حقيقية.
في صباح اليوم التالي، اتصلنا بالمحامي الذي ذكرت جدتي اسمه.
كان مكتبه في مبنى قديم في وسط المدينة. عندما جلسنا أمامه وأعطيته الأوراق، قرأ الاسم الموجود في أعلى الصفحة.
ثم رفع رأسه ببطء.
قال:
"هذه بالفعل النسخة التي وثقتها لجدتكم."
تبادلنا أنا وأمي نظرة سريعة.
تابع المحامي:
"كنت أتساءل لماذا لم تأتوا بها من قبل."
شرح لنا أن الوصية التي ظهرت بعد وفاة جدتي لم تكن النسخة التي سجلها بنفسه.
وجود هذه النسخة الأصلية الموثقة… يغير الوضع تمامًا.
بدأت الإجراءات القانونية.

استغرق الأمر عدة أشهر. كانت هناك جلسات ومحاضر ووثائق يجب مراجعتها. لم يكن الطريق سهلًا، لكن الحقيقة كانت واضحة في الأوراق.
وأخيرًا… صدر القرار.
البيت يعود إلينا.
عندما خرجنا من المحكمة في ذلك اليوم، شعرت وكأن حملاً ثقيلاً أُزيل من صدري.
لم يكن الأمر مجرد بيت.
كان المكان الذي عشنا فيه كل ذكرياتنا مع جدتي.
بعد فترة قصيرة، عدنا إلى البيت.
المستأجرتان اللتان كانتا تعيشان هناك رحلتا بهدوء بعد انتهاء عقد الإيجار.
عندما فتحت الباب لأول مرة بعد عودتنا، شعرت برائحة مألوفة في الهواء.
كأن البيت كان ينتظرنا.
مشيت في الممر ببطء. الجدران ما زالت تحمل آثار الصور التي كانت معلقة عليها. المطبخ ما زال كما كان تقريبًا.
لكن أكثر مكان أردت الذهاب إليه كان الحديقة.
خرجت إلى الخارج في المساء.
الشجرة كانت ما تزال هناك، واقفة بهدوء في مكانها.
حفرت حفرة صغيرة بجانب المكان الذي أخرجت منه الصندوق، وأعدت ترتيب التراب حول الجذور بعناية.
سقيتها بالماء، ثم وقفت أنظر إليها.
السماء كانت تميل إلى لون الغروب البرتقالي، والنسيم الخفيف يحرك الأوراق.
وضعت يدي على جذع الشجرة.
وقلت بصوت هادئ:
"جدتي… كنتِ تعرفين."
وفي تلك اللحظة، شعرت
بشيء بسيط جدًا… لكنه كان حقيقيًا.
شعرت وكأن الحديقة عادت للحياة مرة أخرى. 🌿

تم نسخ الرابط