ظننت ان صاحب البقالة يكرهني
بدل ما أعذب نفسي وأنا برصها تاني في المخزن.
نظرت إلى تاريخ الصلاحية. ستة أشهر.
ابتسمت لكنني لم أجادله. لم أرد أن أكشف لعبته التي يعرف أنها مكشوفة.
خرجت من عنده وفي قلبي دفء لم أشعر به منذ زمن.
بدأت علاقتنا تتغير دون اتفاق أو كلام. فقط تتغير.
كنت أدخل المتجر فأجده منشغلا في ترتيب الرفوف أو تنظيف الطاولة وهو ما لم أره يفعل مطلقا من قبل ثم يرمي لي تعليقا جافا
إنتي لسه واقفة ما تخلصي عندنا زبائن غيرك.
لكنني صرت أعرف. صرت أسمع ما خلف الكلمات.
أعرف أنه يراقبني لأتأكد من أنني أشتري ما يكفي لابنتي أعرف أنه يتظاهر بالضيق كلما اختار لي شيئا أفضل مما يمكنني دفع ثمنه.
مرة دخل شاب صغير إلى المتجر وقرر أن يجادل في سعر كيلو السكر. رفع صوته واتهم العم عثمان بأنه يستغل الناس. توقعت أن ينفجر العجوز عليه لكن ما لم أتوقعه هو أن ينظر نحوي أولا.
نظارته اتجهت نحوي كأنه يتأكد هل تسمعين هل تتأثرين
ثم التفت إلى الشاب وتكلم بصوت منخفض ولكن حاد
أنا ما بأكلش حد. ولما يكون في زبون مش قادر بساعده من غير ما أجرح كرامته.
لم يلتفت نحوي بعدها ولم يشرح. لكنه قال ما يكفي.
خرج الشاب وهو يتمتم بكلام غاضب أما أنا فكنت واقفة بجوار الرف أشعر بكتلة صغيرة ترتفع في حلقي.
مرت الأسابيع وكنت أحاول جاهدة أن أجد عملا جديدا. أرسلت عشرات الطلبات حضرت ثلاثة مقابلات فاشلة وبدأت أفقد الأمل. حتى في الأيام التي لم أملك
العروض الجديدة. هكذا كان يسميها.
وبدا واضحا جدا أنها عروض لي وحدي.
وذات مساء كنت في طريقي إلى المنزل حين رأيت نور المتجر من الداخل رغم أن الوقت كان متأخرا. تعجبت فاقتربت. رأيته جالسا على مقعده الخشبي رأسه مائل قليلا ونظارته ساقطة فوق عينيه.
كان نائما.
ترددت أن أوقظه لكن حين لمحت علبة دواء موضوعة على الطاولة بجانبه اقتربت أكثر. كان الدواء للقلب. شعرت بوخزة خوف في صدري.
هل يعيش بمفرده هل هناك أحد يرعاه
وقفت أمامه دقائق أتأمل وجهه الذي لم أره من قبل دون قناع العبوس. بدا ضعيفا على نحو مؤلم أصغر سنا مما كنت أظن أو ربما أكثر إنهاكا.
تحرك فجأة فشهقت بخفوت. فتح عينيه ورآني.
إنتي قال وهو يحاول تعديل نظارته.
كنت معدية وشفت النور.
تمتم بنفاد صبر مصطنع النور ما بيطفيش لوحده ما وقفتيش ليه تفصلي ليه بقا
ابتسمت رغما عني. هذا أسلوبه الطبيعي.
لكنني سألته بهدوء إنت كويس
تجمد لثانية. ساد صمت غريب كأن السؤال باغته تماما. ثم قال
أنا كويس. الكبار ما يموتوش بسهولة.
حاول أن ينهض فرأيت الانزعاج الخفيف في وجهه. جلس من جديد وأشار بيده روحي بكرة بدري عندي شغل.
لم أتحرك.
أخيرا زفر وقال لو قعدتي هتبوظي علي النوم. روحي يا بنتي.
كانت طريقته في قول أنا بخير.
فتركته لكنني لم أستطع
في اليوم التالي مررت أمام المتجر فوجدته مغلقا. فضرب قلبي بعنف.
ظل المتجر مغلقا ثلاثة أيام كاملة.
بدأ القلق ينهشني. وفي الليلة الثالثة لم أحتمل. سألت الجيران وأصحاب المحلات المجاورة. أحدهم قال إن العم عثمان يسكن فوق المتجر. صعدت السلم بخوف لم أعرف مثله من قبل.
طرقت الباب.
لم يفتح أحد.
طرقت مرة أخرى بقوة أكبر.
بعد دقيقة سمعت خطوات متثاقلة تقترب. فتح الباب قليلا وظهر وجهه خلفه شاحبا.
إنتي قالها بصوت مبحوح.
يا عم عثمان إنت مريض
حاول أن يفتح فمه ليقول كويس لكن الكلمات خانته. فتح الباب أكثر وعاد ليجلس على كرسي خشبي داخل الغرفة الصغيرة.
كانت شقته متواضعة جدا. غرفتان فقط أرفف مليئة بأوراق قديمة وصور لأسرة لم أكن أعرف عنها شيئا.
جلس بصمت بينما وقفت أنا عند الباب لا أعرف هل أدخل أم أخرج.
ثم قال بصوت واهن
الدكتور قال لازم أرتاح القلب ما عادش يتحمل الشغل كله.
سكت ثم نظر إلي بنظرة مباشرة نادرة
ما تقوليش لحد ما بحبش حد يشفق.
جلست أمامه دون استئذان وقلت أنا مش بشفق. أنا بقلق.
ابتسم للمرة الأولى. ابتسامة حقيقية خجولة صغيرة لكنها ابتسامة.
قلق دا كويس.
منذ ذلك اليوم أصبحت أمر عليه كل مساء بعد أن تنام ابنتي لأطمئن عليه. لم أكن
أفعل شيئا كبيرا فقط أعد له كوب شاي وأرتب بعض الأرفف وأحضر له دواءه في موعده.
وكان يشكو دائما
إنتي بتقلبي بيتي فوق تحت!
الشاي سخن زيادة!
والله
لكنه لم يمنعني من المجيء مرة واحدة.
وكان يعطيني في كل زيارة درسا صغيرا من حياته
كيف بدأ بلا شيء كيف خسر زوجته مبكرا كيف ربى ابنين هاجرا وتركاه لكنه لم يكرههم فقط كان يردد
كل واحد بيختار طريقه.
وبعد أسبوعين فتح المتجر من جديد. كنت أول الزبائن. وقف خلف الطاولة كعادته لكنه بدا أخف عبوسا كما لو أن شيئا انزاح عنه.
اتأخرتي ليه قال بمجرد أن رآني.
أنا أول واحدة دخلت.
لسه. كنتي المفروض تيجي بدري.
ضحكت. ضحكت بصدق.
ومع الوقت أدركت شيئا.
العم عثمان لم يكن يعطيني طعاما فقط. كان يعطيني كرامة قوة ويدا تمتد من قلب خشن الملمس لكنه ناعم الجوهر.
وأنا أيضا بطريقة ما كنت أعطيه شيئا فقده منذ زمن طويل
ونسا بيتا لا يخلو من خطوات صوتا يرد عليه حين يتذمر وسببا ليفتح المتجر كل صباح.
وفي أحد الأيام وقف أمامي عند الطاولة وقال بصوت حاسم
هتفضلي تعدي كل يوم على المتجر ولا أنتي ناوية تختفي تاني لما تلاقي شغل
قلت وأنا أرتب مشترياتي يعني تحب أعدي
نظر إلي مباشرة وقال دون عبوس
أيوه. إحنا اتعودنا.
لم يكن بحاجة أن يشرح من إحنا.
ابتسمت وأنا أدرك أن بعض العلاقات لا تنشأ من الدم بل من صمتين يتلاقيان ومن احتياجين يلتقيان دون اتفاق ومن قلبين خشني السطح لكنهما طيبان في العمق.
العم عثمان لم يعد مجرد صاحب بقالة.
ولم أعد مجرد زبونة.
صرنا عائلة لا تحمل نفس الاسم لكن تحمل نفس الوجع
وأحيانا هذه هي العائلة التي يرسلها الله حين تنهار الطرق الأخرى.