مين هيقبل واحده ارمله ومبتخلفشى
نتعلم منه ونكمل.
سلمى هزت رأسها.
وبعدين قفلت دفترها.
كانت الصفحة الأخيرة فيها جملة واحدة
أنا مش الست اللي ماخلفتش... أنا الست اللي ماوقفتش.
قفلت الدفتر.
وخرجت من المكتب.
وكانت القرية كلها تقريبًا تعرف سلمى دلوقتي.
لكن هي نفسها ما كانتش مهتمة بالشهرة.
كانت مهتمة بحاجة واحدة
إن بنت صغيرة ما تضطرش في يوم من الأيام ترجع بيتها وهي مصدقة إن قيمتها أقل من غيرها.
وعشان كده...
فضل المركز مفتوح.
وفضل الباب مفتوح.
وفضلت سلمى تكرر لكل بنت تدخل عندها
محدش يختصر حياتك في كلمة واحدة.
وكانت دي آخر حاجة اتغيرت في حياتها...
إنها ما بقيتش تنتظر حد يقول لها إنها تستحق.
لأنها أخيرًا عرفت بنفسها إنها تستحق بعد شهور، رجعت سلمى من القاهرة وهي شايلة خبر كبير.
أول ما دخلت المركز، لقت مريم مستنياها.
أبلة سلمى!
ضحكت سلمى.
إيه يا بنتي؟
اتقبلت في كلية التربية!
سلمى فرحت جدًا.
برافو يا مريم.
لكن قبل ما يكملوا كلامهم، دخل راجل غريب للمركز.
كان في إيده ملف قديم.
بص لسلمى وقال
مدام سلمى عبد الرحمن؟
أيوه.
أنا جاي من مكتب الشهر العقاري.
سلمى استغربت.
خير؟
مد لها الملف.
فيه عقار قديم مسجل باسم المرحوم حسام، واتضح أثناء مراجعة السجلات إن فيه جزء منه ما اتسجلش ضمن التركة.
فتحت الملف.
وكانت المفاجأة إن العقار عبارة عن مخزن قديم في آخر القرية، وحسام كان كاتبه باسمها قبل وفاته.
سلمى قالت
أنا مش عايزة أبيع.
راشد، اللي كان واقف قريب، قال
محدش قال تبيعي.
بصت له.
أمال نعمل إيه؟
قال
نخليه تابع للمركز.
سلمى سكتت.
وبعد أيام، اتحول المخزن القديم إلى ورشة تدريب.
ستات القرية بقوا يتعلموا فيه الخياطة والتطريز وتصنيع المنتجات الزراعية.
والأجمل إن أول واحدة اشتغلت فيه كانت نوال، مرات أبو سلمى.
سلمى استغربت لما شافتها أول يوم.
إنتي جاية هنا؟
نوال قالت
لو لسه فيه مكان.
سلمى سكتت.
نوال كملت
أنا عارفة إني ظلمتك.
عارفة.
وعارفة إن كلمة واحدة مني كانت ممكن تفضل جواكي سنين.
سلمى قالت
فضلت فعلًا.
نوال نزلت عينيها.
عشان كده أنا مش جاية أطلب منك تنسي.
ثم رفعت رأسها.
أنا جاية أطلب فرصة أصلح اللي أقدر عليه.
سلمى بصت لها فترة طويلة.
ثم قالت
الورشة محتاجة حد يمسك حسابات المشتريات.
نوال استغربت.
يعني؟
يعني لو تقدري تعمليها، ابدئي من بكرة.
نوال دمعت عينيها.
هحاول.
سلمى ردت
محدش بيتعلم من أول يوم.
خرجت نوال.
راشد قال لسلمى
عملتي إيه؟
قالت
اديتها فرصة، مش غفران مجاني.
ابتسم.
فرق كبير.
ومرت الأيام.
الورشة نجحت.
والمركز كبر.
وبعد سنة، أقيم احتفال كبير في القرية لتكريم السيدات اللي شاركوا في المشروعات.
كان اسم سلمى أول اسم على القائمة.
لكنها لما طلعت تستلم التكريم، قالت
التكريم ده مش ليا لوحدي.
ثم أشارت للستات.
دول اللي اشتغلوا وتعبوا.
وأشارت للأطفال.
ودول السبب اللي خلانا نكمل.
ثم سكتت لحظة وقالت
وأنا عايزة أقول حاجة لكل بنت أو ست اتقال لها يومًا إنها أقل من غيرها.
القاعة سكتت.
ما تصدقيش.
ثم أضافت
الناس أحيانًا بتحكم على الإنسان من الحاجة اللي مش موجودة في حياته، وتنسى تشوف كل الحاجات اللي موجودة.
صفق الجميع.
وكان أبوها واقف في الصف الأول.
لكن المفاجأة كانت لما قام وقال بصوت مسموع
وأنا أول واحد اتعلم الدرس ده.
سلمى بصت له.
قال
بنتي عمرها ما كانت عبء.
ثم أضاف
أنا اللي اتأخرت عشان أفهم قيمتها.
سلمى ما قالتش حاجة.
لكنها ابتسمت.
وفي نهاية الحفل، خرجت من القاعة.
راشد كان مستنيها.
قال
مبسوطة؟
قالت
جدًا.
عارفة ليه؟
ليه؟
لأنك ما بقيتيش بتحاولي تثبتي حاجة لحد.
سلمى بصت له وقالت
يمكن دي أول مرة أعيش من غير ما أكون مستنية حكم الناس.
وبعدين مشيت ناحية المركز.
كانت الأنوار لسه شغالة.
والبنات جوه بيتعلموا.
والستات شغالين.
وصوت الأطفال جاي من الفصل.
وقفت سلمى عند الباب.
افتكرت اليوم اللي كانت فيه قاعدة في بيت أبوها، ماسكة الإبرة، وبتسمع
مين هيقبل واحدة أرملة ومابتخلفش؟
ابتسمت لنفسها.
لأن السؤال اللي كان زمان بيوجعها...
ما بقاش له أي معنى.
فهي لم تكن بحاجة لأن يقبلها الناس.
كانت بحاجة فقط لأن تقبل هي نفسها.
ومن يومها، كل بنت تدخل المركز لأول مرة، كانت سلمى تقول لها نفس الجملة
متسمحيش لحد يكتب نهاية قصتك بدالك لكن بعد أيام قليلة، حصل شيء ماكانش في الحسبان.
وصلت لسلمى رسالة رسمية من مكتب محاماة.
فتحتها وهي متوقعة إنها تخص الأرض أو المشروع.
لكن أول سطر خلّاها تتجمد
بخصوص طلب إثبات ملكية عقار مسجل باسم المرحوم حسام عبد الرحمن...
قرأت باقي الرسالة بسرعة.
كان فيه شخص بيطالب بجزء من العقار، وبيقول إن له حق قديم فيه.
سلمى راحت لراشد.
قالت
أنا مش فاهمة.
أخذ الورق منها.
قرأه بهدوء.
لازم نراجع المستندات القديمة.
وفي اليوم التالي، ذهبوا للمحامي.
المحامي فتح ملفًا ضخمًا، وقال
الشخص ده بيقول إن والد حسام كان وعده بجزء من الأرض من زمان.
سلمى قالت
عنده عقد؟
لأ.
عنده إيصال؟
لأ.
راشد قال
أمال مطالبته مبنية على إيه؟
المحامي رد
على شهادة شخصين.
سلمى سكتت.
ثم قالت
مين الشاهدين؟
المحامي ذكر اسمين.
سلمى اتفاجئت.
واحد منهم كان قريبًا من عائلة حسام.
والثاني كان شغال زمان عندهم.
قالت
يعني نفس الناس اللي كانوا بيقولوا إني السبب في وفاة حسام؟
المحامي هز رأسه.
أيوه.
راشد قال
يبقى لازم نتعامل مع الموضوع بالقانون فقط.
سلمى وافقت.
ما راحتش تواجه حد.
وما اتهمتش حد.
جمعت كل الأوراق القديمة، وطلبت من المحامي مراجعة السجل الرسمي.
وبعد أسبوع، ظهرت الحقيقة.
العقار كان مسجلًا باسم حسام بالفعل، ومافيش أي مستند قانوني يثبت حق الشخص اللي طالب به.
المحكمة رفضت المطالبة.
لكن المفاجأة إن الشخص نفسه ظهر أمام سلمى بعد الجلسة.
قال
أنا ماكنتش عايز أخد الأرض.
سلمى بصت له باستغراب.
أمال كنت عايز إيه؟
قال
كنت عايز أخليكي تخافي.
ليه؟
لأن عيلتنا كانت شايفة إنك أخدتي حق مش حقك.
سلمى ردت
أنا ماخدتش حاجة من حد.
ثم أضافت
كل اللي عندي اتسجل رسميًا باسمي.
الراجل سكت.
ثم قال
يمكن إحنا غلطنا.
سلمى قالت
الغلط له تصحيح.
يعني تسامحيني؟
ردت بهدوء
المسامحة حاجة، والحق حاجة تانية.
ثم مشت.
في المساء، رجعت المركز.
لقيت مريم قاعدة بتذاكر.
قالت لها
لسه هنا؟
عندي امتحان بكرة.
سلمى ابتسمت.
روحي ذاكري.
مريم قالت
إنتي شكلك تعبانة.
يوم طويل.
حصل إيه؟
سلمى قالت
مشكلة واتحلت.
مريم ابتسمت.
إنتي دايمًا بتقولي لنا إن المشكلة مهما كانت كبيرة، لازم نعرف الحقيقة الأول.
سلمى ضحكت.
وطلعتي بتسمعي الكلام؟
ساعات.
قالتها مريم وضحكت.
لكن قبل ما تخرج، وقفت وقالت
أبلة سلمى؟
نعم؟
أنا لما أبقى مدرسة، هعلم البنات نفس الكلام اللي علمتيهولنا.
سلمى ردت
ساعتها مش هتبقي تلميذتي.
هبقى إيه؟
زميلتي.
مريم ابتسمت وخرجت.
سلمى فضلت واقفة عند الباب.
راشد كان مستنيها بره.
قال
جاهزة؟
لسه.
مستنيكي.
قفلت سلمى باب المركز.
وبصت للمكان كله للمرة الأخيرة.
ثم قالت
عارفة يا راشد؟
إيه؟
زمان كنت بخاف إن الناس تفتكرني طول عمري الأرملة اللي ما بتخلفش.
ودلوقتي؟
ابتسمت.
دلوقتي لو حد قالها، مش هزعل.
ليه؟
لأن دي مجرد معلومة عن جزء من حياتي.
ثم أضافت
مش اسمي.
ومشيت.
وفي اليوم التالي، علقت سلمى على باب المركز لوحة جديدة.
كان مكتوب عليها
هنا لا نسأل المرأة ماذا ينقصها... نسألها ماذا تستطيع أن تصنع.
ومن يومها، بقى الباب مفتوح لكل واحدة كانت فاكرة إن حياتها انتهت.
لأن سلمى كانت عارفة أكثر من أي حد...
إن أحيانًا، أصعب بداية في الحياة...
بتكون هي نفسها بداية أجمل فصل.