مين هيقبل واحده ارمله ومبتخلفشى

لمحة نيوز

من أول ما لقيتك قاعدة بتخيطي هدومك وإنتِ ساكتة رغم إن الكل كان بيجرحك.
ثم قال
عرفت إنك محتاجة فرصة، مش إنقاذ.
سلمى سكتت.
وبعدين قالت
فيه حاجة أنا ماقلتهاش لك.
راشد رفع حاجبه.
إيه؟
زمان كنت بخاف من كلمة بكرة.
ودلوقتي؟
بصت من الشباك.
قدامها كان الفصل مليان بنات وأطفال، والمزرعة شغالة، والعمال داخلين خارجين.
قالت
دلوقتي أنا اللي مستنية بكرة.
في المساء، رجعت سلمى بيت أبوها.
كان عبد الرحمن قاعد لوحده.
قال لها
تعالي يا بنتي.
قعدت جنبه.
طلع من جيبه مفتاح قديم.
ده مفتاح أوضة أمك.
سلمى بصت له.
ليه بتديهولي؟
عشان الأوضة دي بقت ليكي.
سكت لحظة.
أنا عارف إني قصرت معاكي.
سلمى ما ردتش.
وعارف إن كلمة حقك عليا مش هترجع السنتين اللي فاتوا.
بص لها.
بس نفسي أعرف إنك سامحتيني.
سلمى أخذت المفتاح.
وقالت
أنا مش هقدر أنسى.
أبوها هز رأسه.
فاهم.
لكن أقدر أبدأ من جديد.
دموعه نزلت.
ولأول مرة من سنين، حسّت سلمى إن أبوها أخيرًا وقف في صفها.
مش بالكلام.
لكن بالفعل.
وفي اليوم التالي، حصلت مفاجأة أخيرة.
جاءت والدة حسام للبيت.
وقفت قدام سلمى فترة طويلة من غير كلام.
ثم قالت
أنا ظلمتك.
سلمى فضلت ساكتة.
بعد ما حسام مات، كنت بدور على أي حد ألومه.
ثم قالت
وكان أسهل حد ألومه هو إنتِ.
سلمى ردت
وأنا دفعت تمن ده سنتين.
قالت المرأة
عارفة.
ثم مدت لها ملفًا.
دي أوراق تخص حاجات حسام اللي كانت عندنا.
سلمى أخذتها.
قالت المرأة
هو كان كاتب اسمك عليها.
سلمى فتحت الملف.
لكنها ما اهتمتش بالممتلكات.
قفلت الملف وقالت
خديها.
المرأة استغربت.
ليه؟
لأن اللي كان بيني وبين حسام انتهى يوم مات.
ثم أضافت
أنا مش عايزة أعيش باقي عمري في خناقة مع أهله.
والدة حسام سألت
ومش زعلانة؟
سلمى ابتسمت.
زعلانة.
ثم قالت
بس أنا اخترت أعيش.
خرجت المرأة.
وسلمى وقفت عند الباب.
راشد كان واقف بعيد.
قال
انتهى؟
ردت
أيوه.
مرتاحة؟
جدًا.
دخلت سلمى البيت.
وعلقت المفتاح القديم على الحائط.
وبصت له لحظة.
كان مفتاح أوضة أمها.
لكن بالنسبة لها، كان رمزًا لحاجة أكبر
إن الإنسان ممكن يقفل بابًا قديمًا...
من غير ما يفضل واقف قدامه طول عمره.
ومن يومها، كل ما حد في القرية يسأل
دي مش سلمى الأرملة اللي ما بتخلفش؟
كان الرد ييجي من ناس كتير
دي سلمى صاحبة المدرسة والمشروع.
دي سلمى اللي علمت بناتنا.
دي سلمى اللي وقفت جنب أبوها.
دي سلمى اللي بنت حياتها بنفسها.
أما سلمى...
فكانت كل ما تسمع الكلام ده تبتسم وتكمل طريقها.
لأنها أخيرًا فهمت الحقيقة
مش كل خسارة نهاية، ومش كل كلام الناس حقيقة، والإنسان مش بيتقاس بحاجة واحدة ناقصة في حياته... بيتقاس بالأثر اللي بيسيبه وراه مرت خمس سنين كمان.
القرية نفسها اتغيرت.
الفصل الصغير اللي بدأت فيه سلمى بتعليم كام بنت، بقى مركز كبير لتعليم الأطفال والكبار.
والمشروع الزراعي كبر، وبقى فيه ستات كتير من القرية شغالين فيه.
أما سلمى، فبقت معروفة في المنطقة كلها.
لكن رغم كل ده، كانت لسه كل صباح بتفتح دفترها بنفسها، وتراجع الحسابات واحدة واحدة.
وفي يوم، دخل عليها راشد وقال
عندي خبر.
رفعت عينيها.
خير؟
الأرض اللي جنب المركز اتعرضت للبيع.
قالت
وماله؟
عايز أشتريها.
استغربت.
ليه؟
عشان نوسع المركز.
سلمى ابتسمت.
مش المركز بتاعي؟
قال
لأ.
ثم أضاف
المركز بتاع الناس اللي استفادوا منه.
سلمى سكتت لحظة.
ثم قالت
موافقة.
بعد شهر، بدأت أعمال البناء.
لكن أثناء الحفر، العمال لقوا صندوقًا حديديًا قديمًا مدفونًا في الأرض.
استدعوا سلمى وراشد.
الصندوق كان مقفول.
وبعد فتحه، لقوا مستندات قديمة تخص الأرض.
ومن بينها ورقة باسم عبد الرحمن، والد سلمى.
سلمى اتصدمت.
دي أرض بابا!
راشد قرأ المستندات.
وقال
واضح إن جزء من الأرض دي كان ملك لعيلتكم من زمان، واتنقلت ملكيتها بطريقة غير سليمة.
سلمى بصت للورق.
يعني إيه؟
يعني ممكن يكون فيه حق قديم لأبوكي.
أخذت الأوراق وراحت لأبيها.
أول ما شافها، فضل ساكت.
قالت
كنت تعرف؟
عبد الرحمن رد
كنت أعرف إن أبويا كان عنده أرض هنا.
وليه ماقولتش؟
لأن الأوراق ضاعت من سنين.
سلمى بصت له.
والأرض دي كانت سبب في مشاكل كتير؟
هز رأسه.
أيوه.
بعد مراجعة الأوراق مع المحامي، اتضح إن جزءًا من الأرض بالفعل كان ملكًا للعائلة، وإنها انتقلت قديمًا بطريقة فيها خطأ قانوني.
لكن سلمى رفضت إنها تستولي على الأرض كلها.
قالت
ناخد حقنا القانوني بس.
وبالفعل، بعد الإجراءات، رجع جزء من الأرض لأبيها.
عبد الرحمن وقف قدام سلمى وقال
إنتي مش عارفة عملتيلي إيه.
ردت
عملت اللي كان لازم يتعمل.
قال
وإنتي كان ممكن تاخدي كل حاجة لنفسك.
ابتسمت.
أنا اتعلمت إن الحق مش معناه الطمع.
بعدها بأيام، راشد دخل عليها وقال
عندي سؤال.
اسأل.
لو المشروع كبر أكتر، مستعدة تديريه؟
ضحكت.
أنا اللي بدأته، مش هسيبه.
قال
كنت عارف إنك هتقولي كده.
وفي افتتاح المركز الجديد، وقف عدد كبير من أهل القرية.
الأطفال في المقدمة.
والستات اللي اشتغلوا في المشروع وراهم.
عبد الرحمن كان واقف جنب الباب.
وداليا كانت موجودة أيضًا.
لما جاء دور سلمى للكلام، وقفت قدام الناس.
قالت
من سنين، كنت قاعدة في بيت صغير بسمع جملة واحدة بتتكرر
مين هيقبل واحدة أرملة ومابتخلفش؟
الناس سكتت.
قالت
وقتها كنت فاكرة إن السؤال ده بيحدد مستقبلي.
ثم ابتسمت.
لكن اكتشفت إن السؤال نفسه غلط.
بصت للأطفال.
لأن الإنسان مش مشروع ناقص عشان نقيسه بحاجة واحدة.
وبصت للستات.
ومفيش ست قيمتها تتحدد بكونها أم أو زوجة فقط.
ثم قالت
أنا خسرت زوجي.
سكتت لحظة.
وخسرت سنين من عمري وأنا مصدقة كلام الناس.
ثم رفعت رأسها.
لكني ماخسرتش نفسي.
الناس صفقوا.
وكان أبوها أول واحد يصفق.
راشد وقف بعيد، ساكت، لكنه كان مبتسمًا.
بعد انتهاء الحفل، رجعت سلمى لمكتبها.
فتحت الدفتر القديم اللي كانت بتكتب فيه أول حسابات المشروع.
على أول صفحة كان مكتوب
ابدئي من اللي معاكي، حتى لو كان قليل.
بصت للجملة وابتسمت.
ثم كتبت تحتها
واللي يخسر حاجة، مش شرط يخسر حياته.
قفلت الدفتر.
وبصت من الشباك.
المكان اللي كان زمان مجرد أرض مهجورة، بقى مليان أطفال وصوت ضحك وحركة.
وساعتها فهمت إن حياتها ما اتحددتش يوم مات حسام.
ولا يوم رجعت بيت أبوها.
ولا يوم سمعت كلمة عاقر.
حياتها اتحددت يوم قررت إنها تصدق نفسها بدل ما تصدق كلام الناس.
ومن يومها، كل ما حد يسأل عن سلمى، ماكانش حد بيقول
الأرملة اللي ما بتخلفش.
كانوا يقولوا
دي سلمى... الست اللي بدأت من الصفر، وبنت لنفسها مكان محدش يقدر يهده.
ودي كانت النهاية الحقيقية.
مش إنها اتجوزت راجل غني.
ولا إنها امتلكت أرض.
لكن إنها أخيرًا عرفت إن قيمتها ما كانتش محتاجة شهادة من أي حد بعد افتتاح المركز بشهر، كانت سلمى قاعدة في مكتبها آخر النهار، لما دخل راشد وفي إيده ظرف أبيض.
قال
الظرف ده جالي النهارده.
سلمى أخذته.
باسم مين؟
باسمك.
فتحت الظرف، ولقت جواه ورقة مختومة من مكتب محاماة في القاهرة.
قرأت أول سطر، واتغيرت ملامحها.
إيه ده؟
راشد قال
اقرئي للآخر.
كملت القراءة.
كانت الورقة بتقول إن فيه مؤسسة خيرية كبيرة كانت بتبحث عن شخصية لإدارة برنامج لمساعدة الأرامل والسيدات اللي فقدوا مصدر دخلهم.
والاسم اللي تم ترشيحه بالإجماع كان
سلمى عبد الرحمن.
رفعت عينيها.
أنا؟
قال راشد
أيوه.
مين رشحني؟
قال
أكتر من شخص.
ثم أضاف
الناس اللي اشتغلوا معاكي، والستات اللي ساعدتيهم، ومديرة المدرسة، وحتى ناس من خارج القرية.
سلمى سكتت.
قال راشد
العرض مش مجرد شغل.
أمال إيه؟
هيطلب منك تسافري القاهرة كام يوم كل شهر وتديري البرنامج من هناك.
سلمى بصت للورقة طويلًا.
وإنت موافق؟
رد فورًا
القرار قرارك.
ابتسمت.
عارف؟ زمان كنت فاكرة إن كل باب جديد لازم يكون وراه حد يفتحهولي.
ودلوقتي؟
قالت
دلوقتي أنا اللي بفتح الأبواب.
بعد أسبوع، سافرت سلمى للقاهرة لأول اجتماع.
دخلت قاعة كبيرة، وكانت موجودة مجموعة من المسؤولين عن البرنامج.
واحدة منهم قالت
إحنا قرأنا قصتك.
سلمى ردت
قصتي مش مهمة.
استغربت المرأة.
أمال إيه المهم؟
قالت سلمى
الناس اللي محتاجة فرصة.
سكتت المرأة لحظة، ثم ابتسمت.
عشان كده اخترناكي.
بدأت سلمى شغلها.
وفي خلال شهور، البرنامج ساعد عشرات السيدات في تعلم مهن مختلفة وفتح مشروعات صغيرة.
وكان كل ما المشروع يكبر، سلمى تفتكر أول يوم قعدت فيه في بيت أبوها وهي بتخيط هدومها، والناس بتقول إن حياتها انتهت.
وفي يوم، رجعت القرية متأخرة.
دخلت مكتبها.
لقيت بنت صغيرة مستنياها.
كانت مريم.
كبرت مريم وبقت في الثانوية.
قالت
أبلة سلمى، أنا جايبة لك حاجة.
مدت لها ورقة.
كانت طلب التحاق بكلية التربية.
سلمى ابتسمت.
هتبقي مدرسة؟
مريم قالت
أيوه.
ثم أضافت
عشان أعمل مع الأطفال اللي إنتي عملتيه معانا.
سلمى بصت للورقة، وسكتت لحظة.
ثم قالت
روحي كملي ورقك.
مريم ضحكت.
يعني موافقة؟
دي حياتك إنتي، مش حياتي أنا.
وقبل ما مريم تخرج، قالت
بس لو احتجتي مساعدة، هتلاقيني.
خرجت مريم.
وسلمى فضلت واقفة عند الشباك.
راشد دخل بعدها بدقائق.
قال
مريم مشيت؟
أيوه.
وقررت تبقى مدرسة؟
أيوه.
راشد ابتسم.
يبقى تعبك ما راحش هدر.
سلمى بصت له.
يمكن دي أول مرة أحس إن كل اللي حصل كان له معنى.
قال
مش لازم كل وجع يكون له معنى عشان نتجاوزه.
سكت لحظة.
أحيانًا كفاية إننا
تم نسخ الرابط