مين هيقبل واحده ارمله ومبتخلفشى
مين هيقبل واحدة أرملة ومابتخلفش؟ دي حتى لو اتجوزت، الراجل هيكون عايز منها إيه؟
قالت مرات أبويا الجملة دي وأنا قاعدة على بُعد كام خطوة منها.
ولا حاولت توطي صوتها.
هي عمرها ما كانت بتوطي صوتها لما يكون قصدها تجرحني.
كان الجو بره شتا، والمطر بيخبط على إزاز شبابيك البيت القديم في قرية صغيرة على أطراف المنوفية، والهواء بيزق الشبابيك الخشب لدرجة إن الإزاز كان بيرتعش.
وأنا كنت قاعدة بخيط هدومي.
غرزة...
وبعدها غرزة تانية.
كل ما عيني تفضل على الإبرة، كل ما أقدر أتجنب إني أبص في وش مرات أبويا.
اسمي سلمى عبد الرحمن.
عندي أربعة وعشرين سنة، وأرملة من سنتين.
اتجوزت حسام وأنا عندي اتنين وعشرين سنة، وعشنا مع بعض سنة وأربع شهور بس.
وبعدها مات في حادثة وهو راجع من الأرض.
ماخلفناش.
ومن يومها، بقى كل واحد شايف نفسه من حقه يحكم عليّا.
بعد وفاة حسام بأسابيع، أمه قالتلي
الست لازم يكون ليها عيل يسندها.
وأخواته أخدوا البيت بحجة إنه ملك للعيلة من زمان.
رجعت بيت أبويا بشنطتين.
لكن الشنطتين ماكانوش أصعب حاجة شيلتها.
الأصعب كان الكلام اللي رجع معايا.
عاقر.
منحوسة.
مش هتخلف.
وبدل ما ألاقي بيت أبويا مكان أرتاح فيه، لقيت نفسي طول الوقت بحاول أثبت إن وجودي مش عبء.
مرات أبويا، نوال، كانت شايفة إني واخدة مكان مش من حقي.
وأختها داليا كانت كل ما تشوفني تقول كلام يوجعني.
في اليوم ده، قالت داليا وهي واقفة جنب الشباك
هو مين أصلًا هيقبل يتجوزها؟
رفعت عيني لها.
قالت
أرملة ومابتخلفش.
أبويا عبد الرحمن قال بصوت ضعيف
داليا... كفاية.
ضحكت.
أنا بقول الحقيقة.
مرات أبويا دخلت في الكلام
إحنا مش هنقدر نشيل سلمى طول العمر.
قلت بهدوء
أنا بشتغل.
ردت بسخرية
بتخيطي هدوم يعني؟
وبساعد بابا في الحسابات.
قالت
وبتاكلي كمان.
سكت.
مش عشان ماعنديش رد.
لكن عشان تعبت من الرد.
وفجأة...
خبط حد على الباب.
تلات خبطات تقيلة.
البيت كله سكت.
الخدامة راحت تفتح.
وبعد ثواني سمعت صوت أبويا
يا أهلا يا أستاذ راشد.
رفعت عيني.
راشد المنشاوي.
أكبر أصحاب الأراضي والمواشي في المنطقة.
راجل أرمل من خمس سنين، وعنده أرض ومخازن ومزرعة كبيرة.
دخل بهدوء.
كان لابس جلابية صوف وجاكت غامق، وشكله يدل إنه جاي من طريق طويل.
لف عينه في الصالة.
وفجأة ثبت نظره عليّا.
قال
دي سلمى؟
أبويا اتردد.
أيوه.
وبدل ما يقول بنتي وخلاص، قال
بنتي الكبيرة... أرملة... وماخلفتش.
مرات أبويا دخلت بسرعة
والدكاترة قالوا إن فرصتها ضعيفة جدًا.
راشد بص لها.
وقال
أنا ما سألتش عن ده.
سكت الجميع.
بصلي وقال
أنا جاي عشان أسأل سلمى سؤال.
قلبي دق بسرعة.
إيه هو؟
قال
توافقي تتجوزيني؟
الإبرة وقعت من إيدي.
داليا شهقت.
ومرات أبويا ماعرفتش تقول حاجة.
أما أبويا، ففضل باصص لي.
راشد كمل
قبل ما تيجي في بالك أي إجابة، أنا عايز أوضح حاجة.
سكت لحظة.
أنا عارف إنك أرملة.
ثم قال
وعارف إنك ماخلفتيش.
خفضت عيني.
قال
وعارف كمان إن الكلام ده مش معناه إن العيب فيكي.
رفعت عيني له.
عرفت منين؟
قال
سألت.
اتوترت.
سألت مين؟
قال
سألت صاحب الصيدلية اللي كان حسام بيتعالج عنده.
ثم تابع
وعرفت إنك دفعتي جزء من علاجه لما أهله رفضوا يساعدوه.
سكت.
وسألت مدرسة الوحدة الصحية.
ثم نظر لي مباشرة.
قالت إنك كنتي بتعلمي بنات صغيرين القراءة والكتابة من غير مقابل.
أبويا رفع رأسه.
راشد أكمل
وسألت الراجل اللي بيراجع حسابات الأرض.
بص لأبويا.
وقالي إن سلمى هي اللي اكتشفت خطأ في حساباتك، وكان ممكن يضيع منك مبلغ كبير.
مرات أبويا وشها اتغير.
راشد قال
أنا مش بدور على واحدة تخلف وبس.
ثم أضاف
أنا بدور على إنسانة أقدر أثق فيها.
سكت.
ثم قال
ولو وافقتي، يبقى القرار قرارك.
نظرت لأبي.
لأول مرة حسيت إن حياتي ممكن تكون في إيدي أنا.
قلت
موافقة.
داليا صرخت
إنتي بتوافقي كده؟!
بصيت لها.
أيوه.
راشد قال بهدوء
بكرة هاجي مع عمي ونحدد كل حاجة قدام أبوكي.
وقبل ما يخرج، وقف عند الباب.
بص لنوال وقال
وفي حاجة مهمة.
نوال قالت
اتفضل.
قال
سلمى لو بقت زوجتي، مش هسمح لأي حد يقلل منها.
ثم خرج.
فضل الصمت مسيطر على البيت.
لكن أنا لأول مرة ماكنتِش خايفة من بكرة.
كنت حاسة إن بكرة مخبيلي حاجة.
وما كنتش أعرف إن الحاجة دي هتغيّر حياتي كلها...
بعد أسبوع واحد بس.
لأن في يوم كتب الكتاب، وصل لراشد ظرف قديم من مكان محدش في البلد كان يتوقعه.
وظرف واحد كان كفيل إنه يقلب كل الكلام اللي اتقال عني خلال السنتين اللي فاتوا وصل الظرف قبل كتب الكتاب بيوم واحد.
كان راشد قاعد في مكتبه، لما دخل عليه ابن عمه محمود وقال
أستاذ راشد، في جواب جاي من المستشفى باسم المرحوم حسام.
راشد عقد حاجبيه.
حسام جوز سلمى؟
أيوه.
فتح الظرف، ولقي جواه مجموعة أوراق وتقارير طبية قديمة.
أول ورقة كانت تقريرًا باسم حسام.
قرأها مرة...
وبعدين مرة تانية.
وشه اتغير.
رفع عينه لمحمود وقال
إنت متأكد إن الورق ده أصلي؟
المستشفى نفسه بعته، وعليه الختم.
راشد رجع يبص في الورقة.
التقرير كان بيقول إن حسام كان عنده مشكلة صحية شديدة، وإن فرص الإنجاب عنده كانت ضعيفة جدًا.
والأغرب من كده...
إن التقرير كان بتاريخ قبل جوازه من سلمى بأشهر.
راشد فضل ساكت.
وبعدين قال
سلمى كانت تعرف؟
مش واضح.
راشد حط الأوراق قدامه.
يبقى لازم تعرف.
في نفس اليوم، راح بيت أبوها.
كان أبوها موجود، ومعاه نوال وداليا.
سلمى كانت في أوضتها بتحضر حاجتها.
أول ما راشد دخل، لاحظ إن وشه مش طبيعي.
قال
سلمى، ممكن نتكلم شوية؟
خرجت له.
خير؟
مد لها الورق.
ده وصلني النهارده.
قرأت أول صفحة.
وبعدين الثانية.
إيديها بدأت ترتعش.
قالت بصوت منخفض
أنا أول مرة أشوف الكلام ده.
راشد قال
عارف.
نوال قربت بسرعة.
إيه الورق ده؟
راشد رد
تقارير طبية تخص حسام.
داليا مدت إيدها تاخد الورق، لكن راشد منعها بهدوء.
الورق ده لسلمى.
سلمى كانت بتقرأ.
كل كلمة كانت بتفك عقدة جوه صدرها.
بعد دقيقتين، رفعت رأسها وقالت
يعني... المشكلة ما كانتش عندي؟
راشد قال
التقرير بيقول إن حسام كان عنده مشكلة صحية مؤثرة على الإنجاب.
سلمى سكتت.
ثم قالت
ليه محدش قال لي؟
وهنا أبوها اتكلم لأول مرة
يمكن هو ماكانش عايزك تعرفي.
بصت له.
وإنت كنت تعرف؟
أبوها نزل عينه.
سلمى فهمت.
كنت تعرف؟
قال بصوت ضعيف
حسام جه لي قبل وفاته بفترة.
البيت كله سكت.
وقالك إيه؟
قال إنه كان بيتعالج، وإنه ماحبش يقولك عشان مايزعلكيش.
دموع سلمى نزلت، لكن صوتها فضل ثابت
وليه أهله قالوا إني أنا السبب؟
أبوها ماعرفش يرد.
راشد قال
لأن أسهل حاجة إنهم يرموا اللوم على الشخص اللي مش هيقدر يدافع عن نفسه.
سلمى مسحت دموعها.
وأنا صدقتهم سنتين.
راشد رد
مش مهم صدقتيهم قد إيه.
ثم أضاف
المهم إن الحقيقة ظهرت.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه جاية.
في اليوم التالي، قبل كتب الكتاب بساعات، وصل شخص غريب للبيت.
كان رجل كبير في السن.
أول ما شاف سلمى قال
إنتي سلمى بنت عبد الرحمن؟
قالت
أيوه.
مد لها ملفًا.
أنا كنت المحامي اللي كتب عقد شراء الأرض اللي حسام اشتراها قبل وفاته.
سلمى اتصدمت.
حسام اشترى أرض؟
قال
أيوه.
فتحت الملف.
ولقت عقدًا باسمها.
عينيها اتسعت.
باسمي أنا؟
أيوه.
راشد أخذ الورقة وقرأها.
ثم بص لسلمى.
حسام كان سايب لك حاجة.
قال المحامي
هو اشترى قطعة الأرض دي قبل الحادثة بشهر، وسجلها باسمك.
سلمى ماقدرتش تتكلم.
داليا كانت واقفة عند الباب وبتسمع.
وفجأة قالت
مستحيل!
المحامي بص لها.
عندي أصل العقد.
نوال قربت
طب ليه أهله أخدوا كل حاجة؟
المحامي رد
لأنهم ماكانوش يعرفوا بالعقد.
سلمى فضلت ساكتة.
ثم سألت
هو كان ناوي يقول لي؟
المحامي ابتسم بحزن.
كان قال لي دي حاجة سلمى، ولو جرالي حاجة، ماتخلوش حد ياخدها منها.
سلمى حطت إيدها على صدرها.
ولأول مرة منذ سنتين، حسّت إن حسام، رغم رحيله، كان سايب لها دليل إنها ماكنتش وحدها.
راشد قال
الأرض دي حقك.
ثم نظر لأبيها ونوال وداليا.
ومحدش له حق يتصرف فيها غير سلمى.
داليا اتعصبت
يعني إيه؟ هتتجوزي راشد وتاخدي أرض وفلوس كمان؟
سلمى بصت لها بهدوء.
الأرض دي كانت باسمي قبل ما أعرف راشد أصلًا.
داليا سكتت.
راشد قال
وكتب الكتاب هيتم زي ما اتفقنا.
ثم نظر لسلمى.
بشرط واحد.
سلمى اتوترت.
إيه؟
قال
الأرض دي تفضلي محتفظة بيها باسمك.
استغربت.
ليه؟
عشان أنا مش داخل حياتك عشان آخد منك حاجة.
ثم قال
وإنتِ كمان مش مطالبة تثبتي لأي حد إنك تستحقي بيت أو احترام.
سلمى ابتسمت لأول مرة من قلبها.
لكن قبل ما يخرجوا لكتب الكتاب...
دخل شخص آخر.
وكان من أهل حسام.
واللي قاله وقتها خلّى سلمى تعرف إن الحكاية لسه ما انتهتش الباب اتفتح، ودخل عم حسام.
كان راجل كبير، وشكله متوتر، وفي إيده ملف بني قديم.
أول ما شافته سلمى، وقفت مكانها.
قال
أنا جاي أقول حاجة كان لازم تتقال من زمان.
نوال قالت بسرعة
دلوقتي افتكرت؟
لكن الراجل ما ردش عليها.
بص لسلمى وقال
أنا عارف إنك بتكرهي عيلتنا بعد اللي حصل.
سلمى ردت بهدوء
أنا مش بكره حد. بس مش هنسى اللي اتقال عليّا.
هز رأسه.
وعشان كده جاي أقولك الحقيقة.
فتح الملف.
بعد وفاة حسام، إخوته لقوا ورقة بين حاجاته.
سلمى قربت.
ورقة إيه؟
طلع صورة من إيصال قديم.
حسام كان بيحوّل مبلغ كل شهر لحساب والدته، لكن قبل وفاته بشهرين وقف التحويل.
سلمى استغربت.
ليه؟
قال
لأنه اكتشف إن أخوه كان بياخد فلوس من حساب أمه