يوم طلاقى

لمحة نيوز

يوم طلاقي، أبويا كان في أسوأ حالة شوفته عليها في حياتي.
بعد شهور من المشاكل والمحاكم والجلسات، أخيرًا خلصت من جوازي من حمدي. كان جوازي منه غلطة كبيرة، مش بسبب خيانة ولا علاقات ولا أي حاجة من دي، لكن بسبب أمه وأخته اللي كانوا بيتدخلوا في كل تفصيلة في حياتنا، وحمدي كان دايمًا بيقف معاهم ويسيبني أواجه المشاكل لوحدي.
يوم الطلاق، خرج حمدي من بيتنا وهو مبتسم، وكأنه هو اللي كسب.
وقف على الباب وقال لأبويا بسخرية
مبروك يا حاج... بنتك بقت مطلقة. شوف بقى هتلاقي لها مين يقبل بيها.
أبويا كان أعصابه منهارة، فصرخ فيه
بنتي أشرف منك ومن كل اللي شبهك! وأنا لو لقيت راجل محترم يطلبها، هزوجها له فورًا، حتى لو كان أفقر واحد في البلد!
حمدي ضحك وقال
هو حد هيقبل بيها بعد اللي حصل؟
ومشي.
أنا دخلت أوضتي وأنا بحاول أتماسك، لكني سمعت أبويا بيقول من ورا الباب
والله ما هخلي كلمة الندل ده تكسرها.
في اللحظة دي، ظهر صلاح، جارنا.
صلاح كان شاب غريب الأطوار في نظر أهل المنطقة. قليل الكلام، هدومه بسيطة، وشكله مهمل، وكان أحيانًا يمشي لوحده ويتكلم مع نفسه.
لكن أنا كنت عارفة حاجة محدش واخد باله منها.
صلاح عمره ما أذاني.
كان كل ما يشوفني يقول
صباح الخير يا نوال.
وأنا كنت برد عليه بابتسامة
صباح النور يا صلاح.
وفجأة سمعته بيقول لأبويا
أنا أتجوز نوال.
الكل سكت.
أنا خرجت من الأوضة وأنا فاكرة إني سمعت غلط.
إنت قلت إيه يا صلاح؟
كرر كلامه
أنا عايز أتجوزك.
أبويا بص له شوية، وبعدين قال
وأنا موافق.
صرخت
بابا!
لكن أبويا رد
أنا مش هزوجك غصب. لو صلاح طلبك وأهله موافقين، وإنتِ وافقتي، يبقى نتوكل على الله.
لأول مرة حسيت إن القرار رجع لإيدي.
بصيت لصلاح، وسألته
إنت ليه عايز تتجوزني؟
قال بهدوء
لأنك الوحيدة اللي عمرها ما بصت لشكلي وقالت إني قليل.
الكلمة دي خلتني أسكت.
ومع الأيام، بدأت أعرف إن صلاح مش زي ما الناس فاكرة.
كان متعلم.
وكان بيفهم في الحساب والتجارة.
وكان بيشتغل من بعيد في مخزن كبير، لكنه كان رافض يظهر قدام الناس.
والأغرب من كل ده، إن أهله كانوا عارفين الحقيقة.
كان أبوه رجل أعمال كبير، وصلاح هو الابن الوحيد اللي ورث عنه إدارة جزء كبير من أملاكه، لكنه اختفى عن الناس فترة طويلة بعد وفاة والده بسبب خلافات عائلية، واختار يعيش ببساطة بعيد عن المشاكل.
تم الزواج.
وفي ليلة الفرح، حضر حمدي وأمه وأخته كالعادة، وكانوا مستعدين للسخرية.
أم حمدي قالت بصوت عالي
يا عيني يا نوال... من حمدي لصلاح! الدنيا خدت منك لفة.
أخته ضحكت وقالت
أهو المهم تلاقي حد يقبلك.
حمدي وقف قدام صلاح وقال
مبروك يا عريس. بس نصيحة مني... خليك واخد بالك، الحياة مش سهلة.
صلاح بص له وقال
عارف.
حمدي ضحك
إنت عارف إيه بس؟
هنا صلاح أخرج هاتفه، وفتحه على رسالة وصلته منذ دقائق.
ناول الهاتف لأبويا.
أبويا قرأ الرسالة، ووشه اتغير.
حمدي قال
في إيه؟
أبويا بص له وقال
إنت عارف الشركة اللي بتتعامل معاها شركتك؟
حمدي قال
أيوه.
أبويا رد
صلاح هو صاحبها.
الصمت نزل على المكان.
حمدي افتكر إن أبويا بيهزر.
لكن صلاح أخرج ملفًا من حقيبته، ووضعه على الطاولة.
كان فيه مستندات ملكية وشراكات وعقود رسمية.
أخت حمدي قربت تبص، وبعد ثواني وشها اتغير.
أما أم حمدي، ففضلت ساكتة.
صلاح قال
أنا مكنتش مخبي نفسي عشان أضحك على حد. أنا بس كنت عايز أعرف مين بيحترم الإنسان لما يكون شكله بسيط، ومين بيحترمه عشان فلوسه.
وبص لحمدي وقال
وأنت كنت فاكر إن قيمة الإنسان في لبسه وبيته وكلام الناس عنه.
حمدي حاول يرد، لكن مفيش كلمة خرجت.
صلاح التفت لنوال وقال
وأنا مش عايزك تثبتي لأي حد إنك أحسن منهم. أنا عايزك تعيشي مرتاحة، واللي فات يفضل فات.
وقتها فهمت إن المفاجأة الحقيقية مش إن صلاح كان غني.
المفاجأة إنه كان طول الوقت شايف الناس من غير أقنعة.
والأهم...
إنه لما كان يقدر يرد على كل اللي سخروا منه، اختار يسكت.
وفي آخر الليلة، وقف أبويا وقال
النهارده أنا مطمن على بنتي. مش عشان صلاح معاه فلوس... لكن عشان عرف قيمتها وهي مكنتش محتاجة تثبتها لحد.
أما حمدي وأهله، فخرجوا من الفرح في صمت.
ومن يومها، بدأت نوال حياة جديدة...
حياة مفيهاش إهانة، ولا تدخل، ولا تقليل.
والراجل اللي الناس كلها كانت فاكرينه مجذوب...
طلع أكتر واحد فاهم الدنيا بعد أسبوع واحد من الفرح، بدأت أكتشف إن صلاح كان مخبي عني حاجات أكتر بكتير مما توقعت.
في صباح يوم، كنت قاعدة في البيت، وفجأة عربية فخمة وقفت قدام الباب.
نزل منها راجل في الخمسينات، لابس بدلة رسمية، ومعاه ملف كبير.
خبط على الباب.
فتحت، فسألني
مدام نوال؟
قلت
أيوه.
قال
أنا المحامي الخاص بوالد صلاح.
اتوترت.
والد صلاح؟ بس هو متوفي من سنين.
ابتسم وقال
عشان كده أنا جاي لك.
دخل وقعد، وحط الملف قدامي.
والد صلاح ترك وصية، لكن تنفيذها كان مرتبط بشرط.
قلت باستغراب
شرط إيه؟
فتح الملف وقال
إن صلاح ما يستلمش الجزء الأكبر من ممتلكات والده إلا لما يثبت إنه قادر يختار شريك حياته بعيدًا عن المال والمكانة.
بصيت له بذهول.
يعني إيه؟
قال
كان فيه ناس كتير بتحاول تقرب من صلاح بسبب ثروة والده. فوالده عمل ترتيب قانوني معقد، وطلب من ابنه إنه يعيش فترة بعيد عن اسم العيلة وشهرتها.
سكت شوية، وبعدين قال
لكن فيه حاجة أهم.
طلع ورقة تانية.
فيه حد من العيلة حاول يطعن في حق صلاح في الميراث.
سألته
مين؟
المحامي بص لي بجدية وقال
عم صلاح.
قلبي دق بسرعة.
وليه؟
قال
لأنه شايف إن صلاح كان بعيد عن إدارة الممتلكات، وإنه غير مؤهل لها.
قبل ما أتكلم، سمعت صوت المفتاح في الباب.
صلاح دخل.
أول ما شاف المحامي، وقف مكانه.
إنت جيت ليه؟
المحامي رد
عشان القضية بدأت.
صلاح بص لي، وبعدها قال
كنت أتمنى تعرفي الموضوع مني.
قلت
كنت هتقول إمتى؟
قعد قدامي وقال
لما أتأكد إن المشكلة مش هتوصلك.
رديت
أنا بقيت مراتك يا صلاح. مش عايزة أعرف نص الحقيقة.
سكت.
وبعدين قال
حقك عليا.
كانت أول مرة أشوفه بالهدوء ده.
لكن قبل ما نكمل كلامنا، تليفونه رن.
رد.
وسمعته يقول
إيه؟
سكت ثواني.
وبعدين وقف فجأة.
المستند الأصلي اختفى؟
المحامي قام من مكانه.
إيه اللي حصل؟
صلاح قفل المكالمة وبص لنا.
الوصية الأصلية مش موجودة في الخزنة.
المحامي اتوتر
مستحيل.
صلاح قال
الخزنة كانت مقفولة.
ثم بص لي وقال
وده معناه إن اللي أخدها كان عنده مفتاح.
وفي اللحظة دي...
رن جرس الباب مرة تانية.
فتحنا.
وكان واقف شخص ما شفتوش قبل كده.
قال لصلاح
عمك بعتني.
صلاح بص له بحدة.
عايز إيه؟
الرجل ابتسم وقال
عايز أقولك إنك لو سلمت الممتلكات بهدوء، محدش هيقرب من نوال.
سكت المكان كله.
أنا لأول مرة فهمت إن الموضوع مش مجرد خلاف على ورث.
في حد مستعد يستخدم اسمي للضغط على صلاح.
لكن صلاح رد بمنتهى الهدوء
لو فاكر إنك تقدر تهدد مراتي عشان تاخد حاجة مش من حقك، يبقى إنت اخترت الشخص الغلط.
ثم أخذ الملف من أمامه وقال
بلّغ عمك إننا هنقابله في المحكمة.
الرجل مشي.
وأنا بصيت لصلاح وقلت
أنا مش خايفة.
قال
أنا عارف.
لكن اللي ماكنتش أعرفه وقتها...
إن الورقة اللي اختفت من خزنة والد صلاح كانت مخبية فيها الحقيقة الكاملة

تم نسخ الرابط