جوزى زهرة الربيع

لمحة نيوز

قربت منها.
هو كان بييجي هنا؟
كتير.
سعاد جلست وقالت
قبل ما يتجوزك، كان عنده حلم كبير. وبعد ما عرف إن وقته ممكن يكون قصير، بدأ يرتب كل شيء عشان المشروع يستمر.
مريم سألت
ليه ما قالليش؟
سعاد ابتسمت
كان بيقول إنك لو عرفتي كل حاجة هتحاولي تساعديه، وهو كان عايزك تعيشي حياتك من غير ما تحملي همومه.
مريم سكتت.
سعاد أعطتها دفترًا صغيرًا.
ده آخر شيء تركه عندي.
فتحته مريم.
كان فيه أسماء أشخاص وأرقام وتواريخ.
لكن الصفحة الأخيرة كانت مختلفة.
كتب طارق
سعاد، لو مريم وصلت لك، قولي لها إن أهم شيء عملته في حياتي لم يكن إنقاذ المال... كان إنقاذ الفكرة.
مريم ابتسمت وسط دموعها.
ثم وجدت سطرًا آخر
وقولي لها إن ليان لازم تعرف إن أبوها لم يكن بطلًا. كان مجرد إنسان حاول يعمل الصح على قد ما يقدر.
ليان كانت تقرأ معها.
قالت
ماما، أنا بحب الجملة دي.
مريم سألت
ليه؟
ردت
عشان بابا ما كانش بيقول إنه أحسن من الناس.
سعاد ابتسمت.
وده كان أكتر شيء مميز فيه.
ثم أخرجت من درج قديم صورة صغيرة.
وقالت
دي آخر صورة لطارق قبل ما يدخل المستشفى.
مريم أخذتها.
كان طارق واقف أمام مبنى صغير، وفي إيده مجموعة كتب.
خلف الصورة كتب
البداية.
مريم سألت
بداية إيه؟
سعاد قالت
بداية المشروع اللي إنتي دلوقتي بتكمليه.
مريم فهمت أخيرًا.
كل الطرق كانت ترجع لنفس النقطة.
طارق لم يكن يخفي حياة أخرى.
ولم يكن لديه سر يخجل منه.
كان فقط يحمل حلمًا كبيرًا، وخاف أن يتركه ناقصًا.
قبل أن تغادر مريم، قالت لها سعاد
طارق كان عنده طلب أخير.
إيه؟
إنك لما تعرفي كل الحقيقة، ما تفضليش عايشة في الماضي.
مريم سكتت.
ثم سألت
يعني إيه؟
سعاد قالت
كان عايزك تعيشي.
خرجت مريم من البيت وهي ماسكة يد ليان.
في الطريق، قالت ليان
ماما... بابا كان عايزك تفضلي سعيدة؟
مريم ابتسمت.
أيوه.
يبقى لازم تفرحي.
ضحكت مريم.
ولأول مرة، شعرت أن الحزن اللي عاش جواها سنين بدأ يخف.
رجعت البيت.
فتحت صندوق طارق.
وأخرجت كل الرسائل القديمة.
رتبتها في ملف واحد.
وكتبت عليه
حكاية أبي ليان.
ثم بدأت تكتب تحت العنوان
لم يكن أبي رجلًا كاملًا.
لكنه حاول أن يترك وراءه خيرًا.
لم أعرفه، لكنني عرفت أثره.
ولم أرَ عينيه، لكنني رأيت الأشياء التي آمن بها.
وعندما أكبر، لن أبحث عن الماضي لأعيش فيه.
سأكمل الطريق الذي بدأه.
مريم قرأت ما كتبته.
ثم أغلقت الملف.
وكانت دي آخر مرة تفتح فيها صندوق طارق بحثًا عن سر.
لأنها فهمت أخيرًا
أكبر سر تركه طارق لم يكن شيئًا مخفيًا في صندوق.
كان ببساطة...
إن الإنسان ممكن يموت، لكن الخير اللي عمله يفضل عايش.
ومن اليوم ده، بدأت مريم وليان صفحة جديدة.
صفحة من غير خوف.
ومن غير أسرار.
ومن غير انتظار لرسالة أخرى.
لكن بعد سنوات طويلة، وفي يوم تخرج ليان، وقفت أمام صورة أبيها وقالت
أنا ما عرفتش أشوفك يا بابا... بس كل اللي عملته خلاني أعرفك.
ثم وضعت شهادة تخرجها بجوار الصورة.
وأضافت
وده أول وعد مني ليك... إن الحكاية مش هتنتهي عندي بعد يوم التخرج، رجعت ليان البيت وفتحت الملف القديم اللي كانت مريم محتفظة بيه من سنين.
قلبت آخر صفحة، ولقت جملة كتبها طارق قبل وفاته
لو بنتي وصلت للصفحة دي، يبقى أنا نجحت في أهم حاجة... إني سبت لها طريق تمشي فيه، مش مجرد مال تاخده.
ليان فضلت ساكتة شوية، وبعدين قالت لمريم
ماما... أنا عايزة أعمل حاجة.
إيه؟
عايزة أفتح قسم جديد في المشروع باسم بابا.
مريم ابتسمت وقالت
مش باسمه يا ليان.
ليان استغربت
ليه؟
مريم ردت
لأنه طول عمره كان عايز الخير هو اللي يتشاف، مش اسمه.
سكتت ليان، ثم قالت
يبقى نخليه باسم كل الناس اللي ساعدوا بعض.
وفعلًا، في نفس السنة، اتفتح القسم الجديد.
بقى فيه منح للطلاب، ومساعدات للعائلات المحتاجة، وعلاج للأطفال اللي ظروفهم صعبة.
وفي يوم الافتتاح، وقفت ليان أمام الناس وقالت
أنا بنت راجل ما لحقتش أعيش معاه، لكني عشت طول عمري وسط أثره. علمني من غير ما يتكلم معايا، وسبلي مسؤولية بدل ما يسبلي ثروة.
مريم كانت واقفة في آخر القاعة.
دموعها نزلت بهدوء.
مش حزنًا المرة دي...
لكن لأنها أخيرًا فهمت إن كل اللي حصل كان له معنى.
بعد انتهاء الحفل، رجعت مريم البيت ووقفت أمام صورة طارق.
قالت
اطمن... ليان كبرت، والمشروع كمل، والأمانة وصلت لصاحبتها.
ثم أغلقت صندوق الرسائل للمرة الأخيرة.
لم تعد تنتظر ورقة جديدة.
ولا تسجيلًا جديدًا.
ولا سرًا آخر.
لأن الحقيقة كانت أوضح من أي رسالة
طارق لم يترك لهم مالًا فقط... ترك لهم أثرًا.
وليان لم ترث منه ممتلكاته وحدها.
ورثت مبادئه.
ومريم لم تعد تعيش على ذكراه.
بل عاشت وهي تكمل أجمل شيء بدأه.
وهكذا انتهت الحكاية...
ليس بميراث ضخم، ولا بسر جديد، ولا بانتقام.
لكن ببيت امتلأ بالطمأنينة، وبنت كبرت وهي فخورة بأبيها، وأم عرفت أخيرًا أن بعض الناس يرحلون من حياتنا...
لكن الخير الذي زرعوه يفضل موجود، ويكبر، ويكمل طريقه من جيل لجيل.
تمت.

تم نسخ الرابط