جوزى زهرة الربيع
المحتويات
عن أسراره.
ولا عن النزاع القديم.
أصبحوا يتحدثون عن الأطفال الذين ساعدهم.
والمرضى الذين تلقوا العلاج.
والطلاب الذين أكملوا تعليمهم.
ومريم كانت كل سنة تقف بجوار صورة طارق وتقول
أنت كنت فاكر إنك بتمشي وتسيبنا... لكن الحقيقة إنك فضلت موجود في كل حياة اتغيرت بسبب الخير اللي بدأته.
وفي آخر مرة قالتها، كانت ليان واقفة بجوارها.
كبرت شوية، وبدأت تفهم.
نظرت إلى صورة أبيها وقالت
ماما... لما أكبر، هكمل المشروع ده.
مريم ابتسمت.
وقالت
وأنا متأكدة إن باباكي كان هيبقى فخور بيكي.
وهكذا انتهى السر الحقيقي.
لم يكن هناك كنز مخفي.
ولا مؤامرة لا تنتهي.
ولا خيانة.
كان هناك رجل عرف أن وقته قصير، فاختار أن يترك خلفه شيئًا يستمر بعده.
وكانت أعظم وصية كتبها في حياته
لو قدرت تنقذ حياة إنسان... ما تترددش.
ومن هنا بدأت ليان تفهم أن والدها لم يكن مجرد رجل رحل مبكرًا...
كان إنسانًا ترك أثرًا أطول من عمره مرت سنتين كمان.
ليان بقت في السابعة، وبقت بتعرف تقرأ لوحدها، وكل فترة كانت ترجع لدفتر أبوها وتقرأ الرسائل الصغيرة اللي سابها لها.
لكن في يوم، وهي بتقلب آخر صفحات الدفتر، لاحظت حاجة غريبة.
كان فيه صفحة ملزوقة بباقي الدفتر.
قالت لمريم
ماما، الصفحة دي مش بتتفتح.
مريم أخذت الدفتر منها.
فعلًا، كان فيه ورقة سميكة مخفية بين الصفحات.
وبعد محاولات بسيطة، انفتحت.
فيها خريطة صغيرة لمكان قديم في القاهرة، وتحتها جملة
المكان ده هو أول مكان بدأت فيه حكاية الخير.
مريم استغربت.
اتصلت بالمحامي، لكنه قال
أنا معرفش عن الورقة دي حاجة.
مريم قررت تروح للمكان.
كان مبنى قديم تابع للمشروع الخيري، لكنه مقفول من سنين.
لما دخلوا، وجدوا غرفة صغيرة مليانة ملفات قديمة.
وعلى الحائط لوحة مغطاة بالتراب.
مريم مسحتها.
ظهرت أسماء عشرات الأطفال.
وفي أسفل اللوحة كان مكتوب
الأسماء دي سبب استمرار المشروع.
ليان وقفت قدام اللوحة وسألت
دول مين؟
مريم ردت
أطفال بابا كان بيساعدهم.
لكن واحدة من الموظفات القديمة، التي كانت موجودة في المكان، اقتربت منهم وقالت
مش بس كده.
مريم بصت لها.
قالت السيدة
طارق كان بييجي هنا قبل ما يتجوزك. وكان بيقعد بالساعات يراجع الملفات بنفسه.
مريم اتفاجئت.
أنا ما كنتش أعرف.
هو ما كانش بيحب يتكلم عن اللي بيعمله.
ثم أعطتها ملفًا قديمًا.
على الغلاف مكتوب
مشروع المدرسة.
فتحته مريم.
كان المشروع عبارة عن مدرسة صغيرة مجانية للأطفال المحتاجين.
وفي آخر الملف، وجدت توقيع طارق.
لكن التاريخ كان قبل زواجهما بسنتين.
يعني أنه كان يعمل على المشروع قبل أن يعرف حتى أن ليان ستأتي إلى الدنيا.
مريم ابتسمت.
هو كان بيخطط للمستقبل من بدري أوي.
السيدة العجوز قالت
وكان دايمًا يقول جملة واحدة.
إيه؟
أنا مش هفضل موجود للأبد، لكن المشروع لازم يفضل موجود.
مريم سكتت.
الجملة رجعت لها كل ذكريات طارق.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في آخر الملف.
كان فيه خطاب موجه إلى مجلس إدارة المشروع.
مكتوب فيه
بعد وفاتي، لا تربطوا المشروع باسم عائلتي. خلي الخير هو اللي يتكلم.
مريم قرأت الجملة أكثر من مرة.
وفهمت أن طارق لم يكن يريد تخليد اسمه.
كان يريد استمرار الفكرة.
بعد أسابيع، بدأت إجراءات ترميم المدرسة.
ليان كانت بتروح مع أمها وتشوف العمال وهم بيجهزوا الفصول.
وفي يوم افتتاح المدرسة، وقفت مريم على المنصة.
لم تتحدث عن ثروة طارق.
ولا عن مرضه.
قالت فقط
صاحب الفكرة دي كان مؤمن إن الطفل مش لازم يدفع ثمن ظروف أسرته.
ثم نظرت إلى ليان.
وبنتي كانت أصغر شخص عرفته، لكنه ترك لها أكبر درس.
ليان صعدت بجانبها.
وكانت ماسكة دفتر أبيها.
قالت بصوت طفولي
بابا كان بيقول إن اللي يعرف يعمل خير، يعمله.
ضحك الحضور وصفقوا.
ومريم نزلت عينيها على الدفتر.
وفي تلك اللحظة، سقطت منه ورقة صغيرة على الأرض.
رفعتها.
كانت مكتوبة بخط طارق
مريم، لو المدرسة دي اتفتحت يومًا، يبقى أنتِ كملتي الحكاية صح.
مريم ابتسمت.
لكن في أسفل الورقة كان هناك سطر لم تلاحظه من قبل
وفيه مكان واحد تاني لازم تروحيه.
وتحت الجملة كان اسم مكان مختلف تمامًا.
مكان لم تسمع مريم باسمِه من طارق طوال سنوات زواجهما.
نظرت إلى ليان.
ثم إلى الورقة.
وعرفت أن هناك فصلًا جديدًا من حكاية طارق لم يُفتح بعد في اليوم التالي، أخذت مريم الورقة وذهبت إلى العنوان المكتوب عليها.
المكان كان مبنى قديمًا في منطقة هادئة، وعلى بابه لافتة صغيرة
دار الأمل لرعاية الأطفال.
مريم وقفت أمام الباب مذهولة.
هي عمرها ما سمعت عن المكان ده.
دخلت ومعاها ليان.
استقبلتهم سيدة كبيرة في السن، وأول ما شافت اسم طارق على الورقة، تغيرت ملامحها.
قالت
أنتِ مريم؟
مريم اتفاجئت.
أيوه... حضرتك تعرفيني؟
ابتسمت السيدة.
طارق حكالي عنك قبل ما يتجوزك.
مريم سكتت.
قال لك عني؟
قال لي إنه قابل الإنسانة اللي نفسه يكمل حياته معاها.
مريم شعرت بدموعها تنزل، لكنها مسحتها بسرعة.
السيدة أشارت إلى غرفة صغيرة.
في حاجة سابها لك هنا من سنين.
دخلت مريم.
الغرفة كانت مليانة كتب وألعاب وملفات.
وفي المنتصف كان فيه صندوق خشبي.
عليه اسمها.
مريم.
فتحت الصندوق.
جواه مجموعة صور قديمة.
صور طارق وهو بيساعد الأطفال في الدار.
وصورة ليه وهو بيصلح رف كتب.
وصورة تانية وهو بيكتب أسماء الأطفال في دفتر.
وفي أسفل الصندوق كان فيه خطاب.
مريم فتحته.
مريم...
يمكن تستغربي إنك تلاقي اسمي هنا.
أنا بدأت أساعد المكان ده قبل ما أعرفك.
مش عشان الناس تعرف اسمي.
ولا عشان حد يشكرني.
كنت بس بشوف أطفال كتير محتاجين فرصة، وكنت دايمًا بسأل نفسي
لو أنا قادر أساعد، ليه ما أساعدش؟
بعد ما عرفتك، بقيت عندي إجابة أهم.
كنت عايز يومًا ما بنتنا تشوف بعينيها إن الإنسان مش بقيمته المادية.
قيمته في أثره.
ليان كانت واقفة جنب أمها.
سألت
ماما، هو بابا كان بييجي هنا؟
مريم هزت رأسها.
أيوه.
السيدة الكبيرة قالت
وكان دايمًا يقول إن اليوم اللي هتيجي فيه بنته هنا هيكون من أجمل أيام حياته.
مريم بصت لها.
بس هو ما لحقش.
السيدة ردت
يمكن ما لحقش يشوفها، لكنه جهز لها مكان يفتكرها بيه.
ثم أشارت إلى غرفة مجاورة.
دخلت مريم.
وجدت على الحائط لوحة بيضاء.
وفي وسطها اسم
ليان.
وتحته
من حق كل طفل أن يحلم.
ليان قربت من اللوحة.
وقالت
ماما... بابا كتب اسمي هنا؟
مريم ابتسمت.
أيوه.
لكن قبل أن يغادروا، أعطت السيدة لمريم ظرفًا صغيرًا.
قالت
ده آخر شيء.
مريم فتحت الظرف.
كان فيه مفتاح.
ومعه جملة واحدة
لو وصلتي لهنا، يبقى خلاص تقدري تعرفي الحقيقة الأخيرة.
مريم بصت للسيدة.
حقيقة إيه؟
السيدة قالت
أنا ما أعرفش.
مريم أخذت المفتاح.
وفي طريق العودة، اتصلت بالمحامي.
حكت له كل شيء.
بعد مراجعة الأوراق، اكتشف أن المفتاح يخص مكتبًا قديمًا مسجلًا باسم طارق منذ سنوات.
وفي اليوم التالي ذهبوا إليه.
فتحوا الباب.
كان المكتب فارغًا تقريبًا.
لكن على المكتب كان هناك جهاز تسجيل قديم.
ضغطت مريم زر التشغيل.
جاء صوت طارق
لو وصلتي للمكان ده، يبقى عرفتِ كل حاجة تقريبًا.
سكت لحظة.
لكن فيه حاجة أخيرة لازم أقولها.
مريم قربت من الجهاز.
أنا ما كنتش بخبي عنك فلوس.
صوته أصبح أهدأ
أنا كنت بخبي عنك حلم.
ثم قال
كنت بحلم إن ليان لما تكبر، يكون عندها مكان تقدر تساعد فيه غيرها.
ثم ظهرت ضحكة خفيفة في صوته.
يمكن أنا مش موجود، بس أنتِ تقدري تكملي الحلم.
وانتهى التسجيل.
مريم فضلت ساكتة.
ليان سألت
يعني إيه حلم؟
مريم نزلت لمستواها.
يعني حاجة بابا كان نفسه تحصل.
وهنعملها؟
مريم ابتسمت.
هنكملها.
وفي نفس الأسبوع، قررت مريم أن يكون المشروع الجديد باسم الأطفال أنفسهم، وليس باسم طارق.
لأنها تذكرت جملته
الخِير ما يحتاجش اسم صاحبه.
ومع مرور الوقت، أصبح المكان مركزًا للتعليم والرعاية.
أما ليان، فكلما كبرت كانت تدخل المكان وتقرأ الدفاتر القديمة.
وفي يوم، وهي في سن المراهقة، سألت أمها
ماما... هو بابا كان عارف إنه هيموت؟
مريم سكتت.
ثم قالت
كان عارف إن الوقت ممكن يكون قصير.
وعشان كده عمل كل ده؟
أيوه.
ليان نظرت إلى صورة أبيها.
ثم قالت
أنا مش زعلانة إنه سابني.
مريم استغربت.
ليه؟
ابتسمت ليان
لأنه ساب لي حاجة أحسن من وجوده.
مريم سألتها
إيه؟
قالت ليان
علّمني أكون مفيدة.
مريم دمعت عيناها.
وعرفت وقتها أن طارق نجح في آخر وصية له.
لم يترك لابنته ثروة فقط...
ترك لها معنى للثروة.
ومن هنا، لم تعد قصة طارق حكاية رجل مات وترك أسرارًا.
أصبحت حكاية أب رحل مبكرًا، لكنه ترك وراءه أثرًا جعل ابنته تكمل الطريق من غير خوف مرت سنوات، وكبرت ليان وبقت شابة.
كانت محتفظة بكل حاجة تخص والدها في صندوق خشبي صغير.
دفتره.
صوره.
رسائله.
والفلاشة القديمة اللي بدأت منها الحكاية.
وفي يوم، وهي بترتب أوراق المشروع، لقت ظرفًا بين صفحات دفتر قديم.
الغريب إن الظرف كان عليه تاريخ حديث نسبيًا.
فتحت مريم الظرف معها.
جواه خطاب من المحامي
مدام مريم، تم العثور على مستند لم يكن موجودًا ضمن ملف الوقف الأساسي. المستند كان محفوظًا في أرشيف قديم، ونعتقد أنه مرتبط بالمرحوم طارق.
مريم اتفاجئت.
اتصلت بالمحامي فورًا.
وفي اليوم التالي، ذهبت معه إلى الأرشيف.
هناك وجدوا ملفًا قديمًا للغاية.
المستند كان عبارة عن رسالة كتبها جد طارق قبل وفاته.
قرأتها مريم
إلى حفيدي طارق...
إذا وصلت إليك هذه الرسالة، فأنت أصبحت مسؤولًا عن جزء كبير من إرث العائلة.
تذكر أن المال اختبار، وليس مكافأة.
لو استخدمته لمساعدة الناس، سيصبح نعمة.
ولو جعلته سببًا للخلاف، سيصبح عبئًا على كل من يقترب منه.
ليان كانت تقرأ بجانب أمها.
ثم لاحظت شيئًا في أسفل الصفحة.
قالت
ماما، بصي هنا.
كان هناك ختم قديم وتوقيع شاهد.
المحامي فحصه جيدًا.
وقال
ده يثبت إن جد طارق كان يقصد حماية أموال الوقف من أي تصرف فردي.
مريم ابتسمت.
كل الأوراق التي تركها طارق كانت تؤكد نفس الشيء.
هو لم يكن يطارد المال.
كان يحاول الحفاظ على الهدف الذي وضعه جده.
لكن ليان لم تكن مهتمة بالأوراق بقدر اهتمامها برسالة أخرى.
سألت
هو ليه بابا اختار إنه يتبرع بأعضائه؟
سكتت مريم.
ثم قالت
لأنه كان مؤمن إن حتى بعد ما الإنسان يموت، ممكن يسيب فرصة لحد تاني يعيش.
ليان نظرت إلى صورة أبيها.
يعني هو كان عايز يفضل مفيد حتى بعد ما يموت؟
أيوه.
ليان ابتسمت.
يبقى أنا عرفت هو كان عايز إيه.
مريم سألت
إيه؟
عايزني أكمل نفس الفكرة.
وبالفعل، بعد سنوات، بدأت ليان تدرس مجالًا يساعدها على إدارة المؤسسات الخيرية بشكل أفضل.
لم تستخدم اسم أبيها كوسيلة للشهرة.
كانت تقول دائمًا
أنا مش عايزة الناس تساعد عشان اسم بابا. عايزاهم يساعدوا عشان محتاجين.
وفي يوم، أقيمت مناسبة كبيرة للاحتفال بمرور عشرين سنة على بداية المشروع.
وقفت ليان أمام الحضور.
كانت مريم جالسة في الصف الأول.
ليان قالت
أنا ما شوفتش أبويا في حياتي، لكن عشت طول عمري مع رسائله.
ثم رفعت الدفتر القديم.
في ناس بتفتكر إن الإرث هو البيوت والأموال والحسابات.
سكتت لحظة.
لكن أنا اتعلمت إن الإرث الحقيقي هو الشيء اللي يفضل موجود بعد ما صاحبه يمشي.
نظرت إلى أمها.
وأنا ورثت من أبويا مسؤولية.
صفق الحضور.
أما مريم، فكانت تنظر لصورة طارق الموجودة على الحائط.
ولأول مرة، شعرت أن الدائرة اكتملت.
كل السر الذي بدأ بعلبة سوداء في مستشفى...
انتهى بفتاة صغيرة أصبحت تعرف قيمة الأمانة.
وبينما كان الحفل ينتهي، اقترب المحامي من مريم.
كان يحمل ظرفًا قديمًا.
قال
ده وصلني النهارده من الأرشيف.
مريم بصت له باستغراب.
إيه ده؟
قال
مستند أخير باسم طارق.
فتحت المظروف.
قرأت أول سطر.
ثم توقفت تمامًا.
لأن طارق كتب
لو وصل المستند ده لمريم بعد كل السنين دي، يبقى فيه شخص واحد لازم تشكروه... الشخص اللي ساعدني أرتب كل شيء قبل وفاتي.
مريم رفعت عينيها.
لكن اسم الشخص لم يكن مكتوبًا.
كان هناك عنوان فقط.
وعندها أدركت أن الحكاية التي ظنت أنها انتهت...
ربما كان فيها فصل أخير لم تعرفه حتى الآن في اليوم التالي، أخذت مريم العنوان وذهبت إليه مع ليان.
العنوان كان لبيت قديم في شارع هادئ.
طرقت الباب.
فتحت لهم سيدة مسنة.
أول ما شافت مريم، قالت
إنتي مريم؟
مريم هزت رأسها.
السيدة ابتسمت.
كنت مستنياكي من سنين.
مريم اتفاجئت.
حضرتك مين؟
ردت
أنا سعاد... كنت بشتغل مع طارق في أول مشروع خيري بدأه.
ثم أشارت لهم بالدخول.
على الحائط كانت هناك صورة قديمة لطارق مع مجموعة من الأطفال.
مريم
متابعة القراءة