بعد شهر واحد
بعد شهر واحد بس من ما الطلاق بقى رسمي، حماتي السابقة اتصلت بيا الساعة خمسة الفجر، وطلبت مني بمنتهى البرود إني أروح أطبخ في عيد ميلاد حمايا السابق السبعين.
بعد عشر سنين كاملة اتعاملت فيهم معاهم كأني خدامة ببلاش، مش فرد من العيلة، رديت عليها بأبسط إجابة قدرت أفكر فيها
آسفة... مين معايا؟
وقلت كده وقفلت السكة.
لبست بسرعة، خدت ملف مهم خاص بشغلي، وخرجت من شقتي.
ساعتها ماكنتش أعرف إن قبل ما اليوم يخلص، طليقي وعيلته كلهم هيكتشفوا أخيرًا مين اللي كان ماسك حياتهم المريحة من ورا الستار طول السنين دي.
الجزء الأول
إنتِ بتعملي نفسك نايمة ليه؟ الساعة بقت خمسة الصبح، والنهارده عيد ميلاد حماكي السبعين! أنا متوقعة إنك تيجي بدري كفاية عشان كل حاجة تكون جاهزة قبل ما الضيوف يوصلوا.
صحيت مفزوعة.
لثواني، ماكنتش فاهمة أنا فين.
جزء مني كان لسه فاكر إني في بيت عيلة طليقي، وبصحى قبل الفجر عشان أقف لوحدي في المطبخ الساقع، بينما كلهم نايمين.
لكن بصيت حواليا.
ستاير بسيطة.
شقة صغيرة.
سقف مش متعودة عليه.
والناحية اللي جنبي فاضية.
وساعتها افتكرت حاجة حماتي السابقة واضح إنها نسيتها.
أنا وطليقي بقالنا شهر كامل مطلقين.
يعني هي مش حماتي خلاص.
حطيت الموبايل على ودني تاني وقلت بهدوء
آسفة... مين معايا؟
الصمت اللي جه من الناحية التانية كان ممتع بصراحة.
يعني إيه مين معايا؟ أنا!
آه...
وسكت شوية، وبعدين قلت
افتكرت إن حضرتك غلطانة في الرقم. أنا مش مرات ابنك خلاص.
ضحكت ضحكة حادة وقالت
بلاش دراما بقى. حوالي تلاتين واحد جايين الليلة! وأنا محتاجة اللحمة بالأعشاب، والأرز البري، ولفائف اللحمة المطبوخة، والسلطة، وكيكة الجوز اللي هو بيحبها. عايزاكي هنا الساعة خمسة ونص.
طول عشر سنين، كانت بتكلمني بنفس الطريقة.
في العزومات.
أعياد الميلاد.
المناسبات العائلية.
الاحتفالات.
حتى في العشا العادي يوم الأحد.
كلهم كانوا قاعدين حوالين السفرة.
بيضحكوا.
بيشربوا.
وبيستمتعوا بالأكل.
وأنا؟
كنت في المطبخ.
أطبخ.
أقدّم.
ألمّ الأطباق.
وأغسل المواعين.
ولو قعدت أكتر من كام دقيقة، كانت بتظهر ورايا وتقول
الزوجة الكويسة ما ترتاحش طول ما أهلها لسه محتاجين حاجة.
وطليقي عمره ما دافع عني.
في أغلب الوقت كان حتى مايبصليش، وهو ماسك موبايله.
وأحيانًا كان يقول بمنتهى البرود
ماما عندها حق. بطلي تعملي من كل حاجة مشكلة.
أكتر حاجة كانت بتوجعني، إني كنت اديتهم جزء كبير من عمري عشان أبقى الست اللي هما عايزينها.
قبل ما أتجوز، كان عندي شغل أنا بحبه بجد.
كنت بشتغل مستشارة في مجال الطبخ، وكمان بعمل ورش لتعليم وصفات وأكلات أمريكية تقليدية.
كان عندي عملاء.
وعلاقات في المجال.
واسم مهني خاص بيا.
لكن طليقي ماكانش بيحب ده.
كان بيقول إنه مش عاجبه إن مراته طول الوقت بتستعرض نفسها قدام الغرب.
وعدني إن المطعم بتاعه هيبقى مستقبلنا إحنا الاتنين.
وأنا صدقته.
فبدأت واحدة واحدة أبعد عن شغلي وحياتي المهنية، وأحط كل طاقتي في شغله هو.
كنت بابتكر وصفات جديدة.
وأتعامل مع الموردين.
وأتابع المشتريات.
وأراجع المخزون.
وأحل مشاكل المطبخ اللي محدش غيري كان بياخد باله منها.
كنت بحل مشاكل قبل حتى ما تظهر.
وهو؟
كان بياخد كل المدح.
وأنا كنت بختفي أكتر وأكتر ورا الكواليس.
لكن في صباح اليوم ده، ولأول مرة تقريبًا من عشر سنين، حماتي السابقة سمعت مني كلمة عمرها ما كانت متوقعة تسمعها.
لأ.
ضحكتها اختفت فجأة.
إنتِ قلتي إيه؟
مش جاية.
ليه؟
عندي شغل.
ضحكت تاني.
إنتِ؟ شغل؟
نبرة السخرية في صوتها كانت واضحة جدًا.
وقالت
طليقك قالي إنك عايشة لوحدك في شقة كئيبة. تعالي ساعديني، واتصرفي بعقل، ويمكن نقنعه يرجعلك.
وفي اللحظة دي سمعت صوت طليقي من بعيد
هاتيلي الموبايل.
وبعد ثواني، سمعت صوته.
إنتِ ليه بتفضحي نفسك كده؟
سكت.
كمل
إنتِ مش هتقدري تعيشي لوحدك. تعالي ساعدي أمي تجهز كل حاجة، وبلاش تمثلي إن فجأة بقى عندك شغل كبير ومستقبل لوحدك.
بصيت ناحية الكرسي اللي جنب السرير.
كان عليه فستان عاجي مكوي بعناية.
وجنبه ملف رسمي عليه شعار واحد من أشهر وأهم الفنادق في المدينة.
قلت له
بجد مش هقدر أجي. عندي اجتماع مهم الصبح.
ضحك.
فين؟ في مطعم شعبي يعني؟
ابتسمت.
وقلت
لأ.
إيدي استقرت فوق الملف.
في مكان إنت حاولت تدخل شغله بقالك سنين.
ضحك بصوت أعلى.
وقال
آه طبعًا... وأنا مالك دار الأوبرا!
قفلت المكالمة.
الساعة كانت 520 الصبح لما ركبت تاكسي.
لكن أنا ماكنتش رايحة بيتهم.
كنت رايحة واحد من أكبر الفنادق في المدينة.
وفي الصبح ده، كنت هقف قدام مستثمرين، وطباخين كبار، ومديرين تنفيذيين في شركات كبيرة، بصفتي المديرة المسؤولة عن قطاع الطهي في مشروع فندقي دولي ضخم.
حماتي السابقة ماكانتش تعرف حاجة.
وطليقي كان يعرف أقل منها بكتير.
طول السنين اللي فاتت، كانوا بيتعاملوا معايا كأني واحدة مالهاش شغل، ولا مستقبل، ولا أي قيمة بعيد عن عيلتهم.
لكن اللي ماكانوش فاهمينه، إن جزء كبير من النجاح اللي كانوا بيتفاخروا بيه كان وراه شغلي أنا.
مجهودي.
علاقاتي المهنية.
أفكاري.
فلوسي.
واسمي.
وأنا في التاكسي، والمشوار لسه في أوله، الموبايل رن تاني.
رسالة أخيرة منها
لو ما وصلتيش هنا خلال عشرين دقيقة، إحنا رايحين على طول عند أهلك.
فضلت باصة للشاشة شوية.
ولأول مرة الصبح ده، ثقتي في نفسي اهتزت.
أهلي ماكانوش يعرفوا أصلًا قد إيه أنا اتعاملت بطريقة وحشة طول سنين الجواز.
أنا كنت متعمدة أخبي عنهم.
وطليقي كان عارف ده كويس.
معدتي اتقبضت.
لأن لو هي فعلًا ناوية تروح عند أبويا الصبح، فهي ماكانتش تعرف خالص هي داخلة على إيه.
وطليقي؟
ماكانش عنده أي فكرة مين الشخص اللي كان مستنيهم هناك.
بعد شهر واحد بس من ما الطلاق بقى رسمي، حماتي السابقة اتصلت بيا الساعة خمسة الفجر، وطلبت مني بمنتهى البرود إني أروح أطبخ في عيد ميلاد حمايا السابق السبعين.
فضلت باصة للرسالة ثواني، وبعدين قفلت الشاشة وحطيت الموبايل في شنطتي.
قلت لنفسي
خليهم يروحوا عند أهلي.
يمكن دي أول مرة في حياتي ما أحاولش أمنع مشكلة قبل ما تحصل.
وصلت الفندق الساعة 610 الصبح.
المكان كان مختلف تمامًا عن أي مكان دخلته قبل كده.
شاشات كبيرة عليها شعار المشروع الجديد، موظفين بيتحركوا بسرعة، ومصورين بيجهزوا القاعة الرئيسية.
أول ما دخلت، موظفة الاستقبال ابتسمت وقالت
صباح الخير يا أستاذة ليلى. الفريق كله مستني حضرتك.
ابتسمت ورديت
صباح النور.
دخلت القاعة، ولقيت حوالي عشرين شخص قاعدين حوالين ترابيزة طويلة.
مدير المشروع وقف أول ما شافني.
أخيرًا وصلتي.
قلت
آسفة على التأخير.
ضحك وقال
إحنا اللي بنعتذر إننا طلبنا منك تيجي بدري كده.
قعدت في مكاني، وفتحت الملف.
كان جواه التصميم النهائي لقائمة الطعام، عقود الموردين، وتفاصيل مشروع المطعم الرئيسي اللي هيكون جزء من الفندق الجديد.
المشروع ده كان أكبر فرصة مهنية حصلتلي في حياتي.
والأهم...
إنه ماكانش ليه أي علاقة بطليقي.
أنا اللي بنيته.
أنا اللي تفاوضت على عقوده.
وأنا اللي جبت الفريق اللي هيشغله.
لكن قبل ما يبدأ الاجتماع، موبايلي اهتز.
رقم أمي.
رديت بسرعة.
ألو؟
صوتها كان متوتر.
ليلى، إنتِ فين؟
قلبي وقع.
في الشغل.
قالت
أم طليقك هنا.
سكت.
سمعتها تكمل
وجوزك السابق معاها.
قفلت عيني للحظة.
دخلوا البيت؟
آه.
ليه؟
قالت أمي بصوت متضايق
بيقولوا إنك سايبة البيت ومش عايزة تساعديهم، وإنهم جايين ياخدوكي معاهم.
اتنهدت.
ماما، أنا مش راجعة معاهم.
سكتت شوية وبعدين قالت
أنا عارفة.
نبرتها اتغيرت.
بس في حاجة أغرب.
إيه؟
قالت
طليقك بيقول إن المطعم اللي اشتغلتي فيه سنين ملكه هو.
إيدي تجمدت فوق الورق.
بصيت لمدير المشروع قدامي، لكنه كان بيتكلم مع أحد أعضاء الفريق.
قلت لأمي
وإنتِ رديتي عليه بإيه؟
قالت
قولتله إنك عمرك ما حكيتي لنا عن شغلك بالتفصيل، بس اللي أعرفه إنك كنتِ بتشتغلي أكتر منه.
ابتسمت غصب عني.
لكن أمي كملت
المشكلة إنهم جابوا معاهم أوراق.
اتعدل ظهري.
أوراق إيه؟
بيقولوا إنها تثبت إن كل الوصفات والأفكار والعقود اللي اشتغلتي عليها ملك للمطعم.
سكت.
كنت عارفة إن ده هيحصل يومًا ما.
لكن ما توقعتش يكون بالسرعة دي.
لأن طول فترة زواجي، كنت بتعامل مع شغلي كأنه شغل عائلي.
ما كنتش بتخيل إني هحتاج في يوم أثبت إن الأفكار اللي خرجت من دماغي أنا... تخصني أنا.
قلت لأمي
ماما، اقفلي عليهم وما تديهمش أي ورق.
قالت
هم أصلًا مش سايبين حاجة.
وقبل ما أسألها، سمعت صوت طليقي من بعيد.
كان بيتكلم بعصبية.
هي فاكرة إنها تقدر تمشي وتاخد كل حاجة معاها؟
أمي ردت عليه
دي حاجتها يا ابني.
لا، دي حاجات المطعم.
هنا صوت أمي ارتفع
يبقى وريني ورقة واحدة بتقول إن بنتي باعتالك شغلها.
الصمت اللي حصل بعدها وصلني حتى من خلال الهاتف.
وبعدين سمعت حماتي السابقة تقول
إحنا مش جايين نتخانق.
أمي ردت
أمال جايين ليه الساعة ستة الصبح؟
ما سمعتش الإجابة.
لكن بعدها مباشرة، أمي قالت
ليلى... في شخص تاني معاهم.
مين؟
راجل معرفوش.
قلبي دق أسرع.
قال اسمه إيه؟
أمي سكتت ثواني.
وبعدين قالت
قال إنه محامي العيلة.
بصيت للملف الموجود قدامي.
وفي اللحظة نفسها، دخل مدير المشروع القاعة وقال
ليلى، قبل ما نبدأ... في خبر مهم.
رفعت عيني له.
قال
الشركة المالكة للفندق قررت إنك مش هتكوني مجرد مديرة قطاع الطهي.
سكت لحظة.
هم عايزينك شريكة في المشروع.
ما لحقتش أستوعب كلامه.
لأن موبايلي اهتز مرة تانية.
رسالة من طليقي.
فتحتها.
وكان مكتوب فيها
إحنا عرفنا كل حاجة.
وبعدها مباشرة رسالة ثانية
بس إنتِ لسه ما عرفتيش إن عندنا ورقة ممكن تقلب حياتك كلها.
فضلت باصة للشاشة.
لأول مرة من الصبح، حسيت إن الموضوع مش مجرد عيلة بتحاول ترجعني للمطبخ.
كان فيه سر أكبر.
سر أنا نفسي ما كنتش أعرف إنه موجود فضلت واقفة قدام الفندق، والموبايل في إيدي، وأنا مش عارفة أصدق اللي قريته.
المخزن القديم قبل الساعة 8.
المخزن ده كان تابع للمطعم القديم.
المكان اللي قضيت فيه سنين من عمري.
المكان اللي كنت بدخله قبل الكل وأخرج منه بعد الكل.
لكن بعد الطلاق، طليقي استولى على كل حاجة فيه، وأنا ما رجعتش هناك ولا مرة.
بصيت للساعة.
714.
اتصلت بأمي.
ماما، لو طليقي سأل عني، قولي له إني في الشغل.
إنتِ رايحة فين؟
مكان لازم أروحه.
ليلى، خدي بالك من نفسك.
قفلت المكالمة، وركبت عربيتي.
طول الطريق، كنت بحاول أربط الأحداث ببعض.
العقد المختلف.
الدفاتر.
المحامي.
والرسالة المجهولة.
كل حاجة كانت بتقول إن في حد كان بيخطط من زمان.
لكن مين؟
وصلت للمخزن الساعة 741.
الباب الخارجي كان مقفول.
لكن أول ما قربت، لقيت المفتاح معلق في مكان قديم تحت لوحة الكهرباء.
نفس المكان اللي كنت بحط فيه المفتاح زمان.
فتحت الباب.
ريحة المكان ضربت في وشي.
ريحة توابل، خشب قديم، وذكريات حاولت أنساها.
دخلت.
المخزن كان شبه فاضي.
رفوف.
صناديق.
أجهزة قديمة.
وفي آخر المكان مكتب صغير كنت بستخدمه زمان.
مشيت ناحيته.
أول ما فتحت الدرج، لقيت صندوق خشبي صغير.
عليه اسمي.
ليلى.
قلبي دق بسرعة.
فتحت الصندوق.
كان جواه مجموعة أوراق وصور.
أول صورة كانت ليا وأنا في بداية شغلي.
الصورة كانت متصورة قبل جوازي بسنين.
قلّبتها.
على ظهرها كان مكتوب
أول يوم بدأت فيه.
الصورة الثانية كانت ليا مع طليقي قدام المطعم.
والثالثة...
كانت مع شخص ما توقعتش أشوفه.
والدي.
وقفت مكاني.
أنا فاكرة الصورة دي.
كنت فاكرة إنها اتصورت في افتتاح المطعم.
لكن وراها كان مكتوب تاريخ أقدم بسنتين.
يعني قبل ما المطعم يفتح أصلًا.
بدأت أقلب في الأوراق.
لقيت إيصالات.
مراسلات.
عقود.
وحسابات.
وبينهم ظرف أبيض.
فتحت الظرف.
لقيت خطاب مكتوب بخط إيدي.
قرأت أول سطر
لو إنتِ بتقري الخطاب ده، يبقى حصل اللي كنت خايفة منه.
تجمدت.
أنا ما كنتش فاكرة إني كتبت الخطاب.
كملت القراءة.
ليلى، لو وصلتي للورقة دي بعد الطلاق، ما تثقيش في أي حد يقولك إن نجاحك كان بسبب المطعم.
اتنفست بصعوبة.
إنتِ اللي بدأتي كل حاجة.
قلبت الصفحة.
لكن فيه شخص واحد يعرف الحقيقة كاملة.
تحتها اسم.
وقفت عيني عليه.
عماد.
عماد كان مدير الحسابات القديم للمطعم.
الرجل اللي اختفى فجأة من الشغل من حوالي أربع سنين.
طليقي قال وقتها إنه سرق فلوس وهرب.
لكن الخطاب كان بيقول حاجة مختلفة.
عماد ما سرقش حاجة.
وقفت.
وبصيت حواليا.
ثم سمعت صوت باب المخزن بيتفتح.
اتخضيت.
قفلت الصندوق بسرعة.
صوت خطوات اقترب.
حد دخل.
اختبأت خلف رفوف الصناديق.
سمعت صوت طليقي.
أنا متأكد إنها هتيجي.
وصوت أمه
قلتلك هي هتدور على الدفاتر.
المحامي رد
سيبوها تدخل الأول.
طليقي قال
وإنت متأكد إن الورقة دي هتخليها تسكت؟
المحامي رد بهدوء
لو شافت المستند الأخير، مش هتسكت.
سكت لحظة.
ثم قال
هتطلب هي بنفسها تعرف باقي الحقيقة.
حسيت إني مش قادرة أتنفس.
باقي الحقيقة؟
عن إيه؟
سمعت حماتي السابقة تقول
بس لازم نفهمها إن اللي حصل زمان كان لمصلحتها.
شدّيت إيدي على الصندوق.
لمصلحتي؟
هم كانوا بيتكلموا عني.
وعن حياتي.
وعن حاجة حصلت قبل سنين.
وفجأة سمعت طليقي يقول جملة خلت الدم يتجمد في عروقي
هي لسه ما تعرفش إن أبوها هو اللي سلّمنا أول نسخة من العقد.
حطيت إيدي على فمي عشان ما أصرخش.
أبويا؟
إيه علاقة أبويا بالعقد؟
وبعدين سمعت المحامي يقول
وده مش أخطر جزء.
طليقي سأله
أمال إيه؟
رد
إن النسخة اللي معانا مش هي النسخة الأصلية.
سكتوا.
ثم قال
الأصلية موجودة هنا.
بصيت للصندوق اللي في إيدي.
وفهمت فجأة...
إنهم ماكانوش بيدوروا على الدفاتر.
كانوا بيدوروا على الصندوق اللي أنا ماسكاه ثبتُّ مكاني، والصندوق بين إيديا.
خطواتهم كانت بتقرب.
حاولت أفتح الموبايل من غير ما الشاشة تنور بقوة، وبصيت على الوقت.
753.
لسه سبع دقايق على الساعة 8.
كنت محاصرة بين رفوف المخزن من ناحية، والباب الوحيد من الناحية التانية.
وفجأة سمعت صوت المحامي
فتشوا المكتب.
طليقي رد
هي أكيد أخدته.
حماتي قالت بعصبية
ما تضيّعوش وقت!
بدأت خطواتهم تنتشر في المكان.
واحد راح ناحية الرفوف.
والتاني ناحية المكتب.
أنا ضغطت على الصندوق لصدرى، وحاولت أتحرك بهدوء ناحية باب جانبي صغير كنت أعرفه من أيام شغلي هناك.
لكن قبل ما أوصل له، سمعت صوت طليقي
استنوا.
سكت الجميع.
أنا سمعت حاجة.
قلبي كان بيخبط بعنف.
اتحرك خطوة ناحية مكاني.
أنا رجعت لورا.
خطوة.
ثم خطوة.
لحد ما ضهري خبط في الحائط.
وفجأة...
صوت جرس الباب الخارجي رن.
الجميع اتجمد.
المحامي قال
مين؟
جاء صوت من الخارج
شرطة.
طليقي بص لأمه.
إنتِ بلغتي الشرطة؟
قالت
لأ.
المحامي بسرعة
محدش يتكلم.
لكن الباب اتفتح.
ودخل رجل في منتصف العمر، لابس بدلة رسمية، ومعاه ست كبيرة في السن.
أول ما شفتها، اتجمدت.
كنت أعرفها.
دي كانت مديرة الحسابات السابقة للمطعم.
الأستاذة نادية.
الست اللي طليقي قال من سنين إنها سابت الشغل بسبب ظروفها الصحية.
لكنها كانت واقفة قدامي بكامل قوتها.
قالت بصوت هادئ
محدش بلغ الشرطة.
طليقي قال
أمال إنتِ هنا ليه؟
ردت
عشان الوقت جه.
المحامي شد فكه.
إنتِ ما كانش المفروض ترجعي.
نادية ابتسمت.
وأنت ما كانش المفروض تكمل الكذبة كل السنين دي.
أنا خرجت من مخبئي.
الجميع لف ناحيتي.
حماتي شهقت.
إنتِ هنا؟!
ما رديتش.
رفعت الصندوق قدامهم.
وقلت
إنتوا كنتوا بتدوروا على ده؟
المحامي اتغير وشه.
وطليقي قال
ليلى، اسمعيني...
قاطعته
لأ.
بصيت له لأول مرة من غير خوف.
أنا اللي هسمع المرة دي.
نادية قربت مني.
وقالت
افتحيه.
فتحت الصندوق.
طلعت أول ورقة.
نادية أشارت لها.
دي أول نسخة.
قلبت الورقة.
وبعدين أشارت لورقة تانية.
ودي النسخة اللي اتقدمت للمحكمة.
بصيت للنسختين.
نفس التوقيع.
لكن محتوى مختلف.
قلت
مين غيّرها؟
نادية بصت ناحية طليقي.
هو مش اللي غيّرها.
طليقي قال بعصبية
كفاية!
نادية ردت
أنت كنت تعرف بس.
ثم التفتت لي.
الشخص اللي غيّر العقد كان عنده صلاحية على ملفات الشركة.
سألت
مين؟
نادية مدت إيدها للصندوق.
طلعت صورة قديمة.
وحطتها قدامي.
الصورة كانت لمجموعة أشخاص واقفين في مكتب المطعم.
طليقي.
حماتي.
والدي.
ومدير الحسابات القديم.
لكن كان فيه شخص خامس في الصورة.
شخص ما شفتوش قبل كده.
قلت
مين ده؟
نادية قالت
المستشار المالي اللي كان بيدير الحسابات وقتها.
ثم سكتت لحظة.
والشخص اللي حول جزء كبير من أرباح شغلك لحساب ما كانش باسمك.
بصيت لطليقي.
إنت كنت عارف؟
ما ردش.
وده كان كفاية.
فتحت ورقة جديدة.
لقيت جدول تحويلات.
مبالغ مالية.
تواريخ.
وأسماء.
كل مبلغ كنت فاكرة إنه ربح المطعم...
كان بيتوزع بطريقة مختلفة.
والأغرب إن جزء من الأموال كان رايح لحساب باسم شخص ما أعرفوش.
قلت
مين صاحب الحساب ده؟
نادية قالت
ده السؤال اللي كنت مستنية تسأليه.
قبل ما تكمل، موبايلي رن.
رقم مجهول.
رديت.
جالي صوت رجل كبير في السن
ليلى؟
قلت
مين؟
قال
أنا عماد.
سكتُّ.
الرجل اللي اتهموه بالسرقة.
الرجل اللي اختفى من حياتنا من أربع سنين.
قال
لو نادية وصلتلك، يبقى خلاص... الوقت انتهى.
سألته
وقت إيه؟
قال
وقت إنك تعرفي إن أبوكي ما سلّمش طليقك العقد.
صمت.
أبوكي كان بيحاول يمنعه.
نظرت لأميال الورق.
قال عماد
لكن للأسف... قبل ما يقدر يكشف الحقيقة، حصل شيء خلّى كل الناس تفتكر إنه هو السبب.
وقبل ما أسأله إيه اللي حصل، الخط اتقفل.
بصيت لنادية.
كانت بتبصلي بحزن.
قلت
إنتِ عارفة.
هزت رأسها.
أيوه.
وعارفة الحقيقة كلها؟
قالت
تقريبًا.
ثم مدت لي ظرفًا آخر.
لكن الحقيقة الأخيرة... موجودة في المكان اللي بدأ منه كل شيء.
بصيت للظرف.
وكان عليه عنوان واحد.
مكتب أبوكي القديم وقفت قدام طليقي وأنا حاسة إن دماغي مش قادرة تستوعب حاجة.
مين الشخص ده؟
طليقي ما ردش.
المحامي هو اللي قال
مش هنا.
ضحكت بسخرية.
كل مرة تقولوا مش هنا. طب إمتى هتتكلموا؟ لما أكتشف الحقيقة لوحدي؟
نادية حطت إيدها على كتفي.
تعالي.
دخلنا العربية.
لكن قبل ما نتحرك، طليقي وقف قدام العربية.
وقال
ليلى، لو فتحتي الخزنة دي، حياتك هتتغير.
بصيت له من الشباك.
حياتي اتغيرت يوم صدقت إنكم عيلتي.
وسبتّه واقف.
وصلنا البنك القديم بعد حوالي نص ساعة.
نزلت وأنا ماسكة المفتاح.
دخلنا غرفة الخزائن.
الموظف راجع الأوراق، وبعد دقائق وصلنا للخزنة رقم 17.
دخلت المفتاح.
لفيته.
سمعت صوت القفل.
فتحت الباب.
في البداية ما شفتش غير ظرف كبير.
ومجلد بني.
وذاكرة إلكترونية صغيرة.
أخذتهم.
قلت لنادية
ده كل حاجة؟
قالت
اقري.
فتحت المجلد.
أول ورقة كانت كشف حساب.
وبعدها عقود.
وبعدها مراسلات.
لكن وسط الأوراق لقيت صورة.
صورة ليا وأنا صغيرة.
وعلى ظهرها جملة بخط أبويا
أنا وعدتها إنها لما تكبر، مش هخلي حد ياخد منها حقها.
اتجمعت الدموع في عيني.
لكن قبل ما أكمّل، لقيت ورقة مختلفة.
ورقة فيها اسم الشخص اللي كنت بدور عليه.
قرأته مرة.
ثم مرة ثانية.
وما صدقتش.
مستحيل.
نادية قالت
إيه؟
مديت لها الورقة.
بصت للاسم.
وسكتت.
قلت
ده... قريب طليقي.
نادية هزت رأسها.
أيوه.
قلبت الورقة.
وكان واضح إن الشخص ده كان بيموّل المطعم من أول يوم.
مش باسم طليقي.
ولا باسم عيلته.
لكن باسم شركة استثمارية.
والشركة كانت بتاخد نسبة من الأرباح.
كل شهر.
سألت
ليه؟
نادية قالت
لأن المطعم ما كانش مجرد مطعم.
فتحت الذاكرة الإلكترونية على اللابتوب اللي كان معانا.
ظهر مجلد واحد.
اسمه
مشروع ليلى.
فتحت المجلد.
لقيت ملفات الوصفات اللي كنت بعملها قبل الجواز.
ملفات التدريب.
تصميمات المطعم.
خطط التوسع.
حتى ملاحظاتي الشخصية.
كل حاجة.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في آخر ملف.
ملف بعنوان
خطة الاستحواذ.
فتحته.
بدأت أقرأ.
وكان واضح إن حد كان مخطط من سنين إنه يستولي تدريجيًا على كل شغلي المهني.
مش بس المطعم.
حتى اسمي التجاري.
وحقوق وصفاتي.
وعلاقاتي مع الموردين.
لكن كان فيه سطر واحد وقفني.
المرحلة الأخيرة تبدأ بعد الطلاق.
رفعت عيني لنادية.
يعني الطلاق كان جزء من الخطة؟
قالت
مش بالضرورة.
أمال إيه؟
قالت
الخطة كانت إنك تفضلي مقتنعة إنك ما بقيتيش قادرة تنجحي لوحدك.
سكت.
وفجأة فهمت.
كل مرة طليقي كان يقلل مني.
كل مرة يقول لي إن شغلي مش مهم.
كل مرة يقنعني إن المطعم محتاجه هو.
كل مرة كان بيطلب مني أوقع ورقة.
ما كانتش صدفة.
كان فيه هدف.
استرجعت أنفاسي.
وقلت
طيب مين كتب الخطة؟
نادية ما ردتش.
فتحت آخر صفحة.
وكان فيها توقيع.
توقيع الشخص المسؤول عن كل شيء.
بصيت للتوقيع.
ثم شهقت.
لأن التوقيع...
كان توقيع والدي.
نادية قالت بسرعة
استني.
لكن أنا كنت خلاص مش قادرة أسمع.
أبويا؟
هزت رأسها.
اقري الصفحة اللي بعدها.
قلبتها.
وكان تحت التوقيع ملاحظة بخط مختلف
تم إعداد الخطة ظاهريًا باسم السيد محمود، بناءً على طلبه، لحماية ابنته من الاستحواذ.
رفعت عيني.
يعني أبويا هو اللي كتب الخطة...
لكن