ست ممرضات بقلم شروق خالد

لمحة نيوز

ست ممرضات استقالوا في خمسة أسابيع، وواحدة منهم خرجت من القصر وهي بتعيط بشكل هستيري لدرجة إنها نسيت تاخد معطفها. ولما وصلت أنا، الكل كان متوقع إني أهرب زيهم، لكني كنت محتاجة الفلوس بشكل يخليني أواجه أخطر زعيم مافيا، وقبل ما الأسبوع يخلص، كنت هعمل الحاجة الوحيدة اللي منع كل ممرضة قبلي إنها تعملها.
العربية الفارهة كانت ريحتها جلد وسجاير بايتة، وهي بتاخدني بعيد عن القاهرة وسط طريق طويل محاط بالأشجار والظلام. إيدي كانت على هدومي الطبية القديمة، وأنا بفكر في آخر إنذار دفع كان مرمي فوق ترابيزة المطبخ، وفي أخويا الصغير تامر اللي جسمه بقى هزيل جدًا، ونايم على سرير في المستشفى.
اللوكيميا بتاعته ما بقتش تستجيب للعلاج العادي.
والتجربة العلاجية الجديدة اللي ممكن تنقذ حياته كانت محتاجة مبلغ أكبر من أي فلوس ممكن أكسبها في تلات أعمار.
وفجأة، اتصل بيا شخص مجهول وعرض عليَّ عشرة آلاف دولار في الأسبوع، كاش.
القواعد كانت بسيطة أعيش في القصر، ممنوع يكون معايا تليفون، ممنوع أسأل أي أسئلة عن إصابات المريض، وممنوع أهتم بالرجالة المسلحين اللي بيحرسوا المكان.
وافقت.
راجل اسمه حمدي قابلني بره القصر الحجري.
قال وهو بيطلع بيا السلم
الممرضة اللي كانت قبلك استحملت يومين بس.
سألته
واللي قبلها؟
رد
استحملت وردية وشوية من التانية.
بصيت له باستغراب.
ماله؟
وقف حمدي قدام بابين تقال.
وقال
مالك الدمنهوري بيكره إنه يحس إنه عاجز. هيشتمك، هيرفض الدوا، وممكن يرمي حاجات.
وبعدين وطّى صوته وقال
اعملي شغلك. متحاوليش تصلحيه. ومترديش عليه.
سكت لحظة، وبعدها قال
وأوعي تلمسي الستارة.
سألته
ليه؟
قال
هو عايز الأوضة ضلمة.
عدّلت شنطتي الرخيصة على كتفي وقلت
طول ما يوم الجمعة لسه معناه عشرة آلاف دولار، يخليه يزعق براحتُه.
فتح حمدي الباب.
ريحة الأوضة كانت خليط من اليود والعرق والجرح الملتهب.
ومن وسط الضلمة جه صوت خشن لدرجة إنه كان ممكن يخدش الجلد
قول لها تمشي.
بص حمدي ليَّ مرة واحدة، وبعدها قفل الباب ورا نفسه.
ولعت النور.
وفجأة إزازة طارت وانفجرت في الحيطة جنب راسي.
مالك الدمنهوري كان نايم على السرير الضخم، وشه شاحب ومليان كدمات، ورجله اليمين محبوسة في جهاز تثبيت خارجي، بمسامير معدنية داخلة في العضم. والضمادات التقيلة حوالين بطنه كانت بدأت تتشرب دم.
قال بعصبية
اطفي النور.
قلت
لأ.
عيونه الزرقا الباردة ضاقت وهو بيبص لي.
أنا محتاجة أكشف على الجرح.
اخرجي.
غسلت إيدي بدل ما أرد عليه.
وقلت
من الريحة واضح إن عندك عدوى بدأت تتطور. فلو الموت بطريقة درامية مش جزء من جدولك، أنا هغير الضمادة دي.
لما شلت الشاش، الجلد تحته كان أحمر وملتهب، وبدأت أجزاء منه تتعفن.
فجأة مالك مسك إيدي من معصمي.
متلمسينيش.
قلت له
إنت كده بتقطع الدورة الدموية.
ضغط على إيدي أكتر.
قلت متلمسينيش.
بصيت في عينيه وقلت
لو سبت النسيج ده من غير علاج، البكتيريا هتدخل مجرى الدم وإنت هتموت.
قربت منه أكتر وقلت
حكايات_شروق_خالد
وأنا محتاجاك تفضل عايش لحد يوم الجمعة.
حاجة اتغيرت في ملامحه.
وببطء، ساب إيدي.
نضفت الجرح، وبدأت له المضادات الحيوية، وفحصت كل مسمار في رجله، وبعدها قعدت في ركن الأوضة ومعايا رواية قديمة.
قال
اطفي النور.
رديت
لما أخلص الفصل.
ولأول مرة من خمس أسابيع، مفيش حد هرب من أوضة مالك الدمنهوري.
في اليوم الرابع، بطل يرمي حاجات.
وبدل كده، بدأ يعاقبني بالصمت.
سألته وأنا ماسكة حقنة المورفين
الألم من عشرة كام؟
ولا كلمة.
بصيت له وقلت
براحتك. خليك عنيد وإنت بتتوجع.
فكه اتحرك من الغضب، لكنه فضل ساكت.
بعد الضهر، لاحظت حاجة ما كنتش واخدة بالي منها قبل كده.
كل مرة شعاع شمس صغير كان بيتسلل من الفتحة الضيقة بين الستائر، مالك كان بيلف وشه ناحية الضوء.
مش بعيد عنه.
لأ...
ناحيته.
بصيت على الستائر المقفولة بإحكام.
وبعدين بصيت له.
قال بصوت هادي
متعمليش كده.
كانت أول كلمة يقولها لي من ساعات.
إيدي قفلت على حبل الستارة...
وبرغم تحذيره، مدّيت إيدي ناحيته.
حكايات_شروق_خالد 
ماتنساش تعملي متابعه ولايك عشان القصص هناك معظمها حصري وعشان يوصلك كل جديد
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين ارفع المنشور بخمس تعليقات بالصلاه على حبيب المصطفى وذكر الله
ست ممرضات استقالوا في خمسة أسابيع، وواحدة منهم خرجت من القصر وهي بتعيط بشكل هستيري لدرجة إنها نسيت تاخد معطفها. ولما وصلت أنا، الكل كان متوقع إني أهرب زيهم، لكني كنت محتاجة الفلوس بشكل يخليني أواجه أخطر زعيم مافيا، وقبل ما الأسبوع يخلص، كنت هعمل الحاجة الوحيدة اللي منع كل ممرضة قبلي إنها تعملها إيدي كانت لسه ماسكة حبل الستارة، لكن قبل ما أفتحه سمعت صوت مالك بيتغير تمامًا
إبعدي عنها!
لفيت له بسرعة.
لأول مرة من ساعة ما دخلت القصر، شفت الخوف في عينيه.
مش الغضب...
الخوف.
سيبت الحبل وقلت
إيه اللي في الستارة؟
سكت.
قربت خطوة.
مالك؟
قال بصوت منخفض
لو فتحتيها... ممكن تقتلي نفسك.
ضحكت بسخرية
دي ستارة، مش قنبلة.
وفجأة...
سمعت صوت حركة من ورا الباب.
حد كان واقف بره.
وبعدها خبطتين متتاليتين.
مالك رفع عينه للسقف وقال
متفتحيش الباب.
قلت
ده مين؟
مش مهم.
لكن الصوت اللي جه من الناحية التانية خلاني أتجمد
مالك... افتح.
كان صوت حمدي.
قربت من الباب، لكن مالك صرخ
متقربيش!
وقفت مكاني.
وبعد ثواني، المفتاح اتحرك في القفل.
الباب اتفتح ببطء.
دخل حمدي ومعاه راجلين مسلحين.
بصيت له باستغراب
إيه اللي بيحصل؟
حمدي ما ردش.
واحد من الرجالة كان ماسك ظرف أسود.
حطه على الترابيزة وقال
الجرعة اللي أخدها مالك من شوية كانت آخر جرعة.
مالك بص له ببرود.
مين بعتك؟
حمدي ابتسم.
إنت عارف.
حسيت إن في حاجة غلط.
قلت
إيه آخر جرعة؟
مالك بص لي.
ولأول مرة، قال اسمي.
مريم...
اتصدمت.
إنت عرفت اسمي إزاي؟
سكت.
حمدي بص له ثم بص لي.
وقال
هي لازم تعرف.
مالك رد بسرعة
لأ.
حمدي ابتسم ابتسامة غريبة.
إنت فاكر إنك لسه صاحب القرار؟
وبعدين فتح الظرف.
جواه صورة.
مدها ناحيتي.
أول ما شفتها، الدم نشف في عروقي.
كانت صورة أخويا تامر...
وهو نايم على سرير المستشفى.
لكن الصورة ما كانتش هي المصيبة.
المصيبة كانت الورقة اللي تحتها.
تقرير طبي مكتوب فيه
تم إيقاف العلاج مؤقتًا بأمر مجهول المصدر.
إيدي بدأت ترتعش.
قلت
إنتوا عملتوا إيه لأخويا؟!
حمدي قال بهدوء
إحنا؟ ولا مالك؟
لفيت ناحية مالك.
كان وشه متجمد.
قلت
إنت تعرف تامر؟
ما ردش.
صرخت
رد عليا!
رفع عينه لي وقال
أنا ما لمستش أخوك.
يبقى مين؟
قبل ما يرد...
النور انطفى.
الأوضة غرقت في الضلمة.
سمعت صوت ارتطام قوي.
وبعده صوت زجاج بيتكسر.
ثم صوت رجل بيصرخ
فتشوا الأوضة!
جريت ناحية السرير.
لكن مالك كان اختفى.
لمست مكانه...
السرير كان فاضي.
وفي نفس اللحظة، حسيت بإيد بتشدني من ورا.
اتخضيت وحاولت أصرخ.
لكن صوت مالك جه جنب ودني
لو عايزة أخوك يعيش... اسكتي.
اتجمدت.
همست
إنت أخدته فين؟
قال
أنا ما أخدتوش.
سكت لحظة.
وبعدين قال الجملة اللي خلتني أحس إن الأرض بتتحرك تحت رجلي
اللي أخد أخوك... هو نفس الشخص اللي قتل الممرضات الستة.
شهقت.
إيه؟!
شدني بعيد عن الباب.
وفي الظلام، بدأنا نمشي ناحية الحائط.
قلت
ست ممرضات؟ إنت قلت إنهم استقالوا!
رد
دي كانت الكذبة اللي خلينا الناس تصدقها.
وصلنا للحائط.
ضغط بإيده على حجر صغير.
وفجأة...
جزء من الحائط اتحرك.
ظهر ممر سري ضيق.
بصيت له وأنا مش مصدقة.
إنت كنت مخبي الممر ده طول الوقت؟
قال
مش أنا.
أمال مين؟
بص ناحية الظلام.
وقال
الممرضة الأولى.
وقبل ما أفهم قصده...
سمعنا صوت خطوات جاية من جوه الممر.
خطوة...
خطوة...
خطوة...
مالك مسك سلاحه.
وأنا وقفت وراه.
وفجأة ظهر شخص من قلب الضلمة.
ولما النور الخافت وقع على وشه...
عرفته.
كان الدكتور المسؤول عن علاج مالك.
الدكتور اللي قالي أول ما وصلت للقصر إن مالك مريض ومحتاج رعاية مستمرة.
لكنه كان ماسك في إيده ملف أخويا تامر.
وقال
كنت مستنيك يا مريم.
مالك رفع سلاحه عليه.
لكن الدكتور ابتسم وقال
لو قتلتني... أخوك هيموت.
وفجأة سمعنا صوت جرس من آخر الممر.
الدكتور بص في ساعته وقال
باقي عشر دقايق.
سألته وأنا مرعوبة
عشر دقايق لإيه؟
ابتسامته اختفت.
وقال
عشر دقايق قبل ما العملية تبدأ.
مالك بص لي.
وأنا بصيت للدكتور.
ثم للملف.
وفجأة فهمت...
الموضوع ما كانش مجرد وظيفة ممرضة.
أنا اتجبت للقصر من البداية لسبب واحد.
لكن السؤال الأخطر كان
ليه اختاروني أنا بالذات؟بصيت للدكتور وأنا مش قادرة أتكلم.
عملية إيه؟
ما ردش.
بدل ما يجاوبني، رفع الملف قدامي وفتحه على صفحة معينة.
كان فيها اسم أخويا تامر.
وتحت اسمه رقم ملف المستشفى.
لكن الاسم اللي تحته خلاني أحس إن قلبي وقع
مالك الدمنهوري.
بصيت لمالك.
إيه معنى ده؟
قال بصوت هادي
معناه إن أخوك مش هو المريض الوحيد اللي في الحكاية.
الدكتور قاطعه
معناه إن حالته مرتبطة بحالته.
وأشار ناحية مالك.
إنتوا الاتنين عندكم نفس العلامة في التحاليل.
قلت بسرعة
أي علامة؟
الدكتور قرب خطوة.
توافق نادر جدًا في فصيلة الدم والأنسجة.
سكت لحظة.
ثم قال
لكن ده مش سبب وجودك هنا.
مالك شد على سلاحه.
قول لها الحقيقة.
الدكتور ابتسم.
الحقيقة هتوجعها أكتر من أي كذبة.
صرخت
أنا عايزة الحقيقة!
فجأة جاء صوت انفجار مكتوم من ناحية القصر.
اهتز الممر كله.
الدكتور وقع الملف من إيده.
مالك أمسك كتفي وقال
انزلي!
انحنيت في اللحظة اللي رصاصة عدت فوقنا واستقرت في الحائط.
صوت حمدي جه من بعيد
مالك! اطلع فورًا!
مالك رد
خد مريم وروح.
لكن حمدي ما ظهرش.
بدل كده، سمعنا صوت خطوات كتير بتقرب.
الدكتور قال
وصلوا.
سألته
مين؟
قال
الناس اللي كانوا بيحاولوا يوصلوا لمالك من سنين.
مالك فتح باب حديد صغير في آخر الممر.
وقال لي
ادخلي.
رفضت.
وأنت؟
هحصلك.
مش هسيبك.
بص لي للحظة.
وقال
إنتِ لسه مش فاهمة إن وجودك هنا هو السبب اللي مخليهم يقتلونا كلنا.
قبل ما أقدر أرد، ظهر رجل مسلح في نهاية الممر.
مالك رفع سلاحه.
حصلت ثواني من الفوضى.
أنا جريت ناحية الباب الحديد.
لكن قبل ما أدخل، سمعت صوت الدكتور
مريم!
لفيت.
كان ماسك ورقة صغيرة.
رمى الورقة ناحيتي.
وقعت عند رجلي.
التقطتها.
كان مكتوب عليها عنوان المستشفى اللي فيها تامر.
وتحت العنوان جملة واحدة
متثقيش في الطبيب اللي بيعالج أخوك.
رفعت عيني للدكتور.
لكنّه كان اختفى.
مالك وصل عندي وقال
اقفلي الباب.
قفلت الباب.
وبمجرد ما اتقفل، سمعنا صوت قفل معدني من الناحية التانية.
حبست نفسي.
هو حبسنا؟
مالك هز رأسه.
لأ.
بص حوالينا.
الممر اللي دخلناه كان بينزل لتحت.
لتحت بشكل عميق.
وكل ما ننزل، كانت الحرارة بتزيد.
وبعد حوالي دقيقة، وصلنا لباب تاني.
مالك فتحه.
دخلنا غرفة صغيرة مليانة ملفات وصور.
صور للممرضات الستة.
كل واحدة فيهم كان جنب صورتها تاريخ.
الأولى...
الثانية...
الثالثة...
لحد السادسة.
لكن تحت الصورة السادسة كان فيه اسم مختلف.
مريم.
رجعت خطوة للخلف.
إنت كنت عارف إني هاجي؟
مالك ما ردش.
قلت
إنت اللي طلبت الممرضات كلهم؟
قال
لأ.
أمال مين؟
أشار إلى جهاز تسجيل قديم فوق المكتب.
ضغط عليه.
خرج صوت امرأة ترتجف من الخوف
لو التسجيل ده وصل لحد... يبقى أنا غالبًا مت.
اتسعت عيني.
كان صوت الممرضة السادسة.
تابعت
مالك مش هو اللي بيقتلنا.
سكتت ثواني.
ثم قالت
هو بيحاول يحمينا.
مالك بص لي.
والتسجيل كمل
لكن المشكلة إن الشخص اللي بنخاف منه... موجود جوه القصر.
انقطع التسجيل فجأة.
حدّقت في مالك.
مين؟
قال
لسه هنكتشف.
وفجأة...
رن هاتف موجود فوق المكتب.
مالك اتجمد.
قلت
إنت قلت مفيش تليفونات.
قال
ده مش تليفون.
رن مرة تانية.
ثم مرة ثالثة.
مالك مد إيده ببطء ورفع السماعة.
ما قالش كلمة.
جاء صوت رجل من الطرف الآخر
الممرضة وصلت للغرفة؟
مالك سكت.
الرجل ضحك.
كويس.
ثم قال
يبقى نقدر نبدأ المرحلة التانية.
مالك أغلق السماعة.
بصيت له.
إيه المرحلة التانية؟
قبل ما يجاوب...
جاء صوت صرخة من فوق.
صرخة امرأة.
وبعدها مباشرة...
صرخة تانية.
مالك فتح عينيه على اتساعهما.
وقال
دي مش واحدة من الحراسة.
مين؟
بص لي وقال
الممرضة الأولى.
ثم جرى ناحية السلم.
وأنا جريت وراه، وأنا لأول مرة بدأت أفهم إن الست ممرضات ما كانوش بيهربوا من مالك...
كانوا بيهربوا من سر موجود داخل القصر نفسه طلعنا السلم بأقصى سرعة، لكن قبل ما نوصل للباب الحديد، سمعنا صوت ارتطام قوي فوقينا.
مالك وقف فجأة.
قال بصوت منخفض
متطلعيش.
بصيت له.
بس في حد بيصرخ!
عارف.
دي الممرضة!
وعشان كده بالذات متطلعيش.
حاولت أعديه، لكنه وقف قدامي.
لو خرجنا دلوقتي، هنقع في الفخ.
قلت بعصبية
إنت عايزني أسيبها؟
رد
لو فتحنا الباب، مش هيكون عندنا فرصة ننقذها.
وفجأة...
الصوت اختفى.
الصمت اللي بعده كان أسوأ من الصرخة نفسها.
مالك قرب من الباب وحط ودنه عليه.
وبعد ثواني، سمعنا صوت خطوات بتتحرك فوقنا.
واحد...
اتنين...
تلاتة...
أكتر من شخص.
مالك أشار لي إني أرجع.
لكن في اللحظة دي، الباب اتفتح من الناحية التانية.
رجل ضخم نزل أول درجة.
شافنا.
ابتسم.
وقال
اتأخرتوا.
مالك رفع سلاحه.
الرجل ما خافش.
بالعكس، ضحك وقال
لو قتلتني، مش هتعرف أخوك فين.
أنا صرخت
تامر فين؟!
الرجل بص لي.
وقال
لسه عايش.
نفسي رجع.
لكن بعدها قال
لحد دلوقتي.
مالك اندفع ناحيته.
حصل اشتباك سريع عند السلم.
أنا رجعت للخلف، لكن عيني وقعت على حاجة غريبة في الأرض.
بطاقة مستشفى.
انحنيت والتقطتها.
كان عليها اسم
تامر.
لكن تاريخ الدخول كان تاريخ النهارده.
رفعت عيني بصدمة.
إزاي؟
مالك كان لسه بيقاوم الرجل.
صرخت
تامر مش في المستشفى!
مالك التفت لي.
الرجل استغل اللحظة وضربه وأسقطه على الأرض.
وبعدين جري ناحية الباب.
مالك حاول يقوم.
قلت
سيبه!
وجريت ناحية مالك.
ساعدته يقوم.
كان عنده جرح صغير في جبينه.
قال
إنتِ لقيتي إيه؟
وريته البطاقة.
وشه اتغير.
دي مش بطاقة دخول.
أمال إيه؟
قال
دي بطاقة نقل.
نقل لفين؟
بص على التاريخ.
ثم قال
الميناء.
اتجمدت.
ميناء؟
هز رأسه.
حد بينقل أخوك من المستشفى لمكان تاني.
بدأت أحس إن الدنيا بتلف بيا.
بس ليه؟
مالك بص لي.
عشان يستخدموه ضدي.
سألته
إزاي؟
قال
لأن الشخص اللي ورا كل ده عارف إن عندي نقطة ضعف واحدة.
سكت.
قلت
أخوك؟
هز رأسه.
أخوك.
اتصدمت.
إنت بتتكلم كأنك تعرفه من سنين.
مالك سكت.
ثم قال
أنا شفت تامر قبل ما إنتِ تشوفيه.
إمتى؟
من حوالي شهر.
فين؟
في المستشفى.
قربت منه.
وليه ما قلتليش؟
قال
لأن لو كنتِ عرفتي، كنتِ هتدوري وراه.
وطبعًا ده كان هيعرضه للخطر.
بالضبط.
قبل ما أكمل كلامي، سمعنا صوت عربية بتتحرك بره القصر.
مالك اتجه للنافذة.
قال
فات الأوان.
إيه؟
بدأوا ينقلوه.
قلت
يبقى لازم نلحقه.
بص لي.
ممكن ما ترجعيش.
قلت من غير تردد
وأخويا ممكن ما يرجعش.
سكت.
وبعدين أخد مفاتيح عربية من فوق المكتب.
لكن قبل ما نخرج، شفت صورة على الحائط.
صورة قديمة.
كان فيها مالك وهو أصغر بسنين.
وجنبه رجل كبير.
والرجل ده...
كان أبويا.
وقفت مكاني.
مالك...
لف لي.
وأشرت للصورة.
إنت تعرف أبويا؟
وشه اتغير تمامًا.
قال
أيوه.
من إمتى؟
سكت طويلًا.
ثم قال
من قبل ما تتولدي.
اتنفست بصعوبة.
كان بيشتغل عندك؟
مالك هز رأسه.
لأ.
قرب من الصورة.
ومسح التراب عن جزء صغير منها.
ظهر اسم مكتوب أسفل الصورة
الدكتور سامح...
اسم أبويا.
ثم قال مالك
أبوك كان الشخص الوحيد اللي قدر يوقف اللي بيحصل في القصر.
قلت
إيه اللي كان بيحصل؟
مالك بص لي.
وقبل ما يجاوب، انطلقت رصاصة من خارج القصر واستقرت في الزجاج فوق راسنا.
شدني على الأرض.
ثم قال
اللي قتل أبوكي... هو نفسه اللي أخد أخوكي.
وسكت لحظة.
ولو عايزين نلحق تامر، لازم نروح للميناء قبل الفجر.
لكن وأنا بجمع حاجتي، لقيت ورقة صغيرة في جيب الزي الطبي.
ورقة أنا متأكدة إني ما حطيتهاش هناك.
فتحتها.
وكان مكتوب فيها
لو خرجتي مع مالك، مش هتشوفي أخوكي تاني.
وتحت الجملة...
كان فيه توقيع واحد.
حمدي رفعت الورقة قدام مالك.
حمدي.
قرأ الاسم، وسكت.
قلت
يعني حمدي هو اللي ورا كل ده؟
مالك هز رأسه ببطء.
مش بالضرورة.
إزاي؟ الورقة بتقول لو خرجت معاك أخويا هيموت!
أخد الورقة من إيدي، قلبها، وبص عليها تحت الضوء.
ثم قال
دي مش كتابة حمدي.
إنت متأكد؟
أنا عارف خطه.
يبقى مين كتبها؟
مالك ما ردش.
خرج من جيبه ولاعة، قربها من طرف الورقة.
وفجأة ظهر على الورق حبر مخفي، وكلمات ما كانتش باينة قبل كده.
قرأتها بصوت مرتجف
الطريق للميناء مراقب. لا تثقي في أي عربية سوداء.
بصيت له.
يعني نروح إزاي؟
قال
مش بالعربية.
خرجنا من باب خلفي للقصر، وجرينا وسط الأشجار لحد ما وصلنا لمبنى قديم تابع للمزرعة.
مالك فتح باب حديدي صدئ.
جواه كانت عربية نقل قديمة مغطاة بالتراب.
قال
دي هتوصلنا للطريق الزراعي.
ركبت جنبه.
وقبل ما يتحرك، سألته
أبويا كان بيعمل إيه هنا؟
ظل ساكتًا فترة طويلة.
ثم قال
أبوك كان طبيب.
ده أنا عارفة.
لكنه ما كانش طبيب عادي.
بصيت له.
كان بيعالج مين؟
قال
ناس محدش كان يقدر يعالجهم.
يعني إيه؟
كان عنده أبحاث عن توافق الأنسجة.
قلبي دق بسرعة.
وتامر؟
تامر ورث حاجة من أبحاث أبوكي.
سكت.
قلت
إيه؟
قال
مش هقدر أشرحلك دلوقتي.
صرخت
كل مرة تقول مش هقدر! أخويا في خطر!
بص لي وقال
لأن لو قلتلك كل حاجة، ممكن تروحي تنقذيه لوحدك.
وأنا فعلًا هروح.
وعشان كده لازم تعرفي إن اللي قدامنا مش مجرد خطف.
وصلنا للطريق.
وبعد دقائق، ظهرت أضواء عربية سوداء خلفنا.
مالك بص في المرآة.
متبصيش وراكي.
لكن العربية قربت.
ثم بدأت تضرب نور عالي.
مالك زود السرعة.
العربية وراها زودت السرعة.
قلت
هما لحقونا.
قال
عارف.
فجأة العربية السوداء حاولت تقطع علينا الطريق.
مالك لف بسرعة.
العربية انحرفت، لكن اصطدمت بجانبنا.
سمعت صوت معدن بيتكسر.
العربية بدأت تفقد توازنها.
صرخت.
مالك شد الدركسيون بكل قوته.
اتوقفت العربية أخيرًا جنب مصرف مية.
سكتنا ثواني.
ثم قال
انزلي.
نزلنا وجَرينا بين الأشجار.
العربية السوداء وقفت خلفنا.
ثلاثة رجال نزلوا منها.
مالك أمسك إيدي.
متتكلميش.
اختبينا خلف سور منخفض.
سمعنا واحد منهم يقول
فتشوا المكان.
والتاني رد
الزعيم عايز الممرضة حية.
تجمدت.
بصيت لمالك.
همست
الزعيم؟
هز رأسه.
ثم سمعنا صوتًا من بعيد
ومتأكّدين إنها ما تشوفش الميناء.
مالك قرب مني وقال
دلوقتي فهمتي.
فهمت إيه؟
قال
هم مش خايفين إنك تنقذي أخوك.
سكت لحظة.
هم خايفين إنك توصلي للميناء.
ليه؟
قبل ما يرد، ظهر ضوء قوي بين الأشجار.
عربية تانية وصلت.
لكن المرة دي...
نزل منها حمدي.
وقفت أنفاسي.
حمدي بص ناحية الرجال وقال
فتشوا الناحية التانية.
مالك شد إيدي.
ما تطلعيش.
لكن حمدي وقف فجأة.
وبص مباشرة ناحية المكان اللي مستخبيين فيه.
ثم قال بصوت واضح
مالك... أنا عارف إنك هنا.
مالك رفع سلاحه.
حمدي كمل
ولو عايز أخوك يعيش...
سكت.
ثم قال
لازم تسلّم لي مريم.
نظرت إلى مالك.
ولأول مرة، شفت في عينيه ترددًا حقيقيًا.
لكن قبل ما يقول أي كلمة...
خرج صوت من جهاز اللاسلكي اللي في إيد حمدي
تم الوصول للميناء.
حمدي سأل بسرعة
والولد؟
جاء الرد
موجود.
ثم صوت آخر قال
لكن في مشكلة.
حمدي اتوتر.
إيه؟
الرد جاء واضحًا
الدكتور اللي معاه اختفى.
حمدي بص ناحية مالك.
ومالك ابتسم لأول مرة.
وقال لي بهدوء
دلوقتي بدأت اللعبة الحقيقية مالك أشار لي إني أتحرك بهدوء.
لكن قبل ما نخرج من مخبأنا، سمعنا صوت حمدي
مالك... لو خرجت، هتكون آخر مرة تشوف فيها أخوك.
مالك رد من غير ما يظهر
إنت مش فاهم أنا بدور على مين.
حمدي سكت.
مالك كمل
أنا بدور على الشخص اللي فوقك.
سادت لحظة صمت.
ثم ضحك حمدي.
أخيرًا فهمت.
خرج مالك من خلف السور.
أنا حاولت أمسك ذراعه، لكنه أبعد إيدي بهدوء.
خليكي هنا.
وقف قدام حمدي.
أين تامر؟
حمدي قال
الميناء.
مع مين؟
مع الشخص اللي كان أبوك بيخاف منه.
مالك اتغيرت ملامحه.
أبوك؟
حمدي بص لي.
هي ما تعرفش؟
مالك رد بسرعة
متدخلهاش في الموضوع.
حمدي ابتسم.
هي أصلًا دخلت من أول يوم لبست فيه الزي الأبيض.
ثم أخرج من جيبه صورة قديمة.
ورماها على الأرض.
الصورة وقعت قدامي.
انحنيت والتقطتها.
كانت صورة لأبي.
وبجانبه رجل لم أره في حياتي.
لكن في الخلفية...
كان القصر نفسه.
وعلى ظهر الصورة

تم نسخ الرابط