قبل تقاعدي

لمحة نيوز

قبل تقاعدي ب شهور، رديت على مكالمة كان المفروض تبقى من أكتر المكالمات العادية اللي هعدّي عليها وأنساها في مسيرتي اللي استمرت 30 سنة في الشرطة
بلاغ عن حد بيرمي مخلفات بشكل مخالف في مقلب زبالة تابع للمدينة.
لكن بعدها
حاجة اتحركت تحت جزمتي.
وسمعت صوت بكاء ضعيف جدًا جاي من جوه كيس زبالة أسود مربوط بإحكام.
في اللحظة دي، كل الأفكار اللي كانت في دماغي عن التقاعد اختفت تمامًا.
اسمي محمود حمدي، وعندي 57 سنة، وقضيت تقريبًا 30 سنة من عمري في قسم شرطة مدينة نصر.
كنت بدأت بالفعل أتخيل حياتي بعد التقاعد
صباحات من غير منبه، وقهوتي وأنا قاعد على ترابيزة المطبخ، ومشاوير طويلة مع أمي الكبيرة في السن، ورحلة صيد مأجلها بقالها أكتر من عشر سنين.
كنت فاكر إن أخيرًا هبدأ أعيش لنفسي شوية.
لكن كل ده اتغير في عصر يوم من أيام أغسطس.
الحرارة كانت خانقة، والجو نار، وفجأة اللاسلكي بتاعي شوشَر.
الوحدة 7، عندنا بلاغ عن حد بيرمي مخلفات بشكل مخالف في مقلب الزبالة الرئيسي على أطراف القاهرة. غالبًا الموضوع بسيط، بس تقدر تروح تشوف؟
بصيت لشريكتي في الدورية، الضابطة سلمى عبد الرحمن.
كانت أصغر مني بسنين، ملاحِظة جدًا، وبتحافظ على هدوئها مهما كان الموقف صعب.
وأوقات كتير كانت بتفكرني بنفسي وأنا لسه ضابط صغير، أول ما حطيت شارة الشرطة على كتفي.
بصتلي وقالت
إنت عندك اجتماع ترتيبات التقاعد الساعة أربعة.
بصيت في الساعة وهزيت كتافي.
وقلت
مش هتأخر.
الكلمتين دول فضلوا يطاردوني بعد كده.
اتحركنا ناحية مقلب الزبالة الموجود على أطراف القاهرة، وكانت موجات الحر بتترعش فوق جبال من الأثاث المرمِي، والأجهزة الكهربائية المكسورة، وأكياس الزبالة السودة.
الريحة ضربتنا قبل حتى ما ننزل من عربية الشرطة.
ريحة تقيلة ومقرفة، لدرجة إنها علقت في آخر حلقي.
كنت اشتغلت في المكان ده قبل كده في كذا بلاغ.
ولا مرة من المرات دي حسيت بالخوف.
أنا وسلمى اتفرقنا عشان نغطي مساحة أكبر، وأنا بدأت أمشي بحذر وسط كومة مخلفات لسه مترمية.
العرق كان غرق ياقة بدلتي، وأنا بعدي فوق ألواح خشب مكسورة، وكرتون متقطع، وأكياس بلاستيك ممزقة، والذباب داير حواليها.
وفجأة
حاجة اتحركت تحت جزمتي.
اتجمدت مكاني.
فضلت كام ثانية واقف من غير ما أتحرك.
مفيش غير صوت المعدات البعيدة، وحفيف أكياس البلاستيك وهي بتتحرك مع الهوا السخن.
كدت أقنع نفسي إني اتخيلت.
لكن
سمعته تاني.
صوت ضعيف جدًا.
في الأول ماقدرتش أحدد هو إيه.
وبعدين فهمت.
بُكا.
صرخت
سلمى!
لفت ناحيتي فورًا.
في إيه؟
تعالي هنا بسرعة!
نزلت على ركبي وبدأت أسمع كويس.
نبضي فجأة بقى بيخبط في صدري بعنف أكتر من أي مرة واجهت فيها متهم مسلح.
طلع صوت ضعيف تاني من تحت الزبالة.
صوت صغير
هش
صوت بني آدم.
بطني اتقبضت.
همست
ده صوت طفل.
وصلت سلمى عندي، وبدأنا إحنا الاتنين نفتش وسط المخلفات.
رميت كراتين وقطع خشب مكسرة بعيد، لحد ما عيني وقعت على كيس زبالة أسود كبير، محشور تحت كذا كيس أصغر منه.
فتحة الكيس كانت مربوطة بعقدة محكمة جدًا.
وفجأة
الكيس اتحرك.
سلمى همست وهي مصدومة
يا نهار أبيض
في اللحظة دي، كل غريزة اتعلمتها خلال 30 سنة في الشرطة اشتغلت مرة واحدة.
وقعت على ركبتي، مسكت الكيس، وسمعت فورًا صوت بكاء مكتوم جاي من جواه.
صرخت
اتصلي بالإسعاف!
سلمى مدت إيدها على اللاسلكي، وأنا بدأت أحاول أفك العقدة.
إيديا كانت بتعرق جامد لدرجة إن صوابعي كانت بتتزحلق من على البلاستيك.
قلت وأنا بحاول أفتح الكيس
خليك معايا أنا هنا. إنت مش لوحدك.
وفجأة
البكا وقف.
اتجمد الدم في عروقي.
لأ لأ، لأ، لأ!
بدأت أشد البلاستيك بإيديا بكل قوتي.
وأخيرًا
الكيس اتقطع واتفتح.
بصيت جواه
وفي اللحظة دي، الدنيا كلها حواليّا اختفت.
سلمى كانت واقفة ورايا، وصوتها طلع مرتعش
محمود؟
ماقدرتش أرد.
قالت
في إيه؟
فضلت ساكت.
لأن اللي كان بيبصلي من جوه كيس الزبالة
كان وش طفل صغير جدًا وأنا عارفه.
عرفته من أول نظرة.
عرفت عينيه.
عرفت ملامحه.
وعرفت بالضبط مين هو.
لكن اللي خلاني أحس إن الأرض بتتهز تحتي
إن وجود الطفل ده هنا، في كيس زبالة مربوط ومحكم، كان مستحيل يكون صدفة.
أنا كنت شوفته قبل كده.
وفي مكان تاني.
وفي ظروف مختلفة تمامًا.
والأغرب من كده
إن آخر مرة شوفته فيها، كنت فاكر إنه مات من سنين.
رفعت عيني لسلمى، وحاولت أتكلم، لكن صوتي خرج متقطع
سلمى اقفلي المكان كله.
بصتلي باستغراب.
ليه؟
بصيت تاني للطفل اللي كان جوه الكيس، وقلبي كان هيخرج من صدري.
وقلت
عشان اللي حصل هنا مش مجرد بلاغ رمي مخلفات.
سلمى قربت مني.
أمال إيه؟
بلعت ريقي وقلت
أنا عارف الطفل ده.
سلمى بصت للطفل، وبعدين بصتلي.
تعرفه إزاي؟
ماجاوبتش.
لأن السؤال الحقيقي كان أخطر بكتير
مين اللي حطه في كيس زبالة ورماه هنا؟
وليه اختاروا بالذات المكان اللي أنا هكون فيه؟
والأهم
إزاي طفل كنت متأكد إنه مات من سنين ظهر قدامي النهارده وهو لسه عايش؟
في اللحظة دي، عرفت إن مكالمة التقاعد اللي كنت مستنيها بفارغ الصبر
مش هتحصل.
لأن القضية دي هتفتح سر قديم مدفون من أكتر من عشرين سنة
وسر هيخليني أشك في ناس قضيت عمري كله بثق فيهم.
واللي شوفته بعد كده في ملف الطفل خلاني أتمنى لو كنت ما رديتش على المكالمة من الأساس.
سلمى فضلت باصة ليّا ثواني، كأنها مستنية مني أقول أي تفسير منطقي.
لكن أنا ماكنتش قادر.
الطفل كان لسه بيتنفس بصعوبة، ووشه شاحب، وهدومه متسخة، وعلى إيده اليمين علامة صغيرة زرقاء على شكل هلال.
وأول ما عيني وقعت عليها
اتسمرت مكاني.
سلمى لاحظت ده فورًا.
قالت
إنت تعرف العلامة دي؟
هزيت راسي ببطء.
أيوه.
معناها إيه؟
بصيت للطفل، وبعدين قلت بصوت منخفض
كانت موجودة في ملف قديم جدًا ملف اتقفل من أكتر من عشرين سنة.
سلمى قربت مني
ملف إيه؟
قبل ما أجاوب، وصلت الإسعاف.
المسعفين شالوا الطفل بسرعة وحطوه على الترولي، وأنا مشيت وراهم لحد عربية الإسعاف.
لكن قبل ما الباب يتقفل، الطفل فتح عينيه فجأة.
بصلي مباشرة.
ولأول مرة من ساعة ما لقيته، اتكلم.
صوته كان ضعيف جدًا لدرجة إني بالكاد سمعته.
قال
عمو محمود
اتجمدت.
سلمى كانت واقفة جنبي وسمعته هي كمان.
دخلت نص جسمي جوه العربية وقلت
إنت تعرفني؟
الطفل حاول يرفع إيده، لكنه ماقدرش.
وبصوت متقطع قال
ماما قالتلي لو حصل أي حاجة أقول اسمك.
قلبي وقع.
اسم مين؟
غمض عينيه لحظة، وبعدين قال
محمود حمدي.
سلمى بصتلي.
وأنا حسيت إن الماضي اللي كنت فاكره مدفون رجع يفتح بابه قدامي.
لكن قبل ما أسأله أي سؤال تاني، فقد وعيه.
اتقفل باب الإسعاف، والعربية اتحركت.
فضلت واقف أبص وراها.
سلمى قالت
لازم تحكيلي كل حاجة.
بصيت لها وقلت
مش هنا.
أمال فين؟
القسم.
ركبنا العربية، لكن قبل ما نتحرك، لاحظت حاجة على الأرض جنب المكان اللي كان فيه كيس الزبالة.
قطعة قماش صغيرة.
انحنيت وخدتها.
كانت جزء من بطانية أطفال قديمة.
وفي طرفها خيط أحمر، متخيط بشكل غريب.
مجرد ما شوفته
افتكرت حاجة.
من عشرين سنة.
ليلة ما قدرتش أنساها.
ليلة كان فيها طفل صغير اختفى من مستشفى بعد ساعات من ولادته.
ولما وصلنا وقتها، كانت الأم منهارة، والأب بيصرخ، والممرضة بتقول إن الطفل مات بسبب مضاعفات الولادة.
لكن كان فيه تفصيلة واحدة محدش عرف يفسرها.
الجثمان ماكانش موجود.
فضلنا ندور عليه أيام.
وبعدين ظهر تقرير رسمي بيقول إن الطفل اتدفن.
القضية اتقفلت.
وأنا وقتها كنت واحد من الضباط اللي حضروا التحقيق.
لكن دلوقتي
الطفل اللي قدامي كان عنده نفس العلامة.
نفس العمر تقريبًا.
والأغرب
إن اسم الطفل القديم كان مكتوب في أول صفحة من الملف
آدم محمود حمدي.
سلمى ساقت بسرعة ناحية القسم.
وأنا طول الطريق ساكت.
لحد ما وصلنا، دخلت مكتبي، وطلبت منها تقفل الباب.
فتحت درج قديم جدًا في المكتب، وطلعت مفتاح صغير كنت محتفظ بيه من سنين.
سلمى بصت للمفتاح.
ده مفتاح إيه؟
قلت
أرشيف القضايا القديمة.
وإنت لسه محتفظ بيه؟
بصيت لها وقلت
لأني عمري ما اقتنعت إن قضية الطفل دي اتقفلت صح.
نزلنا للأرشيف.
المكان كان مليان تراب وملفات قديمة.
وبعد حوالي عشر دقايق من البحث، لقيت الملف.
حطيته على الترابيزة.
كان عليه طبقة تراب تقيلة.
مسحتها بإيدي.
وفضلت أبص للاسم المكتوب عليه.
آدم محمود حمدي.
فتحت أول صفحة.
وبعدين التانية.
وبعدين الثالثة.
وفجأة
سلمى شهقت.
محمود
بصيت لها.
كانت بتشاور على صورة قديمة جوه الملف.
الصورة كانت لرضيع ملفوف في بطانية.
وبصيت على البطانية في الصورة
ثم على قطعة القماش اللي كانت في إيدي.
نفس الخيط الأحمر.
نفس النقشة.
رفعت عيني لسلمى.
يبقى الطفل اللي في المستشفى ماكانش هو آدم.
سلمى قالت
أمال مين اللي اتدفن؟
ماقدرتش أرد.
لأن تحت الصورة مباشرة كان فيه تقرير بخط إيد ضابط قديم.
والجملة المكتوبة فيه كانت
تم استبدال هوية الطفل قبل تسجيل الوفاة.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في السطر اللي بعده.
لأن اسم الشخص اللي وقّع على التقرير
كان اسم شخص أنا أعرفه كويس جدًا.
شخص لحد النهارده
لسه شغال في الشرطة فضلت باصص للاسم كأني مستني الحروف تتغير قدامي.
لكنها ما اتغيرتش.
سلمى قربت من الورقة وقالت
مين ده؟
حطيت صباعي على الاسم.
اللواء فؤاد مراد.
سلمى رفعت عينيها بسرعة.
مدير الإدارة وقتها؟
هزيت راسي.
أيوه.
ولسه عايش؟
ولسه في الخدمة.
سكتنا الاتنين.
صوت مروحة الأرشيف كان هو الحاجة الوحيدة اللي بتتكلم.
سلمى قالت
يعني حد استبدل هوية الطفل، وسجل وفاة لطفل تاني، وبعدها اتقفل الملف؟
قلت
الظاهر كده.
وإيه علاقة الطفل اللي لقيناه بالموضوع؟
بصيت للملف.
السؤال مش هو إيه علاقته
وقلبت الصفحة.
السؤال هو مين اللي عرف إن الملف ده موجود أصلًا؟
وفجأة سمعنا صوت خطوات في الممر.
خطوة
ثم خطوة تانية.
سلمى قفلت الملف بسرعة.
الباب اتفتح.
كان أمين الشرطة المسؤول عن الأرشيف.
بص لنا باستغراب وقال
حضرتك طلبتني يا فندم؟
قلت
لأ.
بص ناحية الملف المفتوح.
أمال الملف ده طلع إزاي؟
سألته
إنت كنت هنا من إمتى؟
اتوتر.
من حوالي ساعة.
ومين دخل الأرشيف قبلي؟
سكت.
وبعدين قال
محدش.
بصيت لسلمى.
وبعدين رجعت بصيت له.
متأكد؟
هز راسه.
أيوه يا فندم.
قمت من مكاني وفتحت باب الأرشيف.
بصيت على القفل.
القفل كان سليم.
لكن التراب اللي على الأرض كان عليه آثار أقدام جديدة.
مش آثارنا.
حد كان موجود هنا قبلنا.
سلمى نزلت على ركبتها وبصت للأرض.
قالت
في حد دخل من الباب ده.
قلت
وكان عارف بالضبط بيدور على إيه.
رجعت للملف بسرعة.
قلبت الصفحات.
وهنا اكتشفت حاجة أخطر.
صفحة كاملة كانت متشالة من الملف.
سلمى قالت
مين شالها؟
قلت
الشخص اللي كان خايف إننا نوصل للحقيقة.
أمين الشرطة بدأ يتوتر.
قلت له
اقفل باب الأرشيف.
قال
حاضر.
خرج.
بعد ثواني، سمعنا صوت المفتاح وهو بيتلف.
لكن قبل ما نتحرك
تليفوني رن.
رقم المستشفى.
رديت فورًا.
ألو؟
صوت ممرضة كان واضح عليه التوتر
حضرتك محمود حمدي؟
أيوه.
الطفل اللي حضرتك جبته عندنا
سكتت.
في إيه؟
قالت
فاق.
قلبي دق بسرعة.
طيب؟
أول ما فاق، سأل عنك.
أنا جاي حالًا.
لكنها قالت جملة خلتني أقف مكاني
هو مش بس بيسأل عنك هو بيقول إن الشخص اللي رماه في الزبالة كان عارف إنك هتلاقيه.
بصيت لسلمى.
قال مين اللي رماه؟
الممرضة ردت
لأ.
ثم سكتت لحظة.
لكنه قال حاجة تانية.
إيه؟
قالت
قال إن الراجل اللي حطه في الكيس كان لابس بدلة شرطة.
الدم تجمد في عروقي.
سلمى قربت مني.
محمود؟
حطيت الهاتف على ودني وقلت
متقفليش معايا.
الممرضة قالت
في حاجة كمان.
إيه؟
الطفل قال إن الراجل ده قال له قبل ما يقفل الكيس
محمود هو الوحيد اللي يقدر ينقذك.
قفلت المكالمة.
سلمى قالت
يعني اللي رماه كان عايزك تلاقيه.
قلت
بالضبط.
طب ليه؟
بصيت للملف.
عشان يوصلني للحقيقة.
وفي اللحظة دي
سمعنا صوت خبطة قوية من آخر الأرشيف.
لفينا الاتنين.
الملف اختفى من

تم نسخ الرابط