ياسياده القاضي

لمحة نيوز

يا سيادة القاضي... أنا معايا الدليل!
صوت بنت صغيرة عندها سبع سنين دوّى في آخر قاعة المحكمة، في اللحظة اللي القاضي كان خلاص هيمد إيده عشان يوقّع على قرار كان هيغيّر حياتي كلها...
قرار يدي أخويا الأصغر حق يتحكم في فلوسي، وبيتي، وكل حاجة تخصني.
كنت وقتها عندي اتنين وستين سنة، قاعد على كرسي متحرك، رجلي مش شايلاني، وإيدي بالكاد بتتحرك، وحتى ذاكرتي بقت تخوني من وقت للتاني.
لكن أول ما البنت الصغيرة رفعت شنطة ظهر بنفسجية قديمة وضمتها لصدرها...
ابتسامة أخويا اختفت.
تمامًا.
محكمة جنوب القاهرة كانت زحمة بشكل مش طبيعي الصبح ده.
صحفيين قاعدين جنب المحامين، وناس جاية تتفرج، وموظفين المحكمة رايحين جايين، وكل اللي في القاعة تقريبًا كان عايز يعرف إزاي راجل كان في يوم من الأيام من أغنى وأقوى رجال الأعمال في البلد وصل بيه الحال إنه يقف قدام المحكمة عشان يثبت إنه لسه قادر يدير حياته.
والراجل ده كنت أنا.
اسمي فؤاد المنشاوي.
على مدار سنين طويلة، بنيت مستشفيات، ودخلت في شركات تكنولوجيا، واستثمرت في العقارات في أكتر من محافظة.
كان عندي فلوس تكفيني وأولادي وأحفادي يعيشوا مرتاحين العمر كله.
لكن كل ده ماكانش له أي قيمة وأنا قاعد قدام المستشار مريم عبدالسلام، عاجز حتى إني أقف على رجلي.
مرض التصلب المتعدد أخد مني قدرتي على المشي واحدة واحدة.
وبعدها بدأ يأثر على إيدي.
وفي الفترة الأخيرة، كانت ذاكرتي بتتعبني.
أنسى ميعاد.
أنسى اسم شخص.
أحيانًا أدخل أوضة وأنسى أنا دخلتها ليه.
وده بالضبط اللي أخويا الأصغر كان مستنيه.
سامح.
وقف قدام القاضي ببدلته الغالية، وصوته هادي ومحسوب، وكأنه جاي المحكمة عشان ينقذ أخوه المريض مش عشان يستولي على حياته.
وقال
يا سيادة المستشار، الموضوع مش موضوع فلوس خالص... إحنا بنتكلم عن أخويا. حالته الصحية ما بقتش تسمح له إنه يدير شؤونه بنفسه، ولا ياخد قرارات تخص ممتلكاته أو أمواله. أنا كل اللي بطلبه إني أبقى المسؤول عنه وأحميه.
أحميه؟
الكلمة دي كانت كفيلة إني أضحك لو كنت قادر.
سامح كان عايز وصاية قانونية عليّا.
يعني ببساطة، يبقى هو صاحب القرار في فلوسي، وشركاتي، وممتلكاتي، وحساباتي... وحتى القرارات المهمة في حياتي.
والأغرب؟
إنه كان بيمثل دور الأخ الحنون بإتقان يخلي أي حد ما يعرفوش يصدقه.
جنبه كانت قاعدة طليقتي نهى.
وشها كان هادي بشكل غريب.
لا بتتكلم.
ولا بتبصلي.
ولا حتى بتبين هي جاية ليه.
ووراهم كان واقف محمود، مساعدي القديم.
الراجل اللي كنت باعتبره واحد من أوفى الناس ليا.
سنين وأنا بثق فيه.
وسنين وأنا سايبه يدخل مكتبي وبيتي من غير استئذان.
لكن النهارده؟
واقف ورا سامح.
ضدي.
بصيت لمحاميّ، حمدي نصار.
الراجل اللي المفروض يكون موجود عشان يدافع عني.
وقلت له بصوت ضعيف
اتكلم يا حمدي...
حمدي نزل عينه في الأرض.
ما ردش.
وللمرة التانية خلال الجلسة، ما قالش ولا كلمة.
في اللحظة دي بدأت أفهم إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد طلب وصاية.
في حاجة غلط.
حاجة كبيرة.
الجلسة كلها كانت ماشية كأن الحكم اتكتب خلاص، وإحنا بس قاعدين نسمع تفاصيله.
بصت المستشارة مريم في الورق اللي قدامها.
قلبت كام ورقة.
وبعدين رفعت القلم.
سامح بص ناحية نهى.
نظرة سريعة جدًا...
لكن شفتها.
وبعدها ابتسامة صغيرة ظهرت على وشه.
ابتسامة واحد واثق إنه كسب.
حسيت معدتي اتقبضت.
حاولت أحرك إيدي.
ما قدرتش.
حاولت أتكلم.
لساني خانني.
كنت عايز أصرخ فيهم
أنا لسه واعي!
أنا فاهم كل حاجة!
أنا مش مجنون!
أنا بس جسمي اللي خانني!
لكن كل اللي خرج من بوقي كان صوت ضعيف ما حدش تقريبًا سمعه.
وفي اللحظة اللي القاضي كانت هتبدأ فيها النطق بالقرار...
جاء صوت طفولي من آخر القاعة.
صوت عالي وواضح.
يا سيادة المستشار... أنا معايا الدليل!
القاعة كلها سكتت.
القلم وقف في إيد المستشارة.
كل الرؤوس اتلفت ناحية آخر صف.
وهناك...
كانت واقفة بنت صغيرة.
يمكن عندها سبع سنين.
هدومها بسيطة، وشعرها منكوش شوية، وعينيها مليانة خوف.
لكن أكتر حاجة شدت انتباهي...
كانت شنطة ظهر قديمة، لونها بنفسجي، حاضناها بإيديها الاتنين كأنها خايفة حد ياخدها منها.
سامح ضحك ضحكة متوترة وقال
هو إيه ده؟! مين دخل البنت دي هنا أصلًا؟
واحد من أمن المحكمة اتحرك ناحيتها.
لكن المستشارة رفعت إيدها.
استنى.
الراجل وقف مكانه.
المستشارة بصت للبنت وقالت بهدوء
تعالي يا حبيبتي... اسمك إيه؟
البنت بلعت ريقها وقالت
ملك. ملك رجب.
وإنتِ معاكي إيه يا ملك؟
ملك ما ردتش على طول.
بصت ناحية سامح.
وفي اللحظة دي...
أنا شفت حاجة عمري ما كنت أتخيل أشوفها.
الخوف.
لأول مرة من بداية الجلسة، شفت الخوف الحقيقي في عين أخويا.
المستشارة قالت
خليها تيجي هنا.
ملك بدأت تمشي في الممر.
خطوة...
ورا خطوة...
وصوت جزمتها الصغيرة كان مسموع في القاعة اللي سكتت كلها.
الصحفيين رفعوا موبايلاتهم.
والناس بدأت تهمس.
لحد ما وصلت قدام كرسيي المتحرك.
وقفت قدامي.
وبصتلي.
عينيها لمعت بالدموع.
وبصوت واطي قالت
أنا وعدت ماما...
سكتت لحظة، وبعدين كملت
قالتلي لو حصل لها حاجة، لازم أوصل الشنطة دي للأستاذ فؤاد.
سامح قام من مكانه فجأة.
وصوته اتغير
يا سيادة المستشار، الكلام ده ما ينفعش! لازم توقفوا المهزلة دي فورًا!
المستشارة بصت له بحدة.
اقعد يا أستاذ سامح.
سامح وقف مكانه.
وشه بدأ يتغير.
ملك فتحت الشنطة البنفسجية ببطء.
دخلت إيدها جواها.
طلعت ظرف أبيض قديم ومتقفل.
وبعدين مدت إيدها بيه ناحيتي.
لكن قبل ما آخده...
لمحت حاجة مكتوبة على الظرف.
اسمي.
إلى الأستاذ فؤاد المنشاوي.
تجمدت مكاني.
أنا عرفت الخط.
عرفته من أول نظرة.
لأن الشخص اللي كتب اسمي على الظرف...
كان شخصًا أعرفه جيدًا جدًا.
شخص كنت أظن إنه مات من سنين.
وشخص واحد فقط في حياتي كان ممكن يكتب الرسالة دي بالطريقة دي.
رفعت عيني ناحية سامح.
ولأول مرة...
ما كانش قادر يبص في عيني.
وساعتها فهمت إن قضية الوصاية دي ما كانتش أصل الحكاية أصلًا...
مديت إيدي ناحية الظرف، لكن صوابعي كانت بترتعش بشكل خلاني مش قادر أمسكه.
ملك قربته مني أكتر وقالت
خد يا أستاذ فؤاد... ماما قالتلي ما أديهولش لحد غيرك.
أول ما لمست الظرف، حسيت ببرودة غريبة في إيدي.
مش عشان الورقة...
عشان الخط.
الخط اللي كنت أعرفه كويس.
خط مراتي الأولى... سعاد.
سعاد اللي ماتت من تمنتاشر سنة.
سعاد اللي سامح حضر جنازتها بنفسه.
سعاد اللي كلنا دفناها، وشفت بنفسي الدكتور وهو بيأكد وفاتها.
إزاي اسمها موجود على ظرف اتكتب من سنين؟
فتحت الظرف بصعوبة.
طلعت ورقة واحدة.
كانت مكتوبة بخط إيدها.
وفي أول سطر
فؤاد... لو الورقة دي وصلت لك، يبقى سامح بدأ ينفذ اللي خطط له.
قلبي اتقبض.
رفعت عيني ناحية سامح.
كان واقف ثابت...
لكن وشه فقد لونه.
كملت القراءة
أنا عارفة إنك هتستغرب إزاي الورقة دي وصلت لك بعد كل السنين دي، وعارفة إنك ممكن تشك إن حد زوّر خطي...
سكت لحظة.
وبعدين قرأت السطر اللي بعده
عشان كده، أنا سايبة لك دليل مش ممكن حد يزوّره.
رفعت رأسي.
المستشارة مريم كانت بتبصلي باهتمام.
قالت
كمّل يا أستاذ فؤاد.
لكن صوت سامح انفجر فجأة
الورقة دي غير قانونية! ومحدش يعرف مصدرها! دي ممكن تكون متفبركة!
ملك انتفضت من صوته.
فبصت له المستشارة وقالت
قلتلك اقعد.
سامح رجع مكانه.
لكن قبل ما يقعد، بص لمحمود.
نظرة سريعة.
نفس النظرة اللي شفتها قبل كده.
وساعتها بدأت أشك إن الاتنين بيتواصلوا من غير كلام.
رجعت للورقة.
فؤاد...
إنت فاكر إن أبوك مات من غير ما يسيب وصية؟
الحقيقة إن أبوك ساب وصية.
لكن الوصية اختفت.
إيدي بدأت تترعش أكتر.
أنا فعلًا كنت فاكر إن والدي مات من غير وصية.
وعشان كده، وقتها قسمت ممتلكاته مع إخواتي بالتراضي.
لكن سعاد كانت عارفة حاجة أنا ما كنتش أعرفها.
قريت بسرعة
الوصية ما اختفتش.
سامح هو اللي أخدها.
شهقت من غير ما أحس.
القاعة بدأت تمتلئ بالهمس.
المستشارة أشارت للجميع بالسكوت.
لكن أنا ما كنتش قادر أرفع عيني من الورقة.
ولو سامح قال لك إن الوصية ما كانش فيها غير تقسيم عادي للميراث...
ما تصدقوش.
لأن والدك كتب فيها شرط واحد غيّر كل حاجة.
وقفت القراءة.
بصيت للمستشارة.
قالت
إيه الشرط؟
بصيت لسامح.
هو كان بيبص للأرض.
قلت بصوت متقطع
مش عارف...
ملك فجأة قالت
ماما كانت عارفة.
كلنا بصينا لها.
قالت
وقالتلي إن الأستاذ فؤاد لازم يعرف قبل ما الراجل ده ياخد منه كل حاجة.
سامح وقف تاني.
مين الراجل ده؟!
ملك أشارت له بإيدها الصغيرة.
إنت.
القاعة كلها اتقلبت همس.
سامح صرخ
دي طفلة! مين حرضها عليا؟!
ملك بدأت تعيط.
فقربت منها رغم ضعفي، وقلت
متخافيش.
بصتلي.
وبعدين قالت
ماما قالتلي كمان إن لو حاول يمنعني... أقول لك على المكان.
قلبي وقف لحظة.
مكان إيه؟
ملك فتحت الشنطة تاني.
طلعت مفتاح صغير.
مفتاح قديم جدًا.
وعليه ورقة مربوطة بخيط.
قرأت المكتوب
المخزن رقم 17.
اتجمدت.
أنا أعرف المكان ده.
مخزن قديم كان تابع لشركتي من أكتر من عشرين سنة.
لكن المخزن اتقفل من زمان.
ومحدش بيدخله.
سامح أول ما شاف المفتاح، اتحرك ناحية الباب.
المستشارة لاحظت.
وقالت لأمن المحكمة
محدش يخرج من القاعة.
سامح وقف.
أنا عندي اجتماع مهم.
ردت عليه
اجتماعك يستنى.
وبعدين وجهت كلامها لي
أستاذ فؤاد، هل تعرف المخزن رقم 17؟
بصيت للمفتاح.
وقلت
أعرفه.
وإيه اللي موجود فيه؟
سكت.
حاولت أفتكر.
ذاكرتي خانتني.
لكن فجأة...
صورة قديمة ضربت في دماغي.
أنا...
وسعاد...
ووالدي...
وسامح واقف بعيد.
ويومها كان فيه صندوق حديد أسود.
صندوق أنا ما شفتوش بعدها أبدًا.
حطيت إيدي على رأسي.
أنا فاكر...
سامح اتحرك في كرسيه بعصبية.
المستشارة سألت
فاكر إيه؟
بصيت لها وقلت
فاكر الصندوق.
سامح بلع ريقه.
ملك بصتلي وقالت
هو ده اللي ماما كانت خايفة منه.
سألتها
مامتك قالت لك إيه عنه؟
البنت سكتت.
وبعدين قربت مني وهمست
قالتلي إن جواه الحقيقة اللي هتثبت إنك مش فاقد عقلك...
سكتت لحظة.
ثم قالت
وإن أخوك هو اللي خلّى الناس تفتكر إنك بقيت مش واعي.
في اللحظة دي...
حمدي نصار، محاميّي، رفع رأسه لأول مرة.
وبص لسامح.
ثم قال جملة واحدة
لازم نوقف القضية دي فورًا.
أنا بصيت له باستغراب.
إنت ليه ساكت من أول الجلسة؟
حمدي ما ردش.
لكن المستشارة سألته
أستاذ حمدي، هل عندك معلومات لم تُذكر أمام المحكمة؟
فضل ساكت ثواني.
وبعدين أخرج من حقيبته ملفًا بنيًا.
حطه على الطاولة.
وقال
عندي مستندات لو اتعرضت النهارده... القضية كلها هتتغير.
سامح وقف مرة واحدة.
إنت بتعمل إيه يا حمدي؟!
حمدي بص له لأول مرة بثبات.
وقال
أنا كنت ساكت عشان كنت مستني اللحظة المناسبة.
ثم فتح الملف.
وأول ورقة ظهرت قدام عيني...
كان عليها توقيعي.
وتاريخ يرجع لقبل بداية مرضي بسنين.
لكن اللي كان مكتوب تحت توقيعي...
خلاني أحس إن الأرض بتتحرك من تحتي قربت من الورقة رغم إن نظري كان مشوش.
حمدي حط صباعه على السطر وقال
اقرأ بنفسك يا فؤاد.
ركزت عيني بالعافية.
وكان مكتوب
إقرار بإلغاء جميع التوكيلات والتفويضات السابقة، وعدم أحقية أي شخص، بما في ذلك شقيقي سامح المنشاوي، في إدارة أموالي أو ممتلكاتي دون موافقتي الشخصية.
شهقت.
التوقيع ده... توقيعي.
حمدي هز رأسه.
أيوه.
سامح ضرب بإيده على الترابيزة
مزور!
المستشارة مريم رفعت صوتها
أستاذ سامح، آخر تحذير.
لكن حمدي أخرج ورقة تانية.
فيه حاجة أهم.
حطها جنب الأولى.
الإقرار ده اتوثق رسميًا قبل سبع سنين.
سامح سكت.
بصيت لحمدي
ليه أنا مش فاكر؟
قال بهدوء
لأنك ما كنتش محتاج تفتكره... لحد ما حصل اللي حصل.
قلت
وإنت كنت عارف؟
خفض عينه.
كنت عارف جزء.
جزء إيه؟
قبل ما يرد، ملك قربت من الترابيزة وقالت
ماما قالتلي إن الأستاذ حمدي كان خايف.
حمدي بص لها بسرعة.
أمك قالت لك كده؟
هزت رأسها.
وقالتلي إنك وعدتها إنك هتسلم الظرف لو حصل لها حاجة.
سادت لحظة صمت.
أنا بصيت لحمدي.
سعاد كانت عارفة إنك معاك الورقة؟
قال
أيوه.
وكانت عارفة إن سامح بيحاول ياخد

تم نسخ الرابط